بسم الله الرحمن الرحيم
حركة التحرير الوطني الفلسطيني
" فتــــــــح"
بلاغ عسكري رقم (1)
صادر عن القيادة العامة لقوات العاصفة
اتكالاً منا على الله. وإيماناً منا بحق شعبنا في الكفاح لاسترداد وطنه المغتصب وإيماناً منا بواجب الجهاد المقدس ... وإيماناً منا بموقف العربي الثائر من المحيط إلى الخليج وإيماناً منا بمؤازرة أحرار وشرفاء العالم ... لذلك فقد تحركت أجنحة من القوات الضاربة في ليلة الجمعة 31/12/1964 وقامت بتنفيذ العمليات المطلوبة منها كاملة ضمن الأرض المحتلة ... وعادت جميعها إلى معسكراتها سالمة ... وإننا لنحذر العدو من القيام بأية إجراءات ضد المدنيين الآمنين العرب أينما كانوا ... لأن قواتنا سترد على الاعتداء باعتداءات مماثلة ... وسنعتبر هذه الإجراءات من جرائم الحرب ... كما وأننا نحذر جميع الدول من التدخل لصالح العدو بأي شكل كان ... لأن قواتنا سترد على هذا العمل بتعريض مصالح الدول للدمار أينما كانت ...
عاشت وحدة شعبنا
وعاش نضاله لاستعادة كرامته ووطنه
التاريخ: 1/1/1965
القيادة العامة لقوات العاصفة
---
لم يكن هذا البلاغ مجرد إعلان عسكري، بل كان لحظة سياسية بامتياز، دشّن فيها الفلسطيني عودته إلى الفعل بعد سنوات طويلة من الإقصاء، والتهميش، والانتظار القسري. كان بيانًا قصيرًا في لغته، كثيفًا في دلالاته، يعلن أن القضية الفلسطينية لم تعد ورقة مؤجلة في حسابات الآخرين، بل فعلًا يتقدم به أصحابه، وباسمهم.
تعود الجذور الفعلية لنشوء حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» إلى أواخر خمسينات القرن الماضي، في زمنٍ كان فيه المشروع الوطني الفلسطيني شبه غائب عن المبادرة المستقلة، موزعًا بين أنظمة عربية، وخطابات وحدوية، ومخيمات لجوء تعيش على أمل حرب كبرى مؤجلة. في تلك اللحظة المأزومة، بدأ يتشكل وعي جديد لدى مجموعة من الفلسطينيين بأن غياب الفعل الذاتي ليس نتيجة للهزيمة فحسب، بل أحد أسباب استمرارها.
في حدود عام 1958، وصل ياسر عرفات وخليل الوزير (أبو جهاد) إلى الكويت، حيث بدأت في المنافي البعيدة عن ضجيج العواصم العربية نواة تفكير مختلفة: إعادة بناء الفعل الفلسطيني من الداخل، وبأدوات فلسطينية خالصة. لم يكن اختيار الكويت تفصيلًا عابرًا؛ فقد كانت آنذاك مساحة مفتوحة نسبيًا للفلسطينيين، وملتقى لكفاءات شابة خرجت من تجربة النكبة محمّلة بأسئلة الكرامة والهوية والمستقبل.
في هذا السياق، وُلدت فكرة تنظيم فلسطيني مستقل، لا تابعًا لمحور إقليمي، ولا ذائبًا في شعارات كبرى لا تمنح الفلسطيني دور الفاعل. تنظيم يرى أن فلسطين ليست بندًا في برنامج الآخرين، بل قضية تحرر وطني لها حاملها الخاص، وخطابها، وأدواتها.
وجاء صدور مجلة «فلسطيننا – نداء الحياة» في تشرين الأول/أكتوبر 1959 ليشكّل محطة تأسيسية مفصلية. لم تكن المجلة مجرد إصدار ثقافي أو سياسي، بل منصة لإعادة تعريف القضية الفلسطينية ذاتها. في صفحاتها، وبمشاركة ياسر عرفات وأبو جهاد، وبمساعدة توفيق الحوري وآخرين، تبلورت الأفكار الأولى للحركة: الاعتماد على الذات، أولوية الكفاح الفلسطيني، ورفض الوصاية السياسية مهما كان مصدرها.
بين عامي 1959 و1964، جرى العمل بعيدًا عن الأضواء. بناء خلايا تنظيمية، جمع تبرعات، صياغة أدبيات أولى، ونقاشات داخلية طويلة حول التوقيت والشكل والهدف. كانت تلك سنوات التأسيس الحقيقي، حيث نضجت القناعة بأن الانتظار لم يعد خيارًا، وأن الفعل، مهما بدا محدودًا، هو شرط الوجود السياسي.
وجاء الأول من كانون الثاني/يناير 1965 ليعلن الانتقال من الفكرة إلى الفعل. لم تكن «الرصاصة الأولى» إعلان حرب شاملة بقدر ما كانت إعلان وجود. عودة الفلسطيني إلى مسرح التاريخ بوصفه فاعلًا، لا مجرد ضحية أو شاهد. بهذا المعنى، لم تولد فتح فجأة، بل جاءت نتيجة تراكم وعي وتجربة وتنظيم صبور في منفى قاسٍ.
منذ تلك اللحظة، لم تكن حركة فتح تنظيمًا عسكريًا فحسب، بل مشروعًا وطنيًا سعى إلى جمع الفلسطينيين تحت هوية سياسية واحدة. هذا المسار قاد لاحقًا إلى إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وتحويلها إلى الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. لم يكن الطريق مستقيمًا، ولا خاليًا من الأخطاء أو التناقضات، لكنه أسس لمعادلة جوهرية، لا قضية بلا حامل وطني مستقل.
واليوم، حين يُطرح سؤال استمرارية حركة فتح، لا ينبغي أن يُطرح بوصفه دفاعًا عن تاريخ جامد أو سردية مغلقة، بل بوصفه نقاشًا حول الفكرة التأسيسية ذاتها. فكرة أن فلسطين قضية تحرر وطني لا تختزل في إدارة أزمة، ولا تُستبدل بخطاب عاطفي، ولا تُدار بلا بوصلة جامعة.
هكذا تُقرأ ذكرى الانطلاقة. ليست احتفالًا بالماضي، بل مساءلة للحاضر على ضوء البدايات الأولى. حين قرر فلسطينيون، في منفى بعيد، أن يقولوا بوضوح وبكلفة عالية. هذه قضيتنا، ونحن من سيحملها.
---------------------------------
بقلم: حاتم نظمي






