في كل بيت تقريبًا، يدور سؤال صامت لا يقال صراحة: هل كان على الآباء أن يتركوا لنا مالا يؤمن المستقبل، أم يكفي أن يتركوا لنا أخلاقا ومبادئ وعلما نواجه به الحياة؟
سؤال لا يخرج غالبا إلا في لحظات الضيق، حين يشتد الواقع قسوة، وتصبح الحياة أكثر كلفة مما يحتمله الدخل، وأكثر تعقيدا مما عرفته الأجيال السابقة.
في زمننا الحالي، لم يعد تأمين المستقبل مسألة اجتهاد فقط، بل معادلة صعبة تتحكم فيها عوامل أكبر من الأفراد: اقتصاد متقلب، فرص غير مستقرة، وأسعار تسبق الكوابيس بخطوات. هنا يظهر لوم بعض الأبناء لآبائهم، لا بدافع الجحود دائما، بل بدافع الخوف؛ خوف من غد غير مضمون، ومن طريق يبدو بلا ملامح واضحة.
لكن في المقابل، يقف كثير من الآباء حائرين أمام هذا العتاب. آباء عاشوا أعمارهم وهم يركضون خلف لقمة العيش، يعتبرون التعليم إنجازا، والستر غاية، ولم تكن فكرة الادخار أو الاستثمار أو تأمين المستقبل بالمفهوم الحالي مطروحة في زمنهم أصلا. هم لم يقصروا عمدًا، بل اجتهدوا بحدود ما عرفوه وما أتيح لهم.
الحقيقة أن تحويل العلاقة بين الآباء والأبناء إلى ميزان حسابي هو ظلم للطرفين. الأب ليس مشروعًا استثماريًا نجح أو فشل، والابن ليس قاضيا يصدر حكمًا متأخرًا على ظروف لم يعشها. كثير من الآباء لم يتركوا أموالًا، لكنهم تركوا ما هو أثمن: ضمير حي، وقدرة على العمل، وصبر في مواجهة الشدائد. وهذه أشياء لا تظهر قيمتها إلا حين تضيق الخيارات.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن الزمن تغير، وأن الضغوط الواقعة على الأبناء اليوم حقيقية وقاسية. لم تعد الأخلاق وحدها كافية لعبور الحياة، بل يحتاج الشاب إلى مهارة، ووعي، ودعم نفسي ومعنوي مستمر. وهنا يصبح دور الأب والأم ممتدًا، لا في المال فقط، بل في الاحتواء، والمساندة، والاعتراف بأن الطريق لم يعد سهلا كما كان.
ويظل تساؤل آخر لا يقل أهمية، وربما يكون الأكثر حساسية: أيهما أثمن أن يتركه الآباء لأبنائهم؛ ميراث تتنازع عليه القلوب، أم إخوة متحابين لا يملكون سوى بعضهم البعض؟
سؤال يكشف أن المشكلة ليست في المال ذاته، بل في أثره حين يغيب العدل وتضعف القيم.
كم من بيوت امتلكت ميراثا كبيرا، لكنها فقدت أبناءها، وتحول الإخوة فيها إلى خصوم، تجمعهم قاعات المحاكم أكثر مما تجمعهم موائد العائلة. وكم من بيوت أخرى لم تترك ثروة تذكر، لكنها تركت إخوة متماسكين، يقف بعضهم سندا لبعض في وجه الحياة. في الأولى، ضاع المال وبقي الشرخ، وفي الثانية، غاب المال وبقي الظهر.
الميراث قد يقسم على الورق، لكنه إن لم يسبق بتربية على العدل والرحمة، يصبح بذرة صراع لا نهاية له. أما المحبة، فهي ميراث لا يخضع للقسمة، ولا تنهكه الأيام، وتغني أحيانا عن كثير من المال حين يشتد العوز. فالأخ الذي يقف بجانب أخيه وقت الضيق، أثمن من ميراث يفقد الإنسان أهله قبل أن ينفعه.
المشكلة الحقيقية ليست فيما تركه الآباء أو لم يتركوه، بل في غياب الحوار بين الأجيال. حين يتحول الصمت إلى عتاب، والعتاب إلى اتهام، تضيع المساحة المشتركة التي يمكن أن يبنى فيها المستقبل.
فالمسؤولية في حقيقتها مشتركة: الآباء يؤسسون بما يستطيعون، والأبناء يكملون بما يواجهون.
ربما لم يترك لنا آباؤنا مفاتيح الثراء، لكن كثيرين منهم تركوا مفاتيح الصبر والعمل والاحتمال، وتركوا قبل ذلك إخوة يعرفون قيمة بعضهم البعض. والمستقبل، في النهاية، لا يورث كاملا، بل يبنى جيلًا بعد جيل، حين يفهم كل طرف وجع الآخر، ويتحول اللوم إلى شراكة، والعتاب إلى حوار.
وفي النهاية، قد لا يترك لنا آباؤنا كل ما تمنيناه من مال، لكنهم تركوا شيئًا أثمن: القيم، الحب، والأخوة التي تصنع منا بشرًا قادرين على مواجهة الحياة.
فلنحافظ على هذا الميراث، فهو وحده الذي لا يضيع أبدًا.
----------------------------------------
بقلم: د. محمد أشرف الغمراوي






