ما يجري اليوم ليس صدفة، ولا سلسلة أزمات منفصلة، بل عملية تفكيك منسقة للعالم القديم تمهيداً للحرب الكبرى. تقسيم الدول لم يعد احتمالاً نظرياً، بل سياسة معلنة تُنفّذ بهدوء، وبلا ضجيج، قبل أن تبدأ الصواريخ بالكلام.
الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند ليس خطوة دبلوماسية، بل إعلان تموضع عسكري متقدم على واحد من أخطر مفاتيح الجغرافيا السياسية: باب المندب. فحين تُكسر الحدود في إفريقيا والشرق الأوسط، يصبح كسرها في أوروبا والأمريكيتين مسألة وقت فقط.
نحن أمام مرحلة استعمارية جديدة.
أمريكا تطبّع فكرة ضم جرينلاند، الصين تستعد لابتلاع تايوان، روسيا تفرض أمراً واقعاً في شرق أوكرانيا، وإسرائيل تمد نفوذها عبر صوماليلاند، جنوب اليمن، والسودان. القاسم المشترك واحد: تحويل التفكيك إلى قاعدة، والانفصال إلى أداة حرب.
في هذه الحرب الصامتة، لا تُحتل العواصم أولاً، بل الممرات أولاً.
ميناء بربرة، جزيرة سقطرى، باب المندب، البحر الأحمر، كلها ليست نقاطاً على الخريطة، بل مفاتيح السيطرة على التجارة والإقتصاد العالمي والحرب معاً.
المشهد اليمني يفضح حقيقة الصراع. فالقصف السعودي لمواقع إماراتية في جنوب اليمن، وما تلاه من انسحاب إماراتي، لا يعني سقوط مشروع التقسيم، بل اقتتال الشركاء على من يدير الكيان القادم. جنوب اليمن لم يُنقذ، بل أُعيد ترتيبه ليكون نسخة أخرى من صوماليلاند.
والسودان ليس بعيداً عن هذا المصير. دارفور تُدفع بهدوء نحو الانفصال، لتكتمل حلقة الطوق العسكري حول البحر الأحمر، ويُضغط على مصر من خاصرتها الجنوبية، وتُخنق أي معادلة توازن إقليمي.
لكن صوماليلاند ليست مجرد قاعدة عسكرية. إنها أيضاً خزان ديمغرافي محتمل. الحديث عن تهجير أهالي غزة إليها يكشف أن المشروع لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى لإفراغها من أصحابها. السلاح هنا ليس المدفع فقط، بل الجغرافيا والسكان.
إسرائيل تدرك أن الخطر الحقيقي لا يأتي من إيران وحدها، بل من مصر وتركيا.
تركيا تمد نفوذها من الصومال إلى إريتريا، ومصر- برغم معاهدة السلام - تبقى الخطر الأكبر، لا بقوتها العسكرية فقط، بل بشعبها، وموقعها، وتحكمها بمفصل قناة السويس والبحر الأحمر. ولهذا يجري تطويقها بمشاريع الفوضى والتقسيم جنوباً وشرقاً.
من يظن أن ما يحدث في القرن الإفريقي معزول، يخطئ التقدير.
في عام 2014، حين سيطرت روسيا على القرم، كانت الرسالة واضحة: من يملك البحر الأسود يملك قرار الحرب. فردّ الغرب لم يتأخر، وجاء عبر حرب اليمن عام 2015، حيث كان الهدف الحقيقي باب المندب.
هكذا تُدار الحروب الكبرى: البحر الأسود مقابل باب المندب، ممر بنما مقابل ممرات بديلة، جرينلاند كهدف أمريكي، يقابله ممر سوالكي بين بولندا وليتوانيا كخاصرة رخوة لأوروبا وهدف روسي محتمل.
وفي نصف الكرة الغربي، تقف فنزويلا كجبهة مقابلة، بثقلها الطاقوي وموقعها القريب من الممرات الحيوية، لتؤكد أن الصراع لم يعد إقليمياً، بل كونيّاً.
العالم اليوم يُقسَّم الآن كي لا يُفاجأ لاحقاً بالحرب.
ومن يظن أن الصمت يحميه، سيكتشف متأخراً أن الخرائط تُرسم من دون إذنه، وأن الحرب بدأت بالفعل… ولكن بلا إطلاق نار.
------------------------------------
بقلم: د. أحمد عبد العزيز بكير






