12 - 01 - 2026

الجيش العربي المشترك بين الحلم والضرورة

الجيش العربي المشترك بين الحلم والضرورة

يشهد الإقليم العربي في السنوات الأخيرة تحوّلًا نوعيًا في طريقة التفكير الاستراتيجي والأمني، تحوّلًا يتجاوز منطق ردود الأفعال الآنية إلى بناء جيش عربي مشترك يؤسس لمنظومة دفاعية عربية قادرة على حماية المصالح العربية المشتركة ومواجهة التحديات المتصاعدة. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا لدى بعض الدول العربية وخصوصًا "الخليجية" بأن الأمن القومي لم يعد مسألة قُطرية منفصلة، بل شبكة مترابطة تتأثر أي ثغرة فيها ببقية الأجزاء.

تأتي فكرة بناء قوة عربية مشتركة في سياق خلل أمني شهدته دول محورية مثل مصر والعراق، إضافة إلى التهديدات المتكررة التي تواجه دول الخليج. هذه التحديات كشفت محدودية الاعتماد على التحالفات الخارجية وحدها، وضرورة امتلاك العرب لأداة عسكرية مستقلة تُمكّنهم من الدفاع عن أراضيهم وقرارهم السيادي. من هنا، برزت المبادرة التي تستفيد من الخبرة العسكرية المصرية الطويلة، ومن الثقل السياسي والاقتصادي للمملكة العربية السعودية، لتشكيل قيادة مشتركة تُدار برؤية عربية خالصة.

المقترح يبدأ بقوة قوامها نحو 20 ألف جندي، في خطوة تأسيسية تحمل بعدًا رمزيًا وعمليًا في آن واحد. غير أن الأفق الاستراتيجي للمبادرة أوسع بكثير، إذ تتضمن إمكانية تطورها إلى قوة ضخمة متعددة الأفرع، تشمل قوات برية وجوية وبحرية، مزودة بأحدث الأسلحة، وقادرة على التدخل السريع لردع أي عدوان أو احتواء أي تهديد. الأرقام المستقبلية المتداولة، من ملايين الجنود وآلاف الطائرات والمدرعات والسفن، تعكس تصورًا طموحًا لقوة قادرة على موازنة القوى الإقليمية والدولية.

ولا يمكن فصل البعد العسكري عن البعد الاقتصادي والجغرافي للمبادرة. فالدول المرشحة للمشاركة تمتد على مساحة تقارب 13.5 مليون كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها نحو 385 مليون نسمة، فيما يصل ناتجها المحلي الإجمالي إلى قرابة 6 تريليونات دولار. هذه المعطيات تجعل من القوة العربية المحتملة ليس مجرد تحالف عسكري، بل كتلة استراتيجية متكاملة تمتلك عناصر التأثير العالمي إذا ما أُحسن توظيفها.

منذ عام 2015، يسعى الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى إحياء فكرة ما يشبه "الناتو العربي"، مع قيادة مركزية تضم رئيس أركان مصريًا ونائبًا سعوديًا، ومجلس قيادة من الدول المشاركة. هذا الطرح يعكس محاولة جادة للانتقال من التنسيق السياسي إلى العمل المؤسسي المنظم، حيث تصبح القوة العسكرية أداة استقرار لا وسيلة صراع.

ختامًا، تمثل فكرة تأسيس الجيش العربي المشترك تعبيرًا عن نضج سياسي واستراتيجي فرضته ظروف إقليمية معقدة. هي محاولة للانتقال من مرحلة التشرذم والاعتماد على الآخرين إلى مرحلة الردع الذاتي وبناء الأمن الجماعي. ورغم التحديات السياسية واللوجستية التي قد تواجهها، فإن نجاح هذه المبادرة قد يفتح صفحة جديدة في التاريخ العربي، عنوانها التعاون، والقدرة، وصناعة المستقبل بأيدٍ عربية.
----------------------------------

بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

الجيش العربي المشترك بين الحلم والضرورة