تندرج رواية سيرة المرأة العجوز ضمن السرديات العربية التي تجعل من الذاكرة الفردية بوابةً لفضح المسكوت عنه اجتماعيًا وتاريخيًا. فهي ليست مجرد حكاية امرأة تستعيد حياتها قبيل الموت، بل نص اعترافي كثيف، يشتبك مع الجسد، والسلطة الأبوية، والطبقية، والعنف الجنسي، والهوية، في إطار سردي يتأرجح بين الحميمي والرمزي.
أولًا: بنية السيرة والاعتراف
تعتمد الرواية على تقنية السيرة الذاتية المتخيلة؛ إذ تتكئ على صوت امرأة عجوز تقرر أن تحكي، لا لتخلِّد ذاتها، بل لتُعرّي الماضي. اختيار “العجوز” راوِيةً ليس بريئًا، بل يمنح السرد شرعية الاعتراف؛ فهي تقف على حافة الموت، حيث تسقط الأقنعة ويصبح البوح فعل خلاص لا ترفًا أخلاقيًا.
التمهيد يعلن بوضوح موقف الرواية من الزمن: الماضي ليس جميلًا كما يُروَّج له، بل مخزن ألم، والكتابة هنا فعل مقاومة لتمجيده. ومن ثم، فالسرد ليس استرجاعًا نوستالجيًا، بل محاكمة للذاكرة.
ثانيًا: الجسد بوصفه ساحة للصراع
يحتل الجسد موقعًا مركزيًا في الرواية، منذ الطفولة وحتى الشيخوخة. حادثة الاعتداء الجنسي في الطفولة تمثل الجرح المؤسِّس للشخصية، وتفسِّر لاحقًا علاقتها المأزومة بالرجال، وبذاتها، وبالمدينة، وحتى بالوطن. الجسد هنا ليس موضوع شهوة فقط، بل وثيقة عنف، وذاكرة لا تُنسى، حتى حين يحاول العقل النسيان.
تنجح هند مختار في تقديم مشاهد العنف دون ابتذال أو استغلال، معتمدة على لغة سردية مباشرة، موجِعة، ترفض التجميل. كما تحوِّل الجسد من موضع ضعف إلى أداة وعي، ثم إلى وسيلة انتقام رمزي لاحقًا عبر كسر الرجال وامتلاك القرار.
ثالثًا: المكان، الطبقية، والسلطة
الفضاء الجنوبي في الرواية ليس مجرد مكان، بل بنية سلطوية مغلقة، تحكمها علاقات السيد والخادم، الرجل والمرأة، الكبير والصغير. شخصية الجد، والجدّة “صِدِّيقة”، والخفير، وابنه، كلها تعكس تراتبية اجتماعية قاسية، حيث يُقمع الضعيف، ويُحمى الجاني بالصمت والخوف.
في المقابل، تمثل القاهرة فضاءً مزدوجًا: التحرر والضياع معًا. فهي المدينة التي تتيح للبطلة أن تعيد تشكيل ذاتها، لكنها في الوقت نفسه تكشف هشاشتها، ووحدتها، واغترابها. هذا التناقض يمنح الرواية عمقًا مكانيًا، ويجعل الانتقال الجغرافي انعكاسًا للتحولات النفسية.
رابعاً: الأنثى بين الضحية والفاعل في سيرة المرأة العجوز
من الجسد المُنتهَك إلى الذات المُقرِّرة
تقدِّم هند مختار في سيرة المرأة العجوز نموذجًا أنثويًا مركَّبًا، لا يستقر في خانة الضحية ولا يستقر تمامًا في موقع الفاعل، بل يتحرّك في منطقة رمادية شديدة الحساسية، حيث تتداخل آثار القهر مع إرادة السيطرة، ويصبح الفعل نفسه امتدادًا للجرح لا نقيضًا له.
أولًا: التأسيس للضحية – الجسد بوصفه أول ساحة هزيمة
تبدأ أنوثة البطلة منكسرة منذ الطفولة، عبر تجربة الاعتداء الجنسي التي لا تُقدَّم بوصفها حدثًا عابرًا، بل جرحًا تأسيسيًا يعيد تشكيل علاقتها بذاتها وبالعالم. اللافت أن الرواية لا تتعامل مع الضحية بوصفها كائنًا سلبيًا فقط، بل بوصفها ذاتًا واعية بحجم ما فُقد منها.
يتجلى ذلك في قولها:
"بسبب ناجح كرهت جسدي، وكرهت حياتي، وعرفت لعنة الجسد والجمال."
الجسد هنا يتحول من مساحة براءة إلى مصدر تهديد، ومن وعاء للحياة إلى وعاء للعار المفروض. اللافت أن العار لا ينبع من الفعل نفسه، بل من الصمت الاجتماعي الذي فرضته الجدة، والذي يحوِّل الضحية إلى حارسة لسر الجريمة.
إحدى أخطر لحظات الرواية هي إجبار الطفلة على الصمت. فالجدة، رغم قوتها، تختار حماية النظام الاجتماعي لا الطفلة، وتمنعها من الكلام. هنا تنتقل البطلة من ضحية جسدية إلى ضحية أخلاقية، تُحمَّل عبء الصمت والنجاة معًا.
هذا الصمت ليس حيادًا، بل شكل من أشكال القمع الناعم، يجعل الأنثى شريكة في طمس الجريمة، حتى وإن كانت مجنيًا عليها. ومن هنا تبدأ الرواية في طرح سؤالها المركزي:
متى تتحول الضحية إلى كائن مُشوَّه بفعل نجاته؟
هنا نصل إلى النقطة الأهم ألا وهي:التحول من الضحية إلى الفاعل والقيام بالانتقام بوصفه تعويضًا نفسيًا
مع التقدّم في العمر، لا تسعى البطلة إلى شفاء جرحها، بل إلى إعادة توزيع الألم. انتقامها من “مجدي” ومن الرجال ذوي العيون الخضراء لا ينبع من قوة أخلاقية، بل من رغبة لاواعية في استعادة السيطرة.
تقول بوضوح:
"كان مجدي أول ضحاياي، وأول انتقام لي من الرجال ذوي العيون الخضراء"
هنا تتحول الأنثى إلى فاعل، لكنها ليست فاعلًا تحرريًا، بل فاعلًا جريحًا. هي لا تكسر المنظومة، بل تعيد إنتاج منطقها: السيطرة مقابل السيطرة، الإذلال مقابل الإذلال.
نصل هنا إلى الفاعلية الزائفة واستخدام الجسد كأداة لا كتحرر
دخول البطلة عالم الإعلانات والسينما يبدو ظاهريًا انتقالًا من الهامش إلى المركز، ومن القمع إلى الاختيار. لكنها فاعلية مشروطة، تُمارَس داخل منظومة ذكورية لا تزال ترى الجسد الأنثوي سلعة.
اعترافها الداخلي يكشف هذا التناقض:
"أنا بين قضبان العار… باب القفص مفتوح، وأنا من عليَّ الاختيار."
الاختيار هنا ملتبس: هل هو حرية فعلية أم حرية اضطرارية؟
الرواية لا تقدّم جوابًا قاطعًا، بل تترك القارئ أمام سؤال أخلاقي مفتوح، وهو أحد أهم إنجازاتها الفنية.
الأنثى العجوز وسلطة الاعتراف لا سلطة الجسد
في الشيخوخة، تتخلّى البطلة عن أوهام القوة الجسدية والانتقام، وتبلغ ذروة فاعليتها عبر الاعتراف. الكتابة نفسها تصبح فعلًا أخيرًا للسيطرة، لا على الآخرين، بل على السرد.
تقول: "سأحكي… وسأنال الغفران، فمن يدين امرأة عجوز على مشارف الموت؟"
وهنا هند أيقظت داخلي شخصياً رغبة في بداية كتابة مذكراتي الشخصية. من يدري ربما تنتهي وأنا في الستين من عمري وحينها عند نشرها لن أخاف من الإدانة المجتمعية لأنه كما قالت هند من يدين امرأة عجوز؟
سيرة المرأة العجوز
هنا تبلغ الأنثى موقع الفاعل الحقيقي:
- لا عبر الجسد
- ولا عبر الانتقام
- بل عبر امتلاك الحكاية
السرد يصبح عدالة بديلة، والبوح يتحول إلى فعل مقاومة متأخر، لكنه صادق.

جماليات اللغة والأسلوب في سيرة المرأة العجوز
أولًا: لغة الاعتراف لا لغة الحكي
أبرز ما يميّز لغة الرواية أنها لغة اعتراف داخلي، لا تحكي الأحداث بقدر ما تحاكمها. الساردة لا تخاطب قارئًا خارجيًا بقدر ما تخاطب ذاتها، ولهذا تأتي اللغة مشبعة بنبرة التأمل، والشك، والبوح المتأخر.
منذ التمهيد، تُعلن الكاتبة هذا الخيار الأسلوبي بوضوح:
"أسجِّل سيرة الألم حتى لا يغترَّ أحد بالماضي، ولا يعقِد آمالًا عريضة على المستقبل."
الجملة هنا قصيرة نسبيًا، لكنها مكثفة دلاليًا، قائمة على فعلين أساسيين: أسجّل ولا يغترّ، بما يحوّل الكتابة إلى فعل مقاومة، لا تزيين.
ثانيًا: الجملة الوجدانية المكثفة
تعتمد هند مختار على جمل تنبني على التكثيف الشعوري لا السرد الوصفي المطوّل. الجملة غالبًا ما تحمل فكرة واحدة، لكنها محمَّلة بإيحاء نفسي عميق.
مثال ذلك:
"الحياة ما هي إلا ماضٍ كبير نحيا فيه."
جملة بسيطة ظاهريًا، لكنها تعكس رؤية فلسفية كاملة للزمن، وتُمهِّد لطبيعة الرواية التي ترى الحاضر امتدادًا للذاكرة لا انفصالًا عنها.
ثالثًا: تشييء الجسد وتحويله إلى لغة
في الرواية، لا يُوصَف الجسد بوصفه كيانًا ماديًا فقط، بل بوصفه لغة موازية للنص، تحمل آثار العنف والخبرة والشيخوخة.
تقول الساردة:
"كيف تحكي امرأة عجوز بجسدٍ مجعَّد مثل حبَّة طماطم منسيَّة؟"
هنا يتجلّى التفرد اللغوي في:
- تشبيه غير متوقَّع (الطماطم المنسيّة)
- كسر النمط الجمالي التقليدي لوصف الجسد
- الجمع بين السخرية المرّة والشفقة الذاتية
هذا النوع من التشبيه يحرّر اللغة من التجميل، ويمنحها صدقًا قاسيًا.
رابعًا: المزج بين الشعري واليومي
من جماليات الأسلوب أيضًا قدرة الكاتبة على الانتقال السلس بين اللغة الشعرية واللغة اليومية دون افتعال. فالساردة قد تتأمل الوجود، ثم تعود فجأة إلى تفاصيل ملموسة وحسية.
مثل قولها: "أعيد معهم الحياة عشرات المرات، وأشمّ روائحهم، وأتذكّرهم."
الفعل الحسي"أشمّ" هنا يمنح الذاكرة جسدًا، ويجعل الغائب حاضرًا عبر الحواس، لا عبر السرد الزمني فقط.
خامسًا: لغة الزمن والشيخوخة
الشيخوخة في الرواية ليست مرحلة عمرية، بل منظور سردي، لذلك تأتي اللغة بطيئة أحيانًا، متأملة، مثقلة بالحِكمة والتعب.
من أكثر الجمل دلالة: "أنا امرأة عجوز على مشارف الموت، فمن يدين امرأة مخرفة؟"
الجملة تستثمر موقع الساردة الأخلاقي، وتحوّل الشيخوخة إلى سلطة لغوية تمنحها حق الكلام دون محاكمة.
سادسًا: الاقتصاد البلاغي والصدق
لا تلجأ هند مختار إلى الزخرفة البلاغية المفرطة، بل تعتمد على اقتصاد لغوي واعٍ. الاستعارات قليلة لكنها صادمة، والنعوت محدودة لكنها دقيقة.
يتضح ذلك في قولها: "الزمن مرِن، يسمح لنا بالتجوال فيه، لكنه لا يسمح بالتنقيح."
الزمن هنا يُعامَل ككيان مادي، لكن دون إسراف بلاغي، في تشخيص يخدم الفكرة لا يستعرض اللغة.
تفرد هند مختار لا يكمن في غرابة المفردة، بل في قدرتها على جعل اللغة شاهدًا على الألم لا وسيطًا لتجميله.
في النهاية، أجد أن سيرة المرأة العجوز رواية جريئة، موجِعة، تُنقِّب في طبقات الصمت الأنثوي، وتعيد مساءلة مفاهيم الطهارة، والعار، والذاكرة، والهوية. إنها ليست رواية سهلة أو مريحة، بل نص يضع القارئ في مواجهة أسئلة أخلاقية ونفسية حادة، ويؤكد أن السرد قد يكون أحيانًا الشكل الوحيد الممكن للنجاة.
إنها رواية عن امرأة، لكنها في العمق سيرة مجتمع كامل، كبر على الإثم ولم يعتذر أبداً.
----------------------------
أمنية طلعت المصري








