11 - 01 - 2026

البلطجة الأمريكية… قرصنة العصر الحديث

البلطجة الأمريكية… قرصنة العصر الحديث

لم يعد العالم يُدار بالقانون، ولا تحكمه مواثيق الأمم، ولا تضبطه قواعد العدالة الدولية. ما نعيشه اليوم هو مرحلة الانكشاف الكامل: انكشاف نظام عالمي يقوم على البلطجة، ويفرض إرادته بالقوة، ويكسر الدول كما تُكسر العصي، ويقود البشرية، بوعي أو بتهور، نحو حرب عالمية ثالثة قد تكون الأخيرة.

الولايات المتحدة لم تعد تمارس السياسة، بل تمارس القرصنة الدولية. قرصنة للثروات، قرصنة للقرار الوطني، قرصنة لإرادة الشعوب. من يطيع يُكافأ، ومن يعترض يُحاصر، ومن يصمد يُدمَّر. هذه هي القاعدة غير المكتوبة التي تحكم العالم اليوم.

فنزويلا كانت جريمة مكتملة الأركان. دولة ذات سيادة قررت أن تقول: ثروتنا لشعبنا، وقرارنا بأيدينا. فجاء الرد الأمريكي بلا مواربة: حصار اقتصادي خانق، تجفيف للعملة، خنق الغذاء والدواء، حرب نفسية وإعلامية، ومحاولة علنية لنزع الشرعية عن رئيس منتخب وفرض بديل مصنّع، في سابقة خطيرة تعني ببساطة أن واشنطن تنصّب وتعزل رؤساء الدول متى شاءت. هذا ليس خلافًا سياسيًا، بل سطو مسلح على سيادة دولة.

ومن لم يفهم معنى فنزويلا، فليفهمه في فلسطين. هنا لا حصار فقط، بل إبادة. لا ضغط سياسي، بل شراكة مباشرة في الجريمة. احتلال يقتل بلا رادع، يدمر بلا حساب، يحاصر شعبًا كاملًا حتى الموت البطيء، وأمريكا تقف خلفه بالسلاح والمال والفيتو. تُقتل العائلات، تُمحى المدن، يُدفن الأطفال تحت الركام، ثم يخرج الخطاب الأمريكي ليحدثنا عن “القيم”. فلسطين اليوم ليست فقط جرحًا مفتوحًا، بل شهادة وفاة أخلاق النظام العالمي.

في لبنان، تأخذ البلطجة شكلًا أكثر دهاءً. لا دبابات، بل بنوك. لا قصف، بل انهيار عملة. لا احتلال مباشر، بل تجويع منظم. تُستخدم معاناة الناس كسلاح سياسي، ويُدفع المجتمع نحو الانفجار، لأن الجوع أداة أنجع من الرصاص حين يكون الهدف كسر الإرادة.

أما اليمن، فقد تحوّل إلى مقبرة مفتوحة للضمير الإنساني. سنوات من الحرب، حصار شامل، ملايين الجائعين، دمار لا يُقاس، وصمت دولي مُخزٍ. أمريكا هنا ليست مراقبًا، بل طرفًا داعمًا، يبيع السلاح، ويدير الصراع، ثم يتباكى على “الكارثة الإنسانية” التي كان شريكًا في صناعتها.

في السودان، تُدار الفوضى بدل حلّها. تُترك النار مشتعلة، لأن الدولة القوية لا تخدم مصالح الهيمنة. الدم يسيل، والخراب يتوسع، بينما تُحسب المصالح بهدوء. وفي العراق، كانت البلطجة صريحة: غزو، تدمير دولة، تفكيك مؤسسات، تمزيق مجتمع، ثم انسحاب شكلي وترك البلاد غارقة في الفوضى والفساد والتبعية.

ليبيا لم تكن خطأً ولا سوء تقدير. كانت نموذجًا متعمدًا: إسقاط دولة تحت شعار إنساني، ثم تركها تتفتت، لأن الدولة المستقرة خارج السيطرة خطر يجب إزالته.

وعلى المسرح الدولي، انفجرت الحرب الروسية – الأوكرانية لتكشف أن العالم دخل مرحلة اللاعودة. لم تعد الحرب استثناءً، بل أداة إدارة. سباق تسلح، استقطاب حاد، عسكرة الاقتصاد، وخطاب سياسي يدفع نحو المواجهة لا الحل. في آسيا، تتصاعد التوترات. في أفريقيا، تُشعل الصراعات حول الموارد. في كل مكان قواعد عسكرية، وأساطيل، واستعداد دائم للحرب. العالم يُدفع دفعًا نحو الانفجار.

كل هذه الجبهات ليست أحداثًا منفصلة، بل مشاهد في فيلم واحد، عنوانه: نظام عالمي مأزوم لا يعرف كيف يستمر إلا بالحرب. البلطجة الأمريكية ليست عرضًا جانبيًا، بل هي جوهر هذا النظام. نظام يعيش على نهب الثروات، وتفجير الصراعات، وتحويل الشعوب إلى وقود.

والضحايا دائمًا هم أنفسهم: العمال، الفقراء، الكادحون. تُهدر المليارات على السلاح، بينما يُسرق الخبز من أفواه الجائعين. تُرفع شعارات الحرية، بينما تُسحق إرادة الشعوب بالعقوبات والحصار والانقلابات الناعمة.

نقولها بوضوح لا يحتمل التأويل:

البلطجة الأمريكية خطر مباشر على مستقبل الإنسانية.

والصمت أمامها ليس حيادًا، بل تواطؤ.

المعركة اليوم ليست بين دول، بل بين مشروعين: مشروع الهيمنة والقرصنة والحرب، ومشروع التحرر والكرامة والعدالة الاجتماعية.

ودور الطبقة العاملة، وقوى التقدم، وكل الأحرار في العالم، أن يكسروا هذا الصمت، وأن يربطوا بين هذه الجرائم، وأن يدركوا أن مصير الشعوب واحد. فإما أن تنتصر إرادة الشعوب، أو تُترك البشرية رهينة لمحرقة كبرى لا تُبقي ولا تذر.

التاريخ لا يرحم الإمبراطوريات، ولا يخلّد القراصنة.

وما يُزرع اليوم من نار، سيحصد غدًا رمادًا.
---------------------------------
بقلم: محمد عبدالمجيد هندي


مقالات اخرى للكاتب

البلطجة الأمريكية… قرصنة العصر الحديث