12 - 01 - 2026

الدين العام والأمن القومي المصري: هل امتلكت مصر رفاهية عدم الاقتراض؟

الدين العام والأمن القومي المصري: هل امتلكت مصر رفاهية عدم الاقتراض؟

غالبًا ما يتم تناول ملف الدين العام في مصر من منظور اقتصادي ضيق، يركز على المؤشرات الكمية مثل حجم الدين ونِسَبه إلى الناتج المحلي الإجمالي وعجز الموازنة، بمعزل عن السياق السياسي والأمني الذي تشكّلت داخله قرارات الاقتراض. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن جانبًا معتبرًا من الدين العام، لا سيما منذ منتصف العقد الثاني من الألفية، ارتبط ارتباطًا وثيقًا باعتبارات الأمن القومي والتحولات الإقليمية العميقة التي واجهت الدولة المصرية. ومن ثمّ، فإن تقييم مسار الدين العام يقتضي إدراجه ضمن إطار تحليلي أوسع يتجاوز الحسابات المالية البحتة.

من أزمة اقتصادية إلى تهديد وجودي للدولة

أعقبت ثورة 25 يناير 2011 مرحلة ممتدة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، كان لها انعكاسات مباشرة على الأداء الاقتصادي للدولة. فقد تراجعت معدلات النمو الاقتصادي إلى أقل من 2٪ في بعض السنوات، وانخفض الاحتياطي النقدي من نحو 36 مليار دولار عام 2010 إلى أقل من 15 مليار دولار عام 2013، بالتوازي مع هروب الاستثمارات الأجنبية، وتراجع حاد في إيرادات السياحة، وارتفاع عجز الموازنة العامة إلى ما تجاوز 13٪ من الناتج المحلي الإجمالي، في هذا السياق لم تكن الدولة المصرية تواجه أزمة مالية تقليدية فحسب، بل أزمة تهدد قدرتها على الحفاظ على تماسكها المؤسسي ووظائفها الأساسية، بما في ذلك الأمن والاستقرار. وعليه، لم يكن اللجوء إلى الاقتراض خيارًا سياسيًا ترفيًّا، بل أداة اضطرارية لضمان استمرارية الدولة ومنع انزلاقها إلى مسارات أكثر خطورة.

البيئة الإقليمية وضغوط الأمن القومي على القرار المالي

الجبهة الشرقية: غزة وسيناريوهات التهجير، شكّلت التطورات المتلاحقة في قطاع غزة، خاصة الحروب المتكررة وآخرها الحرب الأخيرة، تحديًا بالغ الحساسية للأمن القومي المصري. فإلى جانب الأبعاد الإنسانية والسياسية للصراع، برزت مخططات إسرائيلية، صريحة أو ضمنية، تستهدف تهجير سكان القطاع قسرًا، مع توجيه هذا التهجير نحو شبه جزيرة سيناء، بما يحمله ذلك من تهديد مباشر لوحدة الأراضي المصرية ومحاولة لتقويض القضية الفلسطينية.

في هذا الإطار، لعب الحفاظ على توازن عسكري مصري فعّال دورًا محوريًا في ردع فرض أي واقع ديموغرافي جديد، وتأكيد الخطوط الحمراء المصرية، ومنح الدبلوماسية المصرية وزنًا حقيقيًا في إدارة الأزمة. ولا يمكن فصل هذا الدور عن عملية تطوير شاملة للقدرات العسكرية المصرية خلال السنوات الماضية، وهي عملية تطلبت موارد مالية ضخمة.

الجبهة الغربية: ليبيا كخاصرة أمنية رخوة، منذ انهيار مؤسسات الدولة الليبية عام 2011، تحولت الحدود الغربية لمصر إلى مصدر تهديد دائم، نتيجة تعدد الميليشيات المسلحة، وانتشار السلاح، وتداخل الصراعات الإقليمية والدولية داخل الأراضي الليبية. وقد اضطرت مصر، في مواجهة هذه التحديات، إلى رفع مستويات الجاهزية العسكرية غربًا، وتأمين حدود تمتد لأكثر من 1200 كيلومتر، والتدخل سياسيًا وأمنيًا – بصورة مباشرة وغير مباشرة – لمنع انهيار الدولة الليبية بالكامل، ورغم الكُلفة المالية المرتفعة لهذه الإجراءات، فإنها مثلت استثمارًا وقائيًا لتجنب سيناريوهات الفوضى العابرة للحدود، والتي كان من شأنها أن تفرض كُلفة أمنية واقتصادية أعلى بكثير على الدولة المصرية.

التوترات على الحدود مع السودان: الوضع في السودان متقلب نتيجة الصراع الدائر بين الجيش وقوات الدعم السريع، وما يصاحبه من فوضى أمنية وانتشار للميليشيات، الأمر الذي يرفع من خطر تسلل العناصر المسلحة إلى داخل الأراضي المصرية. ويُفاقم هذا المشهد احتمالية تفكك أو تقسيم السودان، بما يحمله من تهديد مباشر للأمن القومي المصري، إذ يؤدي غياب الدولة المركزية إلى خلق بؤر صراع دائمة وحدود رخوة يسهل اختراقها. كما يشهد مثلث الحدود بين مصر– السودان – ليبيا اشتباكات متكررة وتعقيدات أمنية ناتجة عن نشاط التنظيمات المسلحة وعمليات تهريب السلاح والمقاتلين عبر الصحراء، وهو ما يجعل هذا الممر مصدر تهديد حقيقي، خاصة مع التدفق المحتمل للأسلحة والعناصر المتطرفة إلى محافظات جنوب مصر، بما يهدد الاستقرار الداخلي ويزيد من أعباء المواجهة الأمنية.

التهديدات المرتبطة بالسد الاثيوبي، يمثّل سدّ النهضة تهديدًا وجوديًا لمصر، إذ يضع شريان الحياة الوحيد للدولة تحت رحمة إجراءات أحادية قد تؤدي إلى تقليص حصتها من مياه النيل، بما يحمله ذلك من مخاطر مباشرة على الزراعة والاقتصاد والاستقرار المجتمعي. وفي مواجهة هذا الخطر، انتهجت مصر سياسة متوازنة تجمع بين السعي الدبلوماسي والردع الحاسم، فعملت على تعزيز قدراتها العسكرية وتحديث قواتها المسلحة وتنفيذ مناورات استراتيجية تؤكد جاهزيتها الكاملة. وتبعث هذه الاستعدادات برسالة واضحة مفادها أن مصر تفضّل الحلول السلمية، لكنها لن تتهاون في الدفاع عن أمنها القومي وحقوقها التاريخية في مياه النيل.

التهديدات في منطقة البحر الأحمر، هجمات وتوترات أمنية مرتبطة بالحرب في اليمن، جماعة الحوثي في اليمن تستهدف أحيانًا الملاحة التجارية في البحر الأحمر بصواريخ وطائرات مسيرة، ما يؤثر على حركة التجارة العالمية وحركة السفن,هذا التهديد يترتب عليه ارتفاع تكلفة الشحن، اختيارات مسارات أطول للسفن، ويشكل ضغطًا على مصر التي تعتمد على قناة السويس كأهم ممر ملاحي عالمي، الصراعات في القرن الإفريقي (مثل الخلافات بين إثيوبيا وإريتريا) تؤثر على البيئة الأمنية للبحر الأحمر، وقد تؤدي إلى تأجيج النزاعات في المنطقة إذا ما توسعت, تهديدات في البحر الأحمر لا تقتصر على فاعلين محليين فقط؛ فالأحداث الإقليمية تتشابك مع مصالح دولية، ما يضيف مزيدًا من التعقيد على الأمن البحري. 

التهديدات في منطقة البحر المتوسط: في المتوسط، التهديدات غالبًا أقل عنفًا مباشرًا مقارنة بالعناصر التي تواجهها في الجنوب والبحر الأحمر، لكن هناك تهديدات استراتيجية مهمة, توترات إقليمية وتحركات دولية: البحر المتوسط يشهد تنافسًا بين قوى دولية حول موارد الطاقة (الغاز والنفط) وطرق النقل؛ هذا يمكن أن يؤثر على الأمن البحري المصري إذا توسّعت النزاعات الإقليمية إلى المنطقة, ضعف الاستقرار الإقليمي قد يزيد من مخاطر على السفن ومصالح مصر الاقتصادية في المتوسط, التحديات ليست فقط عسكرية، بل تشمل أمن الطاقة، الاقتصاد، والتهديدات غير التقليدية مثل القرصنة والهجمات السيبرانية.

تطوير القدرات العسكرية ومتطلبات الإنفاق

بين عامي 2014 و2023، شهدت القوات المسلحة المصرية برنامج تحديث واسع النطاق، لم يكن هدفه التوسع الهجومي أو الاستعراض العسكري، بل تنويع مصادر السلاح، ورفع القدرة الردعية، وحماية المصالح الاستراتيجية للدولة. وشمل هذا البرنامج الحصول على طائرات مقاتلة متعددة المهام، وتطوير القوات البحرية لحماية السواحل وحقول الغاز في شرق المتوسط، وتعزيز منظومات الدفاع الجوي، وتحديث القوات البرية ووسائل الاستطلاع والمراقبة.

ووفقًا لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، بلغ متوسط الإنفاق العسكري المصري نحو 3–4٪ من الناتج المحلي الإجمالي خلال تلك الفترة، مع تصنيف مصر ضمن أكبر مستوردي السلاح عالميًا في بعض السنوات. ورغم كُلفة هذا الإنفاق، فقد أسهم في منع تدهور الأوضاع الأمنية، وحماية الاستثمارات الاستراتيجية مثل قناة السويس وقطاع الطاقة والبنية التحتية، وتجنب كلفة أكبر كانت ستنجم عن صراعات مباشرة أو انفلات أمني داخلي.

هل كان بالإمكان تفادي الاقتراض؟ ينبغي إعادة صياغة السؤال المركزي من “هل ارتفع الدين العام؟” إلى "هل كانت كلفة عدم الاقتراض أقل؟". فمن منظور تحليلي، فإن عدم تطوير القدرات العسكرية في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، أو الاكتفاء بسياسات أمنية محدودة الموارد، كان سيؤدي على الأرجح إلى تراجع أكبر في الاستثمار، وارتفاع مخاطر الدولة، وزيادة احتمالات التدخلات الخارجية المباشرة أو غير المباشرة، بما يفرض كلفة اقتصادية وأمنية تفوق بكثير كلفة الاقتراض ذاته.

وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى جانب من الاقتراض باعتباره ”ثمنًا للاستقرار“، وليس مجرد انعكاس لاختلالات مالية، ويمكننا رصد عدد من نقاط القوة في إدارة هذا الملف، من أبرزها القراءة المبكرة لطبيعة التهديدات الإقليمية، وبناء قدرة ردع حافظت على وحدة الأراضي المصرية، ومنع انتقال الفوضى من الجوار الإقليمي إلى الداخل. في المقابل، تبرز نقاط ضعف، أهمها ضعف الربط بين الإنفاق الأمني والعائد الاقتصادي، وتحميل الموازنة العامة أعباء متزايدة دون إصلاح هيكلي اقتصادي متزامن، إضافة إلى غياب خطاب اقتصادي واضح يشرح للمجتمع كُلفة الأمن وحدوده.

يُظهر هذا التحليل أن جزءًا مهمًا من الدين العام المصري كان نتاجًا لخيارات سيادية مرتبطة بالأمن القومي، وليس مجرد نتيجة لسياسات مالية غير رشيدة. غير أن استمرار الاعتماد على الاقتراض، دون معالجة الجذور الهيكلية للاقتصاد، يُهدد بتحول الدين من أداة حماية مؤقتة إلى عبء مستدام.

ومن ثمّ، تبرز الحاجة إلى الانتقال من مرحلة ”شراء الاستقرار“ إلى مرحلة بناء اقتصاد إنتاجي قادر على تمويل أمنه ذاتيًا. وهو ما يقود إلى تساؤل أعمق سيتم تناوله لاحقًا في المقال التالي: أزمة الديون في مصر: قراءة تحليلية في الأسباب البنيوية بعيدًا عن الرواية الرسمية.
-----------------------------
بقلم:
 د. محمد فاروق مهنى

مقالات اخرى للكاتب

الدين العام والأمن القومي المصري: هل امتلكت مصر رفاهية عدم الاقتراض؟