09 - 01 - 2026

عائلة خالد السماحي .. خماسية بصرية في حب الفن

عائلة خالد السماحي .. خماسية بصرية في حب الفن

في قاعة ضي الزمالك، تلتقي خمسة مسارات إبداعية تشكل نهرا واحدا؛ أسرة السماحى التى اتخذت من الفن لغة للحوار، ومن اللون رابطا للدم. أب وأم وثلاث مبدعات، يفتحون نوافذ مراسمهم الخاصة ليتشاركوا معنا نبض بيت لا يقتات إلا على الجمال.

الأب خالد السماحى الذى التحق بكلية الفنون الجميلة عام ١٩٨٨ ليتقن فن المسافات والمنظور، فخرج وقد اختصر كل المسافات برسمة واحدة لقلب زميلته أمل فتحى. لم يكتف بالحصول على البكالوريوس، بل قرر أن يجعل من 'مشروع التخرج' شريكة عمر؛ ليثبت أن أجمل ما في الفن هو ما نعيشه، لا ما نشكله على التوال فقط.

عرف السماحى بقدرته الفائقة على تطويع خامات "الباستيل" و"الزيت"، وتتميز أعماله بنبض الشارع والحارة المصرية بأسلوب شديد الرقي.

فى لوحة "الفلاح" التى أبدعها السماحى تجربة بصرية مغمسة في الوجود اليومي، حيث لا يكتفي برسم بورتريه لشخص، بل يرسم حالة من الثبات في عالم متغير. فقد صور الإنسان كجسر بين الأرض والسماء. يظهر بطل اللوحة (الفلاح) بوقفة عمودية صلبة، تتوسط الكادر كأنها عمود خيمة. ويتأكد الحضور ويتجسد في التباين بين صلابة الشخصية (التي تمثل المحور الثابت) وبين سيولة الخلفية، مما يعكس فلسفة صمود الإنسان أمام عالم متغير وهلامي. ويبرز الصراع عبر التضاد بين الألوان الترابية للجلباب والتي تربط الإنسان بالأرض وشقائها،

والصديري الأزرق والقبعة البيضاء، هي ألوان سماوية توحي بنوع من الصفاء أو التسامي رغم شظف العيش.

لقد حول الفنان "الرجل الكادح" من مجرد موضوع للتعاطف إلى أيقونة ملوكية؛ فملامحه الحادة ووقفته العمودية تعلن عن كرامة إنسانية راسخة تتجاوز فقر البيئة المحيطة. أرى أن هذا العمل هو تمجيد للصمود الصامت، حيث يظل الإنسان هو الحقيقة الوحيدة المكتملة وسط تفاصيل تتلاشى.

لوحات خالد السماحى

لوحات خالد السماحى

أمل فتحي

الأم أمل فتحى من الأصوات النسائية المميزة في الفن التشكيلي المصري المعاصر، حيث يرتكز مشروعها الفني على نشر الثقافة المصرية وتعليم اللغة المصرية بالخط الهيروغليفى للأطفال عن طريق الفن.

تتمحور لوحتها (العبور) حول مفهوم "الممر"؛ وهو يمثل البرزخ أو الحالة الانتقالية.

نلاحظ أن الضوء الساطع في مقدمة اللوحة لا يكتفي بإنارة الطريق، بل يبدو كأنه "يفيض" من الأرض، مما يمنح زقاقاً قديماً طابعاً قدسياً أو روحانياً.

هذا التباين بين عتمة الممر الداخلي وسطوع المخرج يجسد ثنائية (المجهول والمعلوم) أو (الماضي الذي ينسحب والمستقبل المشرق).

تتعامل أمل فتحي مع الجدران ليس كجمادات، بل كـجلود حية" سجل عليها الزمن بصماته: فضربات الفرشاة السميكة والواضحة يعطي إحساساً بخشونة الطين والحجر، مما يعزز فكرة "التجذر" والأصالة، وسيطرة اللون الأصفر والأوكر  تعكس الدفء والاحتواء الذى يميز البيوت العربية القديمة، حيث الجدران "تحمي" السائرين وتؤنس وحشتهم.

تعتمد اللوحة على منظور عميق يجذب عين المشاهد إلى الداخل، مما يخلق شعوراً بـالاحتواء المعماري. واللوحة ليست مجرد رصد لزقاق قديم، بل هي قصيدة بصرية لمعان جميلة؛ حيث تبدو الجدران رغم تهالكها صلبة، والضوء رغم قسوة الظلال باحثاً عن مخرج. إنها دعوة للتأمل في جماليات "القديم" الذي لا يموت، بل يتجدد بفضل الضوء

لوحات أمل فتحى

لوحات أمل فتحى

لوحات أمل فتحى

لوحات أمل فتحى

فرحة وحبيبة ولينة

ننتقل إلى الأبناء فرحة وحبيبة ولينة بنات خالد السماحى وأمل فتحى.

فرحة السماحى بكالوريوس النحت كلية الفنون الجميلة عام ٢٠٢٤ والتى تخرجت بالمركز الأول على الدفعة بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف. وقد شهد لها كبار النحاتين بامكانياتها المدهشة فى النحت التحليلى المفعم بالحيوية والدقة.

تميل فرحة إلى تلخيص التفاصيل التشريحية المعقدة في مساحات هندسية وانسيابية مبسطة، مما يمنح أعمالها طابعاً حداثيا. ورغم صلابة الخامة (برونز، جبس، أو بوليستر)، إلا أن منحوتاتها تعبر عن مشاعر إنسانية عميقة، مثل الاحتواء، الصمود، أو الحلم. وهى تولي أهمية كبيرة للفراغ المحيط بالتمثال، حيث تجعل "الهواء" جزءا من التكوين، مما يعطي إحساسا بخفة الكتلة رغم ثقلها المادي.

شاركت في العديد من المعارض الجماعية والمحافل الفنية المهمة مثل صالون الشباب، وحظيت أعمالها بإشادات نقدية لافتة نظرا لجرأتها في طرح أفكار غير تقليدية من خلال لغة النحت.

منحوتات فرحة السماحى

منحوتات فرحة السماحى

منحوتات فرحة السماحى

حبيبة السماحى تخرجت من كلية الفنون الجميلة قسم تصوير عام ٢٠٢٣, وتم تعينها معيدة بالكلية

تميل حبيبة في أعمالها إلى التصوير والبورتريه، لكن برؤية تمزج بين الواقعية والتعبيرية الشاعرية. تركز غالباً على إبراز "الحالة النفسية" للشخصيات التي ترسمها، ولا تكتفي بنقل الملامح الخارجية فقط، وتتميز أعمالها بنعومة في التدرجات اللونية مع الحفاظ على قوة الخط، وهي تبحث دائما عن التوازن بين الظل والنور لخلق عمق درامي في اللوحة.

 شاركت في عدة معارض جماعية وصالونات فنية (مثل صالون الشباب)، حيث لفتت الأنظار بقدرتها على تقديم رؤية بصرية تعكس جيلها، مع احترام القواعد الفنية الكلاسيكية التي تشربتها من والدها.

لوحات حبيبة السماحى

لوحات حبيبة السماحى

لوحات حبيبة السماحى

لوحات حبيبة السماحى

لينة السماحى طالبة بالصف الأول الثانوى مواليد شهر ٢٠١١.

تعد لينة السماحي مواليد ٢٠١١ أصغر حبات العقد في عائلة الفنان خالد السماحي، وقد أثارت دهشة الجمهور بقدرتها على تقديم أعمال فنية ناضجة تعكس وعيا بصريا يتجاوز سنوات عمرها الصغيرة.

 نشأت لينة في مرسم والدها، وبين أعمال شقيقتيها (فرحة وحبيبة)، مما جعل "اللغة البصرية" هي لغتها الأولى، فبدأت الرسم قبل أن تتقن الكتابة.

لوحات لينة السماحى

لوحات لينة السماحى

لوحات لينة السماحى

 ما لفت الأنظار ليس مجرد رسم طفولي، بل قدرتها على التحكم في النسب والمنظور وتوزيع الظل والنور بطريقة تقترب من أسلوب الفنانين الأكاديميية، كما تتميز أعمال لينة بجرأة في اختيار الألوان وضربات الفرشاة، حيث لا تخشى المساحات الكبيرة، وتدمج بين الخيال الطفولي والتقنية الواعية.
-------------------------------
بقلم: د. سامي البلشي