04 - 03 - 2026

نائبة الزنازين.. حين يرتدي السجّان ثوب البرلمان ويشرع لقتل السياسة!

نائبة الزنازين.. حين يرتدي السجّان ثوب البرلمان ويشرع لقتل السياسة!

بينما تُبنى الدول على مداميك الحوار، وتُشيد البرلمانات لتكون ساحات للتفاوض وإدارة الاختلاف، صُدم الرأي العام بـ "بدعة" سياسية لا تنتمي لعلوم الاجتماع ولا لأصول الحكم الرشيد، بل تنتمي لعصور القمع المظلمة. أن يخرج علينا من يفترض به تمثيل الشعب ليختزل العمل العام في ثنائية "الحكم أو الحبس"، فهذا ليس مجرد زلة لسان، بل هو إعلان صريح عن موت السياسة واغتيال لكل بارقة أمل في تطور ديمقراطي.

سقوط القناع: السياسة ليست حلبة للمصارعين

الخطورة في هذا الطرح لا تكمن فقط في كونه يعكس ضحالة في الفهم السياسي، بل في محاولة "تطبيعه" وتعميمه كقاعدة عالمية. حين تدعي نائبة أن هذه هي حال السياسة "في العالم كله"، فهي لا تمارس التضليل فحسب، بل تهين تجارب الأمم التي جعلت من تداول السلطة سلمياً أساساً لاستقرارها.

إن هذا المنطق يعيد إنتاج أسوأ ما في العقلية الشمولية؛ عقلية "إما معي أو ضدنا" التي اجتاحت العالم في حقب سوداء، حيث يتحول المعارض من شريك في الوطن إلى مشروع سجين. إذا كان هذا هو فكر "الجيل الجديد" من الساسة الذين تم إعدادهم في دهاليز التنسيقات والكيانات المستحدثة، فنحن أمام كارثة وطنية تلوح في الأفق.

مشرعون خلف قضبان الفكر الديكتاتوري

كيف لمن يشرّع القوانين ويراقب أداء السلطة التنفيذية أن يؤمن بأن "القبر أو القصر" هو مآل الممارسة السياسية؟

أولاً: هذا الفكر ينسف شرعية البرلمان كمنصة للتعددية.

ثانياً: يرسل رسالة ترهيب لكل مواطن يطمح للمشاركة في الشأن العام.

ثالثاً: يثبت أن "المعارضة الشكلية" قد وصلت إلى مرحلة من الهزال تجعلها تتبنى خطاب القمع أكثر من السلطة نفسها!

إن تشبيه السياسة بمعادلة صفرية نهايتها السجن، هو اعتراف ضمني بأن النظام الذي تتحدث باسمه هذه النماذج لا يقبل النقد، ولا يعترف بالآخر، ولا يرى في السياسة إلا أداة للسيطرة والبطش.

الحل ليس في الاعتذار.. بل في الإقصاء

هناك خطايا سياسية لا يمحوها الاعتذار، لأنها تكشف عن عقيدة راسخة وليست زلة عابرة. إن من ينظر للسياسة كطريق يؤدي حتماً إلى الزنزانة في حال الفشل في الوصول للسلطة، هو شخص "غير مؤهل" قانوناً ولا أخلاقياً للجلوس تحت قبة برلمان يشرع لبلد يطمح للحرية.

المطالبة هنا لا تتوقف عند حدود العتاب، بل يجب أن تصل إلى الطرد من الحياة السياسية ككل. فمن يضع السجن كخيار وحيد للمنافس السياسي، لا يؤمن بالدستور، ولا يؤمن بالدولة، بل يؤمن بـ "الغابة" حيث البقاء للأقوى، وليس للأصلح أو لمن يملك البرنامج الأفضل.

إن مستقبل مصر السياسي لا يمكن أن يُترك رهينة لعقليات ترى في "الكلبشات" نهاية طبيعية للاختلاف في الرأي. السياسة هي فن الحياة، وإدارة المصالح، والمساحة الاجتماعية المشتركة، ومن يراها "حكماً أو حبساً" فمكانه ليس البرلمان، بل كتب التاريخ التي تروي قصص النظم التي بادت لأنها استبدلت العقل بالسجان.
-----------------------------
بقلم: عز الدين الهواري


مقالات اخرى للكاتب

​استراتيجية حلم إسرائيل الكبرى وحرب إيران؟ وتحذير الله لنا