11 - 01 - 2026

رشقة أفكار | لم يعد هناك ضوء في آخر النفق! (٢-٢)

رشقة أفكار | لم يعد هناك ضوء في آخر النفق! (٢-٢)

- من يجرؤ على الكلام .. من سؤال بول فندلي في الثمانينات إلى مسخ الحياة والأفكار في الألفينات !
- البنيان الصهيوصيني -الأثيوبي كان يرتفع حجرًا بعد آخر، بينما زعامات فارغة وأفكار جوفاء تحمل "الإخوان" إلى كرسي الحكم !
- مَن هؤلاء : "نور" ومخيون و باكينام ومرسي ناقشوا أزمة سد أثيوبيا على إيقاع غياب الخبراء والعلماء والدراسات والمتخصصين؟!
- ليس كل الكلام ترتاح السلطة إليه.. انها تستخدمه لصالحها، وتتجمل به فقط !
- التعليم والتربية والإعلام قواعد صناعة الكلام.. هي من تخلق شعبًا يتكلم! السلطة التي لاتريد شعبًا يتكلم هي بالأساس تضيق بالكلمات!

فقد الكلام معناه .. مُسِخ كما مسخ طعم ومذاق كل شيء ..من الماء إلى الطعام .. ومن الذوق إلى القيمة ومنهما إلى الحياة نفسها! ماكان متوقعًا أن يصل بنا الخيال إلى محطة هذه المحنة. كانت ٢٥يناير - بجانبها الإيجابي العظيم، المتمثل في توحد الشعب المصري بشبابه وشيوخه، بنسائه وبناته، بأحلام فتيانه وبراعمه - إلى إمكانية وصولنا إلى هذه اللحظة البائسة! 

ظهرت نفوس الكثيرين بعد غسيل وتنظيف الميدان "مخوخة "! لم يتغلب أحد على الهراء الذي ملأ القلوب والعقول معًا.. فبدلًا من صرف كل الجهود إلى  بناء الوطن.. والإنسان، تحول الاتجاه إلى تفكير في نهب كل مايمكن نهبه من الوطن! المواطنون عادوا إلى "الثكنات".. وجلسوا على "الكنبة "وصاروا حزبًا يتفرج.. ينتظر جنى الأرباح في بورصة الكلام.. فإذا كل الكلام "مأخوذ خيره" كما يقول الخليجيون .. كلام مثل اللبن القاطع.. وبين مرحلتين مرت الأمة المصرية بأطوار فيها من التردي والعقم الشيء الكثير.

في ٢٠١١ وضعت كارثة سد أثيوبيا أول مدماك لها على  طريق ترسيخ هذا الخراب القادم من أديس أبابا بينما الناس غافلون، ومع هذا فإن "الوفد الشعبي" الذي تجول في إفريقيا وذهب إلى هناك عاد يوزع - بصدق - آمالًا زائفة! في  الوقت نفسه الذي إرتفع  فيه البنيان الصهيوصيني - الأثيوبي حجرًا بعد آخر، كان الكلام الفارغ والمأخوذ خيره يحمل الإخوان إلى كرسي الحكم! وهنا يمكن فقط تذكر ذلك المؤتمر المذاع على الهواء باعتباره حوارًا مجتمعيا هزيلا.. ترأسه مرسي رئيس الجمهورية - أو شعبة الإخوان في قصر الرئاسة - وحضره  أناس كثيرون، كان يمثلون عصر النجوم اللامعة على حد وصف هيكل لعصر السادات. هي نجوم صدئة في قلبها وحقيقتها، لكنها كانت لامعة بفعل الأضواء! من بين هذه النجوم أيمن نور .هو مثال على كثير من الهراء إمتلأ به الميدان حتى فاض! نور اقترح إخراج الطائرات المقاتلة من مرابضها في تظاهرة كارتونية تهدد سماء أديس أبابا وترعبها زورا وبهتانا.. تحلق في سماء أثيوبيا "كده وكده ".. قال: مش هنضرب ولكن نهدد! ربما هذا مادعا مجدي أحمد حسين رئيس حزب العمل الجديد إلى القول "علينا أن نقسم على ألا يجري الإفصاح عما يدور في هذا الاجتماع لوسائل الإعلام"، وذلك قبل أن ينبهه أحد الجالسين بجواره إلى أن الاجتماع يبث على الهواء مباشرة فتضج القاعة بالضحك". فكرة أيمن نور رئيس حزب غد الثورة عن كيفية مواجهة مخاطر بناء السد تكشف عن العقم الفكري لدى القيادات، ولعلها أزمة مصر كلها الآن ، فمثله موجود في كل مكان  لم يتأمل نور.. كلماته خلال اللقاء: "لا بد أن نسرب معلومات أن مصر تسعى لشراء نوع معين من الطائرات. هذا الضغط حتى لو لم يكن واقعيا سيوصل إلى حل على المسار الدبلوماسي"!

يونس مخيون رئيس حزب النور آنذاك قدم  مقترحات "بدعم جبهة تحرير أورومو وجبهة تحرير أوغادين" كورقة ضغط على الحكومة الإثيوبية. وكذلك "الاستعانة بالمخابرات لهدم أي سد يقام إذا كان فيه خطورة محققة على مصر"!

لم يتذكر أحد أن هناك علماء وخبراء ومفكرون يجب الذهاب إليهم، ومحاورتهم وتكليفهم بدراسة الموقف، تحت مظلة المخابرات العامة والحربية. القضية كانت قضية أمن قومي. وتحتاج إلى كل طاقة نور من كل عقل يفكر. تحتاج إلى حوار مجتمعي حقيقي.. لكنه وقتها كان في طور الموت. من هو أيمن ومن هو يونس ومن هي باكينام بل ومن هو مرسي الطاريء على كرسي السلطة حتى يتصرفوا في هذه القضية الخطيرة بمعزل عن أهل العلم والدراسة والخبرة وفنون الحرب والقتال؟! ماهي قيمة كلامهم بل وشخصياتهم؟ هراء في هراء. كان الحل بعيدًا جدًا عن عيونهم ورؤوسهم، لماذا؟ لأنه كان يجب أن يأتي من قلب المجتمع المصري. هناك مثل شهير يقول "لو خليت خربت".. وباليقين كان هناك من المصريين من لديه الكلام الحقيقي قبل استفحال خطر السد الأثيوبي إلى الحد الذي لم نعد نملك حياله الفعل الآن!

الكلام لا يأتي من فراغ، وإلا يصبح شيئا تلوكه الألسنة مثل العلكة. الكلام فنون وأنواع .. وله منطلقات.. كلام المصاطب غير كلام المجالس العرفية غير كلام المثقفين، غير كلام المسؤولين.. حتى أنواعه.. هناك  كلام ساكت وكلام حروفه تقول كل شيء! لكن بشكل عام ليس كل كلام ترتاح اليه السلطة! انها تستخدمه فقط لصالحها، وتتجمل به لكنها لا تسعي لإرساء قواعد الكلام! لاتهتم بالتعليم ولا بالتربية ولا بالإعلام لأنها ستخلق شعبًا يتكلم! السلطة التي لاتريد شعبًا يتكلم هي بالأساس تضيق بالكلمات، حتى نكون منصفين فإن محاولة مرسي الاستماع إلى أراء الآخرين في أزمة السد الأثيوبي من حيث المبدأ مهمة وأساسية، حتى الوفد الشعبي الذي زار أفريقيا وإثيوبيا كان مهما، لكن الذي ليس كذلك هو غياب الإعداد الجيد لمثل هذه الاجتماعات والزيارات! كان مرسي يجلس وسط أناس لهم حيثية ورقية (رؤساء أحزاب وماهم  بحزبيين ولا  بمفكرين و لا خبراء أو سياسيين) ولا يعرف مثلًا - وهو الرئيس - أن  سكرتيرته الدكتورة باكينام دعت التليفزيون لإذاعة الاجتماع على الهواء! هراء في هراء. لم يدعوا خبراء في عمل السدود.. ولا أساتذة فى الهندسة ولا الميكانيكا ولا الهيدروليك ولا أي شيء له علاقة  بالقضية! العدو الصهيوني عندما ذهب السادات إلى الكنيست أسكن الوفد المصري في فندق الملك داوود، ووضعه كله تحت مجهر وعدسات الموساد .. وكان مستعدًا لكل شيء وعرف  كيف يفكر الوفد كله.. حتى حركات وسكنات وردود افعال ولغة جسد الرئيس جاءوا بعلماء ومتخصصين لتحليلها! في حرب أكتوبر كان كشكول الجمسي أهم أداة من أدوات المعركة، لأنه كان يحسب كل شيء حتى حركة الرياح والمد والجزر الخ. زكي باقي كان عقلًا عسكريا - ومثله لدينا كثيرون يمكن أن نباهي بهم في التفكير والدراسة - هو قاهر خط بارليف الحصين !

فقد الكلام معناه في مصر، لأن أدوات صناعة الكلام أهملت.. والكلام نفسه لم يعد مرغوبا في ممارسته! لم يعد مطلوباً منك أن تشارك.. أو تتكلم.. إفتح فمك فقط حين تستدعي للحديث (أي إستدعاء!) غير هذا ولا نَفَسْ ولا حركة! الدراسات العلمية فرغت من معناها.. الباحثون ينقلون من أبحاث سابقة كوبي بست. دراسات مكررة. في جامعة الأزهر مثلًا ٥٠٠ رسالة علمية أعدت عن فقه الوضوء، (سألت وشددت على من قال لي هذه المعلومة الزميل الصديق إبراهيم عيسى فأكد لي أنه توصل لها  بنفسه)!

طلاب لايذهبون إلى المدارس.. جامعات متخمة بمواد عقيمة، أساتذة أغلبهم صامتين من أجل لقمة العيش، مدراء الجامعات لايخطون خطوة واحدة من تلقاء أنفسهم.. لايحق لهم إعداد مؤتمر علمي أو أدبي أو سياسي.. الصحافة ماتت أو قتلت.. الأحزاب فرغت من مضمونها وأصبحت ملأى بالمخبرين، من يعلو صوته يختنق.. العلماء الحقيقيون منكفئون على حياتهم إيثارًا للسلامة.. برلمانات ومجالس شيوخ أقيمت بانتخابات استوقفت رئيس الدولة نفسه.. الاستحقاقات المصرية في الحرية والديمقراطية منزوعة حتى إشعار آخر!

من يجرؤ على الكلام بحسب عنوان كتاب خطير ل بول فندلي صادر في نهاية الثمانينات؟ لو فكرت في الكلام ستُجَلّس مقهورًا مدحورا وتنبذ من رؤسائك أو تجلد لا فرق.. الردود الاستنكارية عليك ستجعلك  مسخة  بين تلاميذك في الجامعة أو أقرانك في المجتمع ! على أن جزءًا من مأساة غياب الكلام الحقيقي السليم المليء بالخير يعود إلى أننا لم نعد نعرف آي شيء! تعوزنا المعلومات بالفعل، ورغم أن إتاحتها حق أصيل للمجتمعات، لكننا مازلنا نناضل من اجل صدور قانون حرية تداول المعلومات! العقل البشري لايكف عن محاولة التفكير والاجتهاد ولكنه حينما يصطدم بالتعتيمات لأي سبب، تتحول كل الأشياء والأفكار والمشروعات  إلى سر حربي تقتصر معرفة أبعاده على نخبة ضيقة جدًا من أصحاب القرار!

لم يعد هناك ضوء في آخر النفق!
---------------------------------
بقلم: محمود الشربيني


مقالات اخرى للكاتب

رشقة أفكار | لم يعد هناك ضوء في آخر النفق! (٢-٢)