10 - 01 - 2026

نطاق تطبيق قاعدة "لا يضار الطاعن بطعنه" أمام القضـاء السعودي

نطاق تطبيق قاعدة

تعتبر هذه القاعدة من القواعد الأساسية في النظام القانوني حيث تحمي الطاعنين من التعرض لعقوبات أشد أو أكثر صرامة، وبالتالي تشجع على استخدام حق الطعن كوسيلة لتحقيق العدالـة.

وهذا الموقف ليس عامًا في النظام السعودي، فالأنظمة الإجرائية الثلاث المرافعات الشرعية والإجراءات الجزائية والمرافعات أمام ديوان المظالم صدرت معًا في نفس التوقيت، وتم تضمين نظام المرافعات الشرعية نصًا صريحًا يتبنى هذه القاعدة، ولم يتم تضمينها لنظام الإجراءات الجزائية ونظام قواعد المرافعات امام "ديوان المظالم".

فلم يتبنّ المنظم السعودي هذه القاعدة في إطار قواعد المرافعات الشرعية ابتداءً بنصوص صريحة إلّا أنه عاد ليطبق القاعدة بتبني موجبها ومفترضها بتبني الاستئناف الفرعي، فالطعن يمنح المحكمة سلطة تعديل الحكم لصالح الطاعن أو ضده دونما استلزام تقدم خصمه بطعن مقابل في ميعاد الطعن أو فرعي، وهو ما يؤكد رغبة المنظم في عدم تبني هذه القاعدة في مجال انطباق القاعدة في نظام المرافعات الشرعية، فالنزاع في هذه الدعاوي يتعلق بمصالح خاصة متعارضة. 

فالقضاء العادي حاسم في عدم الالتفات لهذه القاعدة وعدم اعتبارها، فقد أقيمت دعوى بعدة مطالبات، وقد انتهت المحكمة في إحداها إلى أحقية المدعي بما يتمسك به من إلزام المدعى عليه بدفع المبلغ محل الطلب، قنع المدعى عليه بالحكم واستأنفه المدعي لعدم إجابته لباقي الطلبات، فأوردت محكمة الاستئناف ملاحظتها على الحكم بأنه ألزم المدعى عليه بالمبلغ المذكور دون بيان المستند الشرعي لذلك، بالرغم من أن المدعى عليه لم يعترض. "حكم المحكمة العامة بالرياض في الدعوى رقم ٣٤١٤٥٠٦٢، لسنة1434 ه".

والأمر على نقيض ذلك فيما يتعلق بإجراءات التقاضي أمام القضاء الإداري، إذ ينص نظام المرافعات أمام ديوان المظالم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/3) بتاريخ 22/1/1435 هـــ صراحة في المادة (34) على أنه إذا كان الاعتراض قد رفعه المحكوم عليه وحده، فلا يضار باعتراضه، ثم إن هذا النظام أعمل موجب مبدأ الّا يضار الطاعن بطعنه بأن سمح للمطعون ضده - الذي لم يتقدم بطعن على الحكم في الموعد النظامي - للطعن تقديم طعن فرعي لفتح المجال لتعديل الحكم لصالحة ضد الطاعن الأصلي استنادًا على الطعن الفرعي، حيث ضمن مادته (42) أنه يجوز للمستأنف ضده - إلى ما قبل إقفال المرافعة أن يرفع استئنافًا فرعيًا يتبع الاستئناف الأصلي ويزول بزواله، وذلك بالإجراءات المعتادة أو بمذكرة مشتملة على أسباب استئنافه، كما تنص اللائحة التنفيذية لنظام المرافعات أمام ديوان المظالم في خصوص هذا النص على أن يرفع الاستئناف الفرعي بعد المهلة المحددة للاعتراض.

والحقيقة أنه لا يوجد في التطبيقات القضائية الخاصة بديوان المظالم منذ عام 1402 هـ حتى عام 1436 هــ ما يدل على التعرض عملًا لأحكام يمكن الاستفادة بها في الخصوص.

أمّــا في نظام الإجراءات الجزائية فلا يتبنى المنظم السعودي هذه القاعدة ولا موجباتها، وهو ما يحدث في الواقع عندما يتم الاعتراض على الحكم من المحكوم عليه دون النيابة العامة، ثم تنتهي محكمة الطعن إلى تعديل الحكم ضده بزيادة مقدار العقوبة أو بإضافة عقوبة أخرى لم يتضمنها الحكم الطعين.

فقد استقر قضاء الاستئناف السعودي في المجال الجزائي على مراجعة الحكم القضائي للوقوف على مدى عدالته إجرائيًا وموضوعيًا من ناحية الإدانة والبراءة، ومقدار العقوبة، ومناسبتها، بغض النظر عن شخص الطاعن على الحكم وما إذا كان المدعى عليه، أو النيابة العامة، بل ولو لم يتم الاعتراض على الحكم أصلاً.

ومن تطبيقات ذلك قضائيًا، رفعت دعوى طالب فيها الادعاء العام النيابة العامة سابقا، بالقصاص من المتهم فأصدرت محكمة الدرجة الأولى حكمها على المتهم بالحبس، وبعرض الحكم على الخصوم أبدى الادعاء العام القناعة وقرّر المتهم عدم القناعة والاعتراض على الحكم بالاستئناف، فأبدت محكمة الاستئناف ملحوظة على الحكم بتوافر موجب القصاص، وردت القضية لمحكمة الدرجة الأولى التي عدلت حكمها من الحبس إلى القصاص، وتم رفع الحكم المحكمة الاستئناف التي صادقت عليه". "المحكمة العامة بالخرج، في الدعوى رقم (٣٣١٦٧١٥١)، الصادر بالصك رقم (٣٣٤٦٠٣٤٨) وتاريخ 31/11/1434 هــ ".

ووجه الدلالة هنا أن المدعي عليه قرّر القناعة بالحكم، وأن النيابة العامة استأنفت على الحكم إلاّ أن محكمة الاستئناف أوردت ملحوظاتها على الحكم لصالح المطعون ضده.

وفي رأيي إذا تأملنا موقف المنظم السعودي، فإن هذه القاعدة إذا ورد النص عليها ضمن نصوص نظام المرافعات الشرعية لكانت قاعدة عامة تسري على جميع النظم الإجرائية الأخرى، بوصفها مكملة لها فيما لا يتعارض مع طبيعتها وهو ما نص عليه نظام المرافعات أمام ديوان المظالم في المادة رقم (٦٠) المعدلة بالمرسوم الملكي رقم (م/٤٣) وتاريخ 26/5/1443 هـ على أن تطبق على الدعاوى المرفوعة أمام محاكم ديوان المظالم أحكام نظام المرافعات الشرعية ونظام الإثبات فيما لم يرد فيه حكم في هذا النظام بما لا يتعارض مع طبيعة المنازعة الإدارية، كما تنص المادة (۲۱۸) من نظام الإجراءات الجزائية المعدلة بالمرسوم الملكي رقم (م/٤٣) وتاريخ 26/5/1443 هــ أن تطبق الأحكام الواردة في نظام المرافعات الشرعية وفي نظام الإثبات فيما لم يرد فيه حكم في هذا النظام بما لا يتعارض مع طبيعة القضايا الجزائية.

ويتضح من موقف المنظم السعودي وجود رغبة واضحة في قصر هذه القاعدة على قواعد المرافعات امام ديوان المظالم دون سواها، ولعل السبب في ذلك أن القضاء الإداري قضاء يحمي الأشخاص العاديين من تعسف الإدارة في بعض الأوقات، فلا مجال لأعمالها في إطار قواعد المرافعات الشرعية أو في مجال الدعاوي الحقوقية والتجارية والعمالية والأحوال الشخصية. 

وقد استقر القضاء العادي في المملكة على عدم تبني القاعدة في مجال المعاملات المدنية والتجارية والأحوال الشخصية وامتد تطبيقها إلى مجال المعاملات الجزائية، فلا يتبني القاعدة بصورة صريحة، وإن كانت لائحة الاستئناف في نطاق قواعد المرافعات الشرعية قد تبنت القاعد بتبني مفترضها، حيث يجري جواز تعديل حكم الطاعن لصالح المطعون ضده ولو قبله هذا الأخير، وقرّر القناعة به، حتى فيما يخص تشديد العقوبة على المتهم المعترض على الحكم رغم قناعة النيابة العامة بالحكم. 

ومن الجدير بالذكر أنه وفقًا للمادة 165 من نظام المرافعات الشرعية، تتعدد حالات رفع الحكم المحكمة الاستئناف لتدقيقه دونما حاجة على اعتراض من الخصم، ومنها حالة الحكم ضد مصلحة القاصر أو المحجور عليه أو ضد الوقف أو جهة حكومية، وكذلك تعذر تبليغ من يقوم مقام الخصم وفقاً للمادة (1/180) من اللائحة التنفيذية لنظام المرافعات الشرعية".

وهنا تظهر فكرة تدقيق الحكم ويمكن أن يتم تعديله لصالح أحد الخصوم دون تقديم طعن من أحد، وهدف النظام السعودي هو البحث عن العدالة وصحة الأحكام القضائية بصرف النظر عن أي اعتبار آخر، وبالتالي يتضح عدم اهمية تبني القاعدة.

ومن تطبيقات ذلك أقيمت دعوى إثبات حق انتفاع، فانتهت المحكمة إلى ثبوت حق المدعين، وقضت بما طلبوه، فقرر المدعون والمدعى عليه القناعة بالحكم، ولم يتقدم أحد بثمة طعن، فرفعت محكمة الدرجة الأولى الحكم لمحكمة الاستئناف حسب المتبع، فأوردت هذه الأخيرة على الحكم ملاحظة تمثلت في أن الدعوى غير محررة، حيث لم يبين المدعون مدة المنفعة، ومقدارها، وتاريخها، فاستكملت محكمة الدرجة الأولى الملاحظات، ثم أكملت حكمها وأعادته المحكمة الاستئناف التي صدقه"."حكم المحكمة العامة رقم ٣٤٥٢٧٠٢٥، لسنة ١٤٣٤هــ".

وفي رأينا أن المنظم السعودي أحسن عملًا بعدم تبني القاعدة على إطلاقها فهي لا تؤثر في آداء القضاء لدوره أو تأييد حكم دون سبب لمجرد اقتصار الطعن عليه من طرف دون آخر، فدور القضاء تحقيق العدل والحكم وفقًا لذلك، بغض النظر عن الخصم له مصلحة أو مضرور من ذلك، ويبقى مبرر القاعدة اقتصار دور القضاء بالفصل فيما يطرح أمامـه سلبًا أو ايجابًا عبر الطلب القضائي وهو ما نجد تبريره في المنطق القانوني "تقيد القاضي بما يطلبه الخصوم".
-------------------------------------
بقلم: د. محمد جلال عبدالرحمن
* كاتب وباحث وحاصل على جائزة الدولة في العلوم الرقمية.
بريد الكتروني:- [email protected]

مقالات اخرى للكاتب

نطاق تطبيق قاعدة