خلال ثلاثينيات القرن الماضي وقبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، تمكن الحكم النازي في ألمانيا، بعد استلامه للسلطة، من تدعيم حكمه بعد تصفية معارضيه، بدأً بالشيوعيين ثم النقابيين ثم المعارضين من حزبه، وبعدها التفت لينفذ مشروعه الفاشي بإبادة كل من لا ينتمي إلى العرق الآري، العرق الأصيل للألمان كما ادعت النازية، ووضعته كأفضل عرق بشري في سلّم التعصب العرقي الذي قسم البشرية إلى منازل بالافضلية، تبدأ بالآريين الجرمانيين، وتضم سكان شمال غرب أوروبا المنحدرون من أصول اسكندنافية وجرمانية وإنكليزية، ولها مواصفاتها الخاصة من الطول ولون البشرة والشعر… ثم تأتي بعدها الأعراق الاخرى تباعا، حسب بعدها جغرافيا عن العرق الجرماني، ووضع العرب، الذين اعتبرتهم النازية من الشعوب السامية الهجينة وغير النقية، في أدنى درجات السّلم العنصري.
بعد ذلك التفتت النازية إلى الأقليات في المانيا، مثل اليهود والرومان (الغجر)، لأنها وضعتهم في منازل دنيا أيضاً في سجلها العرقي، لذلك يمكن لهم أن يفعلوا بهم ما يشاؤون. ولم تكتف النازية بذلك، بل أخذت ”تنظف“ ألمانيا من الضعفاء وأصحاب العاهات والمتسولين، وكل من لم تعتبره ناجحا أو مفيدا لها في حكم السيطرة على البلاد. في نفس الوقت، ومنذ استلامها للسلطة، عملت النازية على تعزيز قوتها العسكرية، فاستشرس فيها غرور العