كنت قد ذكرت فى الجزء الأول من هذه المقالة أنه من طقوس الشتاء عندى أن أزور الإسكندرية يومًا أو بعض يوم؛ لآخذ من جمال وجهها "الإغريقى الرومانى" بنصيب، وأنا لئن كان يفتننى هذا الوجه من الإسكندرية، فإن الوقوف عنده والتغافل عن باقى أوجهها هو إخلال بحقيقة الإسكندرية الجامعة، فإن الإسكندرية منذ أمد بعيد كانت حاضرة "كوزموبوليتانية" فى "العالم الهيلنيستى" ووريثه الرومانى، وفيما تلاهما من العصور الإسلامية، ثم فى العهد "الكولونيالى" القريب، وهى قبل ذلك وبعده مصرية، يجرى عليها سائر ما رُفِدَت به مصر من أحداث وأجناس، وأُشربت سائر خصال المصريين وآدابهم وعاداتهم، فليس بمُستنكَر أن يجد المرء منها تعدد الأوجه، وإنى إذ ذكرت "الهيلنيستية والكوزموبوليتانية والكولونيالية"، فليعذرنى القارئ إن وجدنى أستعير طرفًا من قلم العلامة جمال حمدان، وأقتبس طرفًا من مصطلحاته؛ لأستعين بها على مقالتى هذه، فإن الرجل كان قديرًا على نسج الجغرافيا والديموجرافيا والتاريخ نسجًا واحدًا مُحكَمًا مدمجًا، لا يفصل فيه أوعية الزمان والمكان، ولا يعزلهما عن مادتهما البشرية، فكنت تقرأ له الدراسة فتجدها جسدً واحدًا، وروحًا واحدة.
إن الإسكندرية المصرية وإن كانت تشارك غيرها من المدن المصرية المتوسطية وحدة "اللاند سكيب" السهلى الساحلى، وإن كانت تشارك سائر المدن المصرية وحدة الدولة والأرض، فإنها تمتاز عن سائر المدن والأقاليم المصرية بميزات لم تجتمع بهذا القدر فى مدينة مصرية غيرها، ولقد كان العلامة جمال حمدان يميز فيما يكتب بين "الموضع والموقع"، "فالموضع" هو مكانة البلد الناشئة من نفسه ومواهبه وثرواته، وأما "الموقع" فمكانته المكتسبة له من موقعه بالنسبة إلى ما حوله من البقاع، ولقد تواشج "الموضع والموقع" فى الإسكندرية، فصنعا لنا هذه "الكوزموبوليتانية" العجيبة، فالإسكندرية بحكم "الموقع" إن هى وَلَّت وجهها شطر البحر بدت للناظر حسناء أوروبية عاقدة تيجان ضفائرها، كاشفة عن ساقيها على مثال جميلات الإغريق، فالبر اليونانى أقرب إلى الإسكندرية من كثير من البر المصرى، وأناملها تكاد تصافح جزائر بحر إيجة، وفى الشتاء يكسوها المتوسط كساء غائمًا مطيرًا، ندى الروح والنسمات، فتبدو كإحدى مدن شمال المتوسط، وهى بحكم "الموضع" مصرية وبنت بلد، سمراء الحُسن، فيها الدَلٍّ والغنج وخفة الروح التى لا تخرج بها عن سمت المحافظة والاحتشام، فمصريتَها ثابتة راتبة، بالتاريخ والجغرافيا والديموغرافيا، فهى إن التفتت عن ميامنها وجدت دونها قنوات النيل الكانوبى ترفدها بالماء فشربت وارتوت، وتقاربت إليها دلتاه الخصيبة فأطعمتها وغذتها وأمدتها من خصبها. والإسكندرية بَرَّة بالرحم المصرية، وَصُولٌ إياها فلم تقطعها فى زمن من الأزمنة، فلقد اتصلت التجارة والرحلات بينها وبين بَرِّ مصر بالقنوات والترع النيلية منذ القناة البطلمية إلى الترعة المحمودية، ثم جاءت السكك الحديدية فوصلتها بكل البر المصرى، وبالجملة فإن "رع قِدِت- راقودة- راكوتيس- الإسكندرية" مصرية غير متنازع فى مصريتها.
وبحكم تواشج "الموقع والموضع" جاءت الإسكندرية "كوزموبوليتانية" الديموغرافيا، فأعراق المصريين تسرى فيها منذ أن كانت قرية مصرية تُدعى "راقودة" فى العصور المصرية، ثم أتاها الإغريق مرتزقة قبل زمن الإسكندر، ثم غازين فى زمن الإسكندر، ثم توطنوا، وفى أثناء ذلك تمصروا كسائر من دخل مصر، تنبئك بذلك قبورهم فى الشاطبى، والكاتاكومب، ومصطفى كامل، ثم جاءها الفتح الإسلامى فدخلتها الدماء العربية، وأحاطت بها قبائلهم من جنوبها وغربها، ثم جاءتها الديموغرافيا المغاربية التى نزلت الإسكندرية فرادى أو أفواجًا، وأظن أن الإسكندرية أصابها شىء ما من التشظى الأندلسى، تجد ذلك فى بعض أسماء من نزلوها وفى سيرتهم وتراجمهم، مثل المرسى "نسبة إلى مرسية ببلاد الاندلس"، والشاطبى "نسبة إلى شاطبة الأندلس"، وما أشك أن هؤلاء جميعًا قد أتوا بمستجلبين أفارقة وغير أفارقة، فصارت تلك الطائفة المستجلبة من مواطنى الإسكندرية كغيرهم، وفى العصر "العَلَوى" زمن محمد على باشا (وقد كان هو ذاته أحد أبناء قَوَلَة المقدونية اليونانية) ثم فى زمن خلفائه من بعده وجد الأوروبيون فى الإسكندرية مُراغمًا كثيرًا وسَعَة، فازدادوا وكثر عديدهم، ثم إنه مع احتلال الإنجليز مصر، واضطراب أوروبا بالحروب اشتدت جالياتهم، وكثر مهاجروهم إلى الإسكندرية، فكنت تجد فيها عشرات الألوف أو مئات الألوف من أوروبيين وغير أوروبيين، من يونان وطليان ويوغوسلاف وأرمن وشوام، فهذا ساعاتى، وهذا خباز، وآخر حلوانى، وذاك إسكافى، وهذا قهوجى، وبعد ثورة يوليو ١٩٥٢ وتبدل الأحوال والرجال، وتغير نظرة رجالها الجدد للأجانب عامة، ولأرباب رأس المال خاصة، فقد خرج أكثر هؤلاء من الإسكندرية ومن جملة الديار المصرية، لكنك إذا سرت فى الإسكندرية لا تزال تجد لهم بقية تدل عليهم؛ من اسم يونانى على محل حلوانى، أو كنية إيطالى على مقهى، كما لا تزال لهم بقية باقية من أحفاد يحيون بالإسكندرية إلى اليوم، وإنه لئن كان كثير من هؤلاء قد غلبته مصر فتمصر، فإنه لم يفتهم أن يصبغوا الإسكندرية بصبغتها الفسيفسائية الأنيقة، ما بين هيلينية رومانية، وإسلامية وسيطة، و"كولونيالية" معاصرة، ولا تزال هذه "الكوزموبوليتانية" السكندرية تتبدى لزائر إسكندرية الألفية الثالثة فى أسمائها، ومعالمها، ومعمارها، وآثارها.
--------------------------------
بقلم: محمد زين العابدين
[email protected]






