فرضت الولايات المتحدة من طرف واحد عقوبات على أكثر من خمسين دولة بقصد الضغط عليها لتحقيق السياسة الخارجية الأمريكية. ولم يتسن حتى الآن للقانون الدولي أن يقول كلمته في مدي مشروعية هذه العقوبات.
ومعلوم أن نظرية الصراع الدولي هي التي تحكم العلاقات الدولية، وأن العقوبات الدولية جزء من نظرية الصراع الدولية جاءت من نظرية الصراع الدولي إلى نظر القانون الدولي. والعلاقة بين العلاقات الدولية والقانون الدولي هي أن العلاقات الدولية مثل المحيط ولكن القانون الدولي يعتبر شاطئًا له، ويقال عادة أن ثلاثة عوامل تلطف من نظرية الصراع الدولي عندما تدخل القانون الدولي؛ وهي: القانون الدولي، ونظرية المجاملة الدولية، ونظرية التعويضات الدولية، وهناك فرق بين المحيط وبين الشواطئ، ولذلك فإن القانون الدولي شهد تراكما عبر القرون لضبط العلاقات الدولية، وهذا هو السبب في أنه في كليات الحقوق يقولون أن القانون الدولي ليس بقانون لأنه لا يضاهي القانون الداخلي من حيث أن الأخير تفرضه السلطة بالقوة عند الاقتضاء.
ومعلوم أن القانون الدولي يعمل في بيئة دولية، وأن أطيافه وأشخاصه هم الدول التي تتمتع بالسيادة وتشترك في صناعة القانون الدولي وتشترك في تنفيذه على أرضها. العقوبات الدولية والأصح أنها جزاءات دولية نوعان؛ نوع تنفرد به الدول مثل الولايات المتحدة، والنوع الأكبر والأقوى هو الذي تقرره منظمة دولية خاصة العالمية مثل الأمم المتحددة ووكالاتها المتخصصة.
والجزاءات الأمريكية ليس مشروعة في القانون الدولي، وإنما مشروعة في القانون الأمريكي، ومعلوم أن الولايات المتحدة تعتبر القانون الأمريكي هو القانون الدولي، أو أسمى من القانون الدولي، وأن المحكمة العليا الأمريكية أحكامها ملزمة للدول الأخرى، وأن الكونجرس الأمريكي يشرع لبقية دول العالم.
هذا التعنت الأمريكي والغرور الأمريكي ظهر منذ انتصار الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، رغم أن ميثاق الأمم المتحدة تضمن مثاليات تتناقض تماما مع المقولات الأمريكية، وتصر الولايات المتحدة على إنفاذ معتقداتها على القانون الدولي.
ورغم أن الولايات المتحدة دولة عظمى وهي قدوة في احترام القانون الدولي، وكان مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945 الذي صاغ ميثاق الأمم المتحدة يفترض أن مجلس الأمن هو مجلس إداري للعالم كله أو هو حكومة العالم، وأن الجمعية العامة هي برلمانها، ولكن في التطبيق ثبت جور نظرية الصراع الدولي على القانون الدولي وهذا طبيعي في نظام دولي غير محكم ويستحيل إحكامه مثل النظم الداخلية.
فما دامت العقوبات الأمريكية غير مشروعة، فإن أمريكا استولت على السفينة الروسية في أعالي البحار منتهكة حرية الملاحة في أعالي البحار، وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة في قانون البحار - جنيف عام 1958 - ، ولو رفعت روسيا دعوى أمام محكمة العدل الدولية لأدانت المحكمة الولايات المتحدة الأمريكية ولَألَزْمَتْهَا بالتعويض العادل عن انتهاكها للقانون الدولي. والحق أن الولايات المتحدة ليست المرة الأولى التي تنتهك فيها القانون الدولي، وانما انتهكته عدة مرات في العالم العربي وفي فلسطين وسوريا بالذات، نتيجة لانحيازها الأعمى لإسرائيل، فالفيتو الأمريكي استخدم منذ الحرب العالمية الثانية أساسًا لحماية إسرائيل من النقد وإفلات إسرائيل من العقاب، وآخرها في غزة على مدى عامين كاملين.
وفور عملية السفينة الروسية صرح ترامب بأنه فخور بالدفاع عن المصالح الأمريكية وبسيادة أمريكا على هذا العالم، وأكد مرة أخرى أنه أقطع الجولان السوري المحتل لإسرائيل وجزء من أراضيها، كما أنه شرعن ما يعتبر جرائم حرب وهو الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية. هذه البلطجة الأمريكية ظهرت في عدة مواضع ولابد أن المجتمع الدولي يدافع عن تراثه القانوني، وقضية أوكرانيا ليست صراعًا ولا حربًا بين أوكرانيا وروسيا، إنما هي صراع عسكري بين روسيا والغرب عموما وعلى رأسه الولايات المتحدة على أرض أوكرانيا، ولذلك فان ترامب تساهل جدا مع روسيا في أوكرانيا وفضل العلاقات الأمريكية الروسية على مصالح أوكرانيا، ويتردد أن ترامب نجح في الفترة الأولى من ولايته عن طريق روسيا، ولذلك فهو مدين لروسيا بانتصاره في الانتخابات الأمريكية، هذه المقولة تحتاج إلى بحث متعمق موثوق لكنها ليست مستبعدة.
--------------------------------
بقلم السفير: د. عبدالله الأشعل
* مساعد وزير الخارجية الأسبق






