في وقتٍ ما، كان الخبر الصادم يوقظ الشارع، يكفي قرار واحد، أو حادثة واحدة، ليتحوّل الغضب إلى طوفان، والسؤال إلى موقف، والقلق إلى محاولة للفهم أو التغيير، كان للصدمة وزن، وللغضب وظيفة، وللشارع دور يُراهن عليه، لكن للأسف اليوم.. تمر الأخبار الثقيلة واحدة تلو الأخرى، دون أن تترك أثراً يُذكر، أزمات اقتصادية، قرارات مصيرية، مشاهد قاسية، تحولات سياسية كبرى… كلها تُسجَّل في الوعي، لحظات غضب وثورة ثم.. لا شيئ، هدوء، كأنها جزء من المشهد الطبيعي للحياة، لا استثناءً يستدعي التوقف لوقت أطول، لا لأن الناس لم تعد تفهم ما يحدث، بل لأنها تعبت من الفهم.
ما نعيشه ليس لا مبالاة، ولا بروداً سياسياً، بقدر ما هو إرهاق عام، إرهاق من كثرة الأزمات، من تكرار الوعود، من الشعور المستمر بأن كل شيء عاجل، وكل شيء خطير، ومع ذلك لا شيء يتغير فعلياً، حين تتحول الصدمة إلى حالة دائمة، يفقد الغضب معناه، ويصبح التكيّف هو الخيار الوحيد المتاح، لا لأنه الأفضل، بل لأنه الأقل كلفة، الرأي العام المُرهق لا يثور، لا لأنه راضٍ، بل لأنه لم يعد يثق في جدوى الحركة، التجربة علّمته أن الصراخ لا يُسمع، وأن الاحتجاج يُستهلك سريعاً، وأن المساحات التي كانت تُنتج أثراً أُغلقت أو أُفرغت من معناها، فتعلم الصمت، لا كفضيلة أخلاقية، بل كوسيلة للبقاء، وكطريقة لتقليل الخسائر النفسية قبل أي شيء آخر.
تلعب المنصات الرقمية دوراً خادعاً في هذه الحالة، تمنح إحساساً سريعاً بالمشاركة: نغضب، نكتب، نشارك، نعلّق، ثم ننتقل إلى خبر جديد قبل أن يبرد الغضب القديم، يُفرَّغ الاحتقان، وتُستنزف المشاعر، قبل أن تتحول إلى سؤال سياسي حقيقي، أو فعل جماعي منظم، وهكذا، يتحول الرأي العام إلى متفرج نشط… متابع، محلّل، حاضر بالكلمات، وبتغير صور الحسابات الشخصية لكنه عاجز بالفعل.
في المقابل، يُساء تفسير هذا الصمت، يُقرأ على أنه قبول، أو رضا، أو حتى دعم ضمني؛ بينما هو في حقيقته علامة تعب، وفقدان ثقة، وانسحاب مؤقت من مساحة لم تعد آمنة، ولا واضحة، ولا مجدية كما كانت، صمت لا يعكس اقتناعاً، بل شعوراً بأن البدائل غائبة، وأن الكلفة أعلى من القدرة على الاحتمال.
التاريخ يقول إن المجتمعات لا تبقى في حالة إرهاق إلى الأبد، لكنّه يقول أيضاً إنها لا تعود كما كانت، حين ينهار الصبر، لا يكون الصوت أعلى فقط، بل مختلفاً في لغته وأدواته وسقفه، ثورته فوران يغطي كل شيء، يحطم، يغير، حين يقوم الشارع، لا يعود ليكرر فشله، بل ليعبّر عن تراكم طويل من الصمت، كان يبدو فراغاً، بينما هو في الحقيقة امتلاء مؤجلاً، واستهانه بقدراته.
السؤال الحقيقي إذن ليس: لماذا صمت الناس؟
بل: إلى متى يمكن للصمت أن يحتمل؟
وماذا يحدث حين يكتشف الجميع أن الصمت لم يكن خياراً حراً… بل آخر ما تبقّى؟
------------------------
بقلم: إنچي مطاوع






