حينما تقسو عليك الحياة، احذر أن تتحوّل ـ دون أن تشعر ـ إلى مرآةٍ تعكس نفس القسوة على من حولك ، فالقلب الموجوع يشبه كوبًا ممتلئًا بالمرارة؛ إن لم يُفرغها بحكمة، سالت على أقرب الناس إليه، وعبر عن هذا الاحساس الشاعر الغنائي امين عزت الهجين في اغنية شدا بها الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب، يقول مطلعها: "مين عَذَّبك بتخلّصه مني؟"… جملة تختصر دورة الألم حين نُسقِط جراحنا على الآخرين بلا وعي، فنصير امتدادًا لوجعٍ لم نصنعه، لكننا نُعيد إنتاجه.
حينما تقسو عليك الحياة، فهي لا تأتيك فجأة كما تظن، بل تتسلّل ببطء، عبر خسارةٍ صغيرة تتبعها خيبة، ثم خيبة أكبر، حتى تجد نفسك مثقلًا بما لا يُقال، في تلك اللحظة لا يكون الامتحان الحقيقي هو مقدار ما تحمّلت، بل الكيفية التي ستخرج بها من هذا الحمل: هل ستترك الوجع يهبط إلى قلبك فيُغلِقه، أم ستحاول ـ رغم التعب ـ أن تُبقي نافذةً مفتوحة للضوء؟ الحياة لا تسألك: هل تألمت؟ فالجميع يتألم، هي تسألك فقط: ماذا فعل بك الألم؟
لأن القسوة حين تصيبنا لا تكتفي بإيذاء الجسد أو الروح، بل تحاول أن تُعيد تشكيل الإنسان من الداخل، تجعل نبرته أعلى، وصبره أقل، وحدوده أكثر حدّة.
ومع الوقت، قد يختلط الدفاع عن النفس بالقسوة ذاتها، فيبدأ المرء بتبرير جفافه، حدّته، وبعده عن الآخرين على أنه "حذر" أو "خبرة". وهنا تكمن الخديعة الكبرى: أن تتحوّل آليات النجاة المؤقتة إلى طبعٍ دائم، وأن يُصبح القلب المتعب معتادًا على الصدّ بدل الاحتواء.
كم من علاقات انهارت لا لأن الحبّ غاب، بل لأن الألم حضر بكثافة أكبر مما تحتمله النفس، وكم من قلوب انسحبت بهدوء لأنها لم تعد قادرة على تحمّل شخصٍ يُفرغ فيها ما لم تصنعه .
فلماذا نُدفّع أحبّتنا ثمن ما فعلته بنا الحياة؟
علم النفس يسمّي هذا الميل بـ"إزاحة الألم"، حيث يتنقّل الوجع من مصدره الحقيقي إلى بديلٍ أكثر أمانًا، فالإنسان المقهور لا يصرخ في وجه من قهره، بل في وجه من يحبّه، لأنه يعلم ـ في العمق ـ أن هذا القلب لن يرحل سريعًا، لكن المأساة أن القلوب، مهما كانت رحيمة، لها حدود، وأن الاستمرار في تحميلها ما لا طاقة لها به يحوّل القرب إلى مسافة، والدفء إلى صمت ثقيل.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين من تألم ففهم، ومن تألم فتقسّى. الأول يخرج من التجربة أبطأ، أهدأ، أكثر إنصاتًا للآخرين، كأن الألم علّمه هشاشة البشر ، أمّا الثاني فيخرج متحفّزًا، حادّ الحواف، يرى في كل اقتراب تهديدًا، وفي كل كلمة احتمال خذلان، الحياة نفسها واحدة، لكن النتيجة تختلف باختلاف وعي الإنسان بما مرّ به.
الشعراء، بحسّهم المرهف، أدركوا أن القسوة ليست قدرًا نهائيًا فنجد جلال الدين الرومي يقول "إن الجرح هو المكان الذي يدخل منه النور" ، لكن النور لا يدخل إلا إذا أغلقنا الجرح بالخوف، ولم نغلق القلب بالقسوة، أمّا إذا أصررنا على إغلاق كل شيء، فلن يتسرّب إلا الظلام، وسنعيش أسرى لما أردنا الهروب منه.
الدراسات النفسية الحديثة تشير إلى أن الرفق بالذات هو الخطوة الأولى لعدم القسوة على الآخرين، فالإنسان الذي لا يمنح نفسه حق التعب، وحق الحزن، وحق الاعتراف بالألم، غالبًا ما يتحوّل إلى شخص قاسٍ بلا قصد، لأن ما لا يُحتوى في الداخل، يفيض إلى الخارج. الرحمة هنا ليست ضعفًا، بل مهارة نفسية، وقدرة على إدارة الألم بدلًا من ان نترك له الادارة.
ولا يوجد إنسان لم يتعرض للقسوة في حياته أيا ما كانت الأسباب، وفي هذه اللحظة يقف أمام خيار صامت: إما أن يُكمل الطريق وهو يحمل سكين التجربة، أو أن يتركها خلفه ويتعلّم منها فقط.. أن يكون امتدادًا للقسوة، أو حدًّا فاصلًا عندها؟ أن يُكرّر ما كُسر فيه، أو أن يُرمّم نفسه بهدوء دون أن يُدمّر غيره في الطريق.
يجب أن تعلم أنه حينما تقسو عليك الحياة، فمن حولك ليسوا سبب ما حدث، وأن بعضهم يقف إلى جوارك لأنه يرى فيك ما يستحق البقاء، فلا تجعل الألم يُقنعك بأن الجميع متشابهون، ولا تسمح له أن يسحبك إلى عزلة قاسية تتخفّى في ثوب القوة، لأن القوة الحقيقية أن تبقى قادرًا على اللين، لا أن تتدرّب على الجفاء.
وفي النهاية، لا تُقاس إنسانيتك بما احتملته من قسوة، بل بما لم تمرّره للآخرين.. لا بما خسرته، بل بما حافظت عليه رغم الخسارة، حين تختبرك القسوة، لا تُشبهها… كن أعمق منها، وأرحم، وأكثر وعيًا لأنك إن بقيت إنسانًا نقياً، فقد حققت انتصارك الأكبر.
---------------------------
بقلم: سحر الببلاوي






