لماذا لم يثر الشعب وتنتفض المؤسسات والأجهزة الفنزويلية ضد عملية البلطجة السياسية والاقتصادية والعسكرية التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية، واسفرت عن اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو في جنح الليل، وكأنه زعيم عصابة هارب وليس رئيس دولة ذات سيادة، وعضو في المنظمات الدولية التي تحكم المجتمع الدولي؟.
سؤال تعددت الإجابات عنه خلال الأيام الماضية، ولكن ظلت جميع الإجابات في إطار الاجتهادات السياسية، وغاب عنها أن الشعوب المنهكة التي إعتادت التصفيق الحار للسلاطين والملوك والرؤساء لا تملك مقومات الدفاع عن قدسية الوطن ولا كرامة المواطن.
فالتاريخ يؤكد أن الديكتاتوريات لم تبنِ وطنا، ولم تصنع جيشا حقيقيا، وإنما خلقت حاشية تهتف باسمها وترضي غرورها وتغذي سادياتها البغيضة.
فجيوش الديكتاتوريين على مر التاريخ كلها من ورق لاتغني ولاتسمن ضد عدو خارجي، بل كانت ولا زالت وستظل ظاهرها الخارجي كأنه جيش ولكن في الحقيقة لا تأثير ولا قيمة له، وفي جوهرها الداخلي مجرد عصى غليظة يصفع به السلطان معارضيه ويرهب بها شعبه ليبقى خاضعا مستكينا.
فالجيش الفنزويلي لم يحركا ساكنا وكأنه كان ينتظر من يخلصه من هذا الديكتاتور، وهذا أمر طبيعي في ظل الجيوش التي تبني من أجل حماية الفرد أو النظام، وليس الانتماء الحقيقي إلى الوطن، هذه الجيوش تسقط مع أول رصاصة، بل تختفي وتتلاشى أحيانا وكأنها لم تكن، كما حدث في سوريا، عندما اختفى الجيش في لحظات وكأنه ارتدي طاقية الاخفاء.
على مدار الأيام الماضية كان رد فعل العالم على البلطجة الأمريكية فاترا، باستثناء الديمقراطيات الحقيقية التي شجبت أو أيدت وفقا لاعتباراتها السياسية ومصالحها الاقتصادية، ولكن الملاحظ أن الكثير من دول العالم توارى صوتها واختفى بريقها، وكأن على رأسها بطحة وتخشي نفس المصير، فصمت الكثيرون وكأن شيئا لم يحدث.
فنزويلا التي يبلغ تعداد سكانها أقل من ٢٩ مليون نسمة تتمتع بأكبر احتياطي للنفط في العالم، حيث تسبح على نهر من النفط والغاز بجانب مساحة شاسعة من الأرض الخصبة، ولكن كل ذلك لم يشفع لها ويدخلها نادي الأثرياء.
فلا يوجد ديكتاتور عبر التاريخ استطاع ان يحقق الثراء لشعبه والكرامة لوطنه والقوة لجيشة. فظلت الانظمة الاستبدادية على هامش الحياة وخارج دائرة الولاء والانتماء للوطن.
لذلك نجحت القوات الأمريكية في أهدافها بيسر وسهولة في فنزويلا وأمثالها، بينما فشلت القوات نفسها فشلا ذريعا في غزة المحاصرة، ليس لضعف القوات الامريكية فهي قوات النخبة التي تباهي بها العالم وترعب بها الجبناء، وإنما لعزيمة وإرادة المقاومة في الدفاع عن وطنهم وتمسكهم بأرضهم.
فالقوات الأمريكية نفسها فعلت كل الحيل لتخليص الأسرى الإسرائيليين من قبضة حماس ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل.
لم تفشل قوات النخبة الأمريكية في عزة فقط، بل سقطت في العاصمة الصومالية مقديشيو عام ١٩٩٣ عندما حاولت اعتقال الرئيس الصومالي في ذاك الوقت محمد فارح عيديد، حيث نجحت القوات الصومالية في قتل عدد كبير منهم وفشلت المهمة.
هذه الديكتاتوريات لا تختلف كثيرا عما فعله الخليفة العباسي المستعصم بالله، وقت سقوط بغداد امام التتار، فكان يكنز الأموال ويهتم بالجواري والمغنيات والراقصات والقصور الفخمة، وترك الشعب والجيش يعاني من الفقر والحاجة، وعندما سقطت بغداد، حاول أن يفاوض التتار ويقدم لهم كل الكنوز والأموال لإنقاذ نفسه، ولكنهم جاءوا به ولفوه في بساط وبجواره أمواله وكنوزه ووضعوه تحت أقدام قائد التتار. فقال له لو كنت أنفقت تلك الأموال على جيشك وشعبك كانوا نفعوك، ثم أمر قائد التتار جنوده بركلة بالأقدام والأحذية حتى قتلوه، هكذا يفعل الرئيس الأمريكي ترامب وجنوده مع طواغيت هذا العصر.
------------------------------
بقلم: رمضان العباسي






