11 - 01 - 2026

محمد عبد الباسط عيد يفوز بساويرس النّقديَّة: ناقدٌ فريدٌ من عصرنا

محمد عبد الباسط عيد يفوز بساويرس النّقديَّة: ناقدٌ فريدٌ من عصرنا

بالأمس القريب يفوز العلامة البلاغي الكبير محمد محمد أبو موسى بجائزة فيصل العالمية، وأمس الأوّل يفوز النّاقد المصريّ الموهوب المختلف محمد عبدالباسط عيد بجائزة ساويرس للنّقد الأدبي عن كتابه:" خباء النّقد والشّعر: الشُّروح.. البلاغة.. الحِجَاج"، وبين الناقدين فارق في العمر كبير، وفي التّوجّه البلاغيّ، واستثمار قدرات البلاغة العربيّة؛ قديمها وحديثها...!

بين قراءتين معاصرتين ومنهاجين بلاغيّين:

حفر أبو موسى في باطن تربة التُّراث حتَّى استخرج كنوزًا لم تكشف إلَّا في بئره، ولم يصل إليها غيره؛ فاستطاع من خلال أدوات البلاغة القديمة قراءة الواقع العربيّ والإسلاميّ في شتّى ميادينه الثّقافيّة، وتبنّى أولاد له وأحفاد منهجه، وسلكوا سبيله، ونجح محمد عبدالباسط عيد في تضفير النّقد الغربيّ المعاصر بمعطيات البلاغة العربيّة القديمة؛ فاستند إلى ثمار ما غرسه أبو موسى وأولاده وأحفاده، وثمار ألف عام ونصف الألف من التّراث العربيّ ليجمع إليه وعيًا ثقافيًّا بالمدخلات النّقديّة من الحجاج والقراءات الثّقافيّة، وقراءة السّرد المعاصر، بروح حرَّة، لا يأسرها منهج بأسواره وقيوده، ولا أيديولوجيا ضيّقة، ولا تقاليد أكاديميّة، تحبسه في رؤى تقليديّةٍ، تجعل من طرحه نسخةً من طروحاتٍ أخرى...!

عبدالباسط عيد والبصمة الشّخصيَّة:

أوجد محمد عبدالباسط عيد لنفسه بصمةً خاصَّة، من الصَّعب أن يشبهه فيها أحدٌ؛ لأنَّه مزج هذا التّراث التّليد بالوافد الجديد من خلال رُوحهِ المحلّقة القادرة على الاستبطان، وعقله النّافذ إلى أقصى حالات التَّأويل والتَّوليد، وعواطفه المتأجّجة التي يتبّع بها ميلاد كلّ صباح وليدا جديدا؛ فينفذ إلى بديع صنع الله، ويريك جمالًا لا يسبر من خلاله الحجر والطيور والشّجر، ويستنطق القبور والآثار والمساجد والطرق والنّسيم، ويستقطر من حكم الزّمن ما عزّ على غيره استقطاره؛ فإذا بنا أمام مزيج عجيب فريد من النّقد الإبداعي المسيّج بمنهاجيّة خاصّة، تجعله بمنأًى عن فوضى الإنشائيّة، وبمعزل عن الأطر المنهجيّة الأكاديميَّة التّكراريّة؛ ممَّا يوقفك على أعرافٍ بين جنّات من المتعة، وجنّات  أيضًا من الفائدة؛ فتظنّه حبيبًا يسرّ عليك بما في وعيه ويصطفيك بما جاد به خاطره، ويبوح لك بمكنون ما همس به إليه نصّهُ؛ فتحبّهما معًا، وتظلّ قراءة النّصّ مرهونة بقراءته، وأنفاس نقده روحًا هائمة تكسوه، وغلالة  طيفيّة تحيطه؛ فلا يمكنك أن تعزله عن امرئ القيس مثلًا في خباء الشّعر"، ولا تعزل الملك الضّليل عنه؛ فكأنّهما شقيقان، أو توأم ملتصق، ينظر إليك أحدهما؛ فتحار أيهما يحدّثك من خلال منهاجيَّة ممزوجة بالذّاتيّة في بصمة شخصيّة خاصّة تحيل عليه، وتشير إليه، وهذا ما جعل المنهج - باستمرار - موضوعًا لنقاشات موسَّعة، وانتقادات مستمرَّة، سواء توجَّه هذا النقد إلى أسسه النَّظريَّة وفروضهِ العلميَّة، أم إلى إجراءاته التَّحليليَّة وخلاصاته المعرفيَّة.. وبمثل هذا الوعي امتازت المعرفةُ المعاصرة بالحركةِ والتَّغير، فارتدادها على نفسها، ومساءلة منطلقاتها وفروضها وخلاصاتها عمليَّة أصيلة ومحايثة لتصوراتها وفروضها النَّظريَّة.. وهذا ما جعلنا باستمرار، إزاء معرفة متنوّعة متراكمة، لا تعرف الانقطاع : فيخلف المنهج الحالي سابقه، وينقسم المنهج الواحد إلى أكثر من اتّجاه.

