يشير عمنا محمود السعدني في كتابه (مسافر بلا متاع)، تحت عنوان "حلاوة زمان"، إلى أنه كان أول من سلط الضوء على مقرئي القرآن، وجعل من قصصهم مادة صحفية، يتابعها وينتظرها آلاف القراء من عشاق أصواتهم. كان ذلك في عام 1950، عندما نشر تحقيقًا صحفيًا عن كل من الشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ الشعشاعي، وغيرهما، على صفحات جريدة صوت الأمة.
تلى ذلك، قيامه عام 1954 بكتابة زاوية أسبوعية عن مشاهير القراء في المحروسة، انتهى إلى جمعها في كتاب تحت عنوان "ألحان السماء"، الذي صادف – كما ذكرنا من قبل - نشره وعمنا السعدني في سجن الواحات الخارجة متهمًا بالشيوعية، وهو منها براء، وكل ما في الأمر أن أحد أعضاء الأحزاب السياسية في دولة عربية، طلب منه توصيل رسالة خطية إلى الرئيس جمال عبد الناصر آنذاك، ومن باب الأمانة وحسن النية، تواصل مع أولي الأمر وسلمهم الرسالة، ليفاجأ بعدها بالقبض عليه، باعتباره عضوًا بحزب شيوعي، ينتمي إليه مُرسل الخطاب، وعبثًا ضاعت محاولات التوضيح والإبانة، وقضى في السجن عامين، خرج بعدهما وقد نشر الكتاب، في إشارة إلى سخرية سوداء.
ويوضح السعدني أن اثنين من كبار المثقفين سبقوه وتحدثوا عن مقرئي القرآن، الأول الزجال محمد عبد المنعم، المعروف بأبي بثينة (1905 – 1989)، الذي وقف إلى جانب الشيخ رفعت يدافع عنه ضد مدير الإذاعة المصرية، وكان رجلاً إنجليزيًا، عندما رفض طلبه تسجيل القرآن بصوته، فمنع ظهوره في الإذاعة، وكان الشيخ قد استقر رأيه على الرفض بناءً على تحذير بعض أصدقائه، أن يكون في الأمر مخالفة فقهية، فضلاً عن أن تسجيل القرآن بصوته سيجعل الإذاعة تستغني عن خدماته.
ولكم تمنى السعدني لو أن الشيخ رفعت وافق على طلب مدير الإذاعة وسجل القرآن بصوته، بدلاً من تلك التسجيلات التي قام بها هواة غير متخصصين افتقدت الجودة المطلوبة.
أما المثقف الثاني فهو الشيخ عبد العزيز البشري (1886 – 1943)، كاتب وأديب أُطلق عليه لقب جاحظ العصر، كان قد أصدر كتابًا تحدث فيه عن شخصيات سياسية، وأدبية، وثقافية، وكان من ضمن من تحدث عنهم الشيخ علي محمود، الذي يضعه السعدني بعد سيدنا بلال بن رباح من حيث حلاوة الصوت.
وقد امتد أثر كتابة السعدني عن ألحان السماء، عندما ساح في بلاد الله بحثًا عن لقمة العيش وهربًا من التضييق عليه، فالتحق بالعمل في جريدة السياسة الكويتية، وكان يرأس تحريرها في ذلك الوقت الصحفي البارز أحمد الجار الله، الذي أبدى اندهاشه من طلب عمنا السعدني نشر حديث أجراه مع الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، على اتساع صفحة كاملة، فقال له بنبرة دهشة وقد رفع حاجبيه الكثيفين، "حديث مع مقرئ؟!"، ودار بينهما حوار انتهى بنشر الحديث الذي لاقى قبولاً لدى القراء، فأتبعه بأحاديث أخرى مع قُراء مصريين، ومن هنا صارت تلك الأحاديث مادة أساسية في الصحافة الكويتية، وخاصة في شهر رمضان من كل عام.
من هنا عزيزي القارئ نتبيّن أن "دولة التلاوة" التي كتب عنها عمنا محمود السعدني، لم تكن مجرد عصر ذهبي للأصوات، ولا مسابقة غير معلنة بين الحناجر، بل كانت منظومة قيم كاملة، قوامها الإخلاص، والتواضع، ونقاء السريرة، واحترام الموهبة بوصفها أمانة لا وسيلة للوجاهة أو الادّعاء. كانت فيها التلاوة فعل عبادة قبل أن تكون فنًا، ورسالة قبل أن تكون مهنة، ولهذا استقر أثرها في القلوب، وتجاوزت حدود المكان والزمان، واكتسبت بها المحروسة مكانة خاصة، عز من ينافسها فيها، ولهذا حديث آخر.
نكمل في مقال قادم
-------------------------------------------
بقلم: د.م. محمد مصطفى الخياط
[email protected]