يبدو الإشكال دائمًا في الطَّريقة التي نتلقَّى بها المنهج، أو بتعبير أدقّ في الوعي به؛ فمن الصَّعب على ثقافة ممتدَّة في التَّاريخ – مثل ثقافتنا – أن تستقبل منهجًا وافدًا باعتباره موضوعًا منفصلًا، أو أداةً مستقلَّةً عن الذَّاتالمدركة له، وكأننا ورقة بيضاء فارغة؛ فكل عملية نقل تنطوي بالضَّرورة على فهم ما، وكلّ فهم تأويل، وعلاقة حيّة بين ذات قارئةٍ وموضوع مقروءٍ، ولعلَّ هذه النقطة تحديدًا سبب السّجالات المستمرة بين الدّارسين، حول قدرة هذا الدّارس أو ذاك على فهم المنهج الذي يقدمه أو تشويهه له؛ إذ تفترض هذه الآراء صورة صلبة للمنهج، لا يجب أن يبرحها، وبالتَّالي فهي قابلة للانتقال من ثقافةٍ إلى ثقافة أخرى على نحو أداتيّ ماديّ، لا مكان فيه لعمليات التَّفسير والتَّأويل.

ومن وجهة نظرنا، فإنه من الصعب - كما أنه ليس مطلوبا - تقديم المنهج ونقله من ثقافته إلى ثقافتنا كما هو، وهذا لا يعني نفي الموضوعية، أو الإطار التصوري للمنهج كما وضعه المنظرون له ، كما لا يعني قبوله المنفصل عن الذوات المدركة له أيضًا. فكل فهم يرتكز على آليات تتدخل فيها الذات" (خباء الشّعر، 99-100) فثمة بصمةٍ شخصيّة خاصة به، قد تذكّرك بما تركه الأفذاذ؛ كطه حسين والعقّاد والمازني وشكري والنويهي، ومندور، ومصطفى ناصف، ولطفي عبدالبديع، ولكن من حيث التّفرّد والإجادة والنّبوغ، وبروز الشّخصيّة النّقديّة الملتحمة بسدى النّص ولحمته، لا بالمشابهة أو المحاكاة، أو الاقتداء، إنّه نموذج مختلف يصنع صوته المائز الذي يظلّ في ذاكرتك، ووقعه في نفسك، وصوته في أُذنك، كلّما قاربت ما يقاربه من نصوصٍ..!

حوار بين ثلاثة أطرافٍ:

ويمكننا أن نختبر ذلك بنقل جزء من حديثه عن بيت واحد من معلقة امرئ القيس، وكيف يتوسّط بينك وبين الملك الضّلّيل لتكون اللعبة ثلاثيّة الأطراف: الشّاعر، والنّاقد، والقارئ:

" ترَى بَعَرَ الْأَرْآمِ فِي عَرَصَاتِهَا، وَقِيعَانِهَا، كَأَنَّهُ حَبُّ فُلْفُل..

يمكنك أن تتخيَّل حوارًا عميقًا، يدور بين "امرئ القيس" ونفسهِ، أو بينهُ وبين صحبتهِ، أو بينه وبينكَ، ولعلَّه بحسّه العميق قد أدركَ سؤالك عن دلائل التَّحوّل، ولذا فهو يزيدك من العلامات والأدلَّة بما يؤكّد صدقه، ولكنَّه لا يفعلُ ذلك بشكل مباشرٍ، إنَّه يدعوك إلى أن ترى بنفسكَ، أن تتبنَّى الحجَّة التي لا دليلَ عليها أوثق من رؤيتك إيَّاها، وهنا ستغدو أنت جزءًا من الخطابِ، بقدر ما ستغدو جزءًا من هذه الحجَّة الرَّاسخة: "الوقائع المشاهدة.

يريدك  امرؤ القيس  أن ترى: بقايا الآرام، والعرصات الممتدَّة التي كانت دائمًا مسرحًا لاجتماع الكبار ولهو الصّغار، وعن القيعان التي يحفظفيها الماء... إنَّه يخاطبك ويدعوكَ إلى التَّحقُّق من ذلك كلّه بنفسكَ، يقول لك: ترى ..!!

أنت الذي ترى، أنت الذي يجبُ أن تتأكَّد بنفسك من صدق الحجَّة وشواهد الأدلَّة، ولا شيء أوثق من رؤيتك، ولا دليل أقوى من دليل تقيمه بين يديك.. كما أنه لا يتركك ترى حتى يحاصرك بالتشبيه الذي يقوم بالربط بين المشاهد المنظور وغير المشاهد:

وَقِيْعَانِهَا كَأَنَّهُ حَبُّ فُلْفُلِ ..!!

لا شيء آكد من الواقعِ، وحين يكون الواقع مشاهدًا وملموسًا ومشمومًا من قبل المخاطب تغدو الحججُ المقدَّمة حججهُ الخاصَّة، كما يغدو البرهان برهانهُ، وكأنَّه - وهو المستمع - قائل القول ومصدره، وكأنه وهو المخاطب مرسل القول، وكأنه - وهو المواسي - الأسيان، صاحب الموضوع؛ فإذا الذكرى ذكراه، والحنين حنينه ...!

لقد رحل الأحبَّة من هُنا، رحلُوا منذ زمن، وهكذا هي الحياة، رحيلٌ ولقاءٌ، موتٌ صغيرٌ وموتٌ كبيرٌ، ولادةٌ كبيرة وولادة صغيرةٌ.. وهذا كلّه ليس بالأمر الهيّن على آحاد النَّاس وغمارهم، فما بالك بالممتازين منهم...؟" (خباء الشّعر، 139-140).

ربّما يتبادر إلى ذهن أحدكم أنّه يستدعي أسلوب العميد في حديث الأربعاء، وهو يأخذ بيد صاحبه ليوقفه على سرّ جمال الشّعر القديم، وكيف يقرؤه، ولكنّ عبدالباسط عيد يصنع شيئًا جديدًا حقيقةً هو استدعاؤك لتقول وتشارك، ولا يقف منك موقف المعلم، أو السّارد العليم الذي كان يمثّله الأستاذ العميد بأستاذيّته؛ فما يقوله طه حسين يستفزّك للمخالفة، والبحث وراءه، ومناقضته، بل قد يحمل عداء مضمرًا للقراءة الطَّحسنيّة؛ كما فعل أعداؤه، ولكنّ قراء عيدٍ هي قراءة محبّة، تقف منك ومن النّص موقف الودّ على مسافة واحدة من المحبّة والأُلفة، ويترك لك المشاركة الودود بالإضافة والحذف والتَّفاصيل الخفيَّة التي تستدعيها صداقتك للنّصّ، وثقافتك مع المنهج؛ ممّا ينتهي بك إلى محبَّة عيد وامرئ القيس، والنّصّ المنقود، وناقده؛ فتحدث حالة من التّماهي الحميم، والإرجاء لكلّ أوجه الاختلاف حتّى يكتمل حديث الهامس إليك الذي خصّك به، وهمس به إليك؛ كما يهمس إليك في كلّ تدوينة، يكتبها على صفحته كأنّه سر مكنون، وسحر مضنون، وهو لك بالخصوص...!

عيد من الإيناس إلى إثارة البواعث الإنسانيَّة:

يمكننا أن نقول إنّ محمد عبدالباسط عيد قد اختمر مشروعه النّقديّ، ووصل إلى مرحلة من النّضج تجعلك تنتقل من مرحلة أن تألف نصّه النّقدي وتألف من أجله النُّصوص والأدباء والشُّعراء الذين يتناولهم، إلى أن يثير بداخلك بواعثك الخاصَّة التي تبحث من خلالها عن طرائقك الخاصَّة لتطويع المناهج لقراءة نصوص أخرى والبحث عن ذاتك أنت، وعجينتك التي تصهرها بنفسك لتحدّد بصمتك ونفَسَك وشخصيّتك الأدبيّة الخاصّة؛ فالنّقد الإنسانيّ الودود هو الذي يقودك لتبحث عن إنسانيتك أنت لا من يفرض عليك إنسانيّته.

وقد كنت في حوار مع صديق حبيبٍ، وناقدٍ أديب حول افتقادنا إلى أمثال هؤلاء النُّقّاد الإنسانيّين الذين يشبعون  يفتحون شهيّتنا العلميّة والإنسانيَّة، ويروون بعض ظمئنا إلى بنقد حقيقيّ يتسرَّب إلى دواخلنا؛ فيشعرنا ببهجة النّقدِ، ومحبَّة النّاسِ، وفهم الحياة والكونِ؛ كما رأينا لدى طه حسين والعقاد، وأحمد أمين، ومندور، ولطفي عبدالبديع والمازنيّ، والنّويهيّ، والقطّ، والعشماويّ وصولًا إلى رجاء النقاش...، وأضرابهم من النقّاد العظام، بل طمعت في أن يكون لكلّ شاعرٍ، أو أديب كبيرٍ كتابٌ نقديٌّ لافتٌ، يعدُّ علامةً نقديّةً، لا يسمح لأيّ باحثٍ بتجاوزه متى رام دراسة هذا الشَّاعر أو الأديب...!

كان صديقي مندهشًا من حماقاتي التي تجرني جرًّا إلى ماضٍ لن يعود، وأحلام لن تتحقَّق أبدًا..!

ولكني آثرتُ أن أثبت له وجهة نظري بالأدلّة الدّامغة والحجاج النّاجع؛ فبادرته بأوّل مثال ناصع مشرق كالشَّمس، منيرٍ كالقمر؛ فأشرتُ عليه بقراءة كتب النّاقد الأديب د. محمد عبدالباسط عيد؛ هذا الأديب الذي تقرأ له كلّ صباح تدوينته اليوميّة؛ فتدخل الشّمس إلى فراشك ضوءًا رؤوفًا، والنّسيم إلى روحك حضنًا دافئًا،وصخب الأفكار همسًا ملائكيًا بلغته السّاحرة الآسرة التي تخاله يسمع شكوى روحك فيما يشغلك، وخليط أفكارك الأخيرة فيما يهمك؛ فيجيبك بمشاعر يعقلها فكرٌ ثاقبٌ، وبأفكار يغلّفها قلبٌ عاشق..!

قلت لصديقي: لن أذهب بك مذهب الأدباء، بل سأزجي لك أدلّة الحكماء، وطرائق العلماء؛ فدونك كتابه الأخير: "خباء الشّعر والنّقد" اقرأه، وتعال نختلف أو نتفق...!

جاءني صديقي بعد بضعة أيّام متهلّلًا معانقًا ممتنًّا موضّحًا لي ما لم أُحطْ به علمًا؛ فأخبرني أنني بخستُ هذا الأديب النّاقد حقَّه حين قصّرت في وصفه؛ فقد قرأ كتابه فوجده علامةً فارقةً في فهم فنّ امرئ القيس، بما لا يسع الباحث جهله، وبحثًا في منهاجيّة قراءة الشّعر العربيّ كله عامةً، والقديم خاصّة؛ فقد قرأ النّصّ بعيون القدماء تارةً؛ فأبرز قراءة القاضي العبقريّ أبي بكر الباقلاني (338-403هــ) الذي تجاوز كلّ نقاد عصره، وقفز من فكرة البيت المستقلّ إلى فكرة التّماسك والانسجام في معلقة أمير الشّعراء قاطبةً، وما انفرد به القاضي، وما فات ميزان عدالته..!

من حوار الملك الضّليل إلى صداقته:

وفي كتابه الفائز بجائزة ساويرس للنقد الأدبي" خباء الشّعر" يحاور محمد عبدالباسط عيد المرويّات التّاريخية لآكل المرَّار، ودارة جُلْجل، ورحلة الشّاعر الإنسان والأسطورة من اليمن إلى الجزيرة أو إلى ملك الرّوم؛ ليفرق بين ماهو تخييلي شعبيّ، وما هو منطقيّ علميّ، ولكنه لا يفارق روح السّرد النّقدي الذي يجعلك أكثر قربًا، بل مرافقًا لرحلة الملك الضليل في شقائه الإنساني وأيروسيته الإبداعيّة؛ فيدفق ملكاتك النّقدية، ويشحذ أدواتك البحثية، ولكنك تظلّ مفعمًا بالمحبّة والتّعاطف والتّعايش والأنس مع هذه الكتابة الفارقة؛ حتى حين يدخل بك إلى منطقة المراوحة بين التّخييل الذي يتقنه عيد، ويستشعره بوصفه مبدعًا وعاشقًا هائمًا في الجمال المجرّد، والحِجاج الذي يألفه فيؤلّفه لك؛ فيقربك من عالم بيرلمان وتيتكاه الذي طوّعه حين فتح به طريقًا جديدًا لعالم الشّاعر المخضرم حميد بن ثور في كتابه الماتع: "في حجاج النّصّ الشّعريّ"؛ لذا حين يستحضره إلى عالم امرئ القيس لا تشعر بأيّ انزعاج أو تكلّف أو غربة، بل بلطف هذه المناهج العصيّة بتطويعها لمنهاجيته الخاصَّة حتى تأنس لحديثه حول استراتيجيَّات حِجاج امرئ القيسِ، ومراوحته بين النَّجاعةِ حين انتصاره ِالإبداعيّ، وفشله حين سقوطه الإنسانيّ..وما أكثر هذا وذاك...!

يقول صديقي: إنّ أكثر ما أدهشني في هذه الكتابة أنه جعل امرأ القيس يمشي بيننا، ويكتب جدارياته، ويلون لوحاته أمامنا، وعيد يبسط اللوحات، ويشرح الألوان، ويؤول الدّلالات كأنّه موديلياني يرسم أمامك لوحة بابلو بيكاسو الشّهيرة...!

قلت لصديقي: ولمحمد عبدالباسط عيدٍ كتابٌ خاصٌّ حول الخطاب في القرآن الكريم: "النص والخطاب: قراءة في علوم القرآن الكريم" أراه علامة فارقة، أيضًا، في فهم المناسبة القرآنيَّة، والسّياق، وأسلوبيَّة الخطاب...إلخ

كان صديقي قد قرأه، بل ثنّى بكتابٍ آخر أسره نجاعةُ حجاجهِ فيه حين تناول بلاغة الخطاب في شعرية الخطاب الشّعريّ الأيوبيّ "بلاغة الخطاب: قراءة في شعرية المديح"؛ فغدا واحدًا من النقّاد القلائل الذين ردُّوا للشّعر المصريّ في عصوره المغبونة بعض حقّه، ووضع يده على طبائع الشّخصيّة المصريّة بين طموحها ومثالياتها وأحلامها، وصدام ذلك كلّه بواقعها ومعاناتها...!

عاد خطابي مع صديقي إلى ألفة ولدتها لحظة اتفاقنا حول عبقريّة مصريّة أحدثت الونس النّقدي والإنسانيّ، ولازالت تنسج بمغزلها سرابيل تدفئ هذا الصّقيع، وتشبع هذا الجوع الإنساني إلى كلّ قيمة حقيقيّة في هذا الوطن..!

تحية للناقد الأديب الناقد المبدع الملهم، ومصر المعطاءة مازالت قادرة على العطاء فبين المحمدين أبي موسى وعيد تشمخ مصر العظيمة بأبنائها القادرين على بعث الحياة من مرقدها، وهدهدة التراث وإعادته طفلًا حيًّا مشاغبًا بكلّ ما يثير، وشابًّا فتيًّا قادرًا على محاورتك رغم كرّ الدّهور، ومرور العصور، فضلًا عن كونه شيخًا حكيمًا  يضمر أسرارًا مشوّقة، ومثيرة، همس بها لأمثال أبي موسى وعيد وأضرابهما من عباقرة النّقاد المصريّين والعرب الذين ندين لهم بما يحيونه من فتنة وجمالٍ وسحرٍ وشغفٍ وإنسانيّة، وإشراقات روحانيّة...!
--------------------
بقلم: 
د. محمد سيد علي عبدالعال (د. محمد عمر)
-
 أستاذ الأدب والنقد ووكيل كلية الآداب للدّراسات العليا بآداب العريش.



مقالات اخرى للكاتب

محمد عبد الباسط عيد يفوز بساويرس النّقديَّة: ناقدٌ فريدٌ من عصرنا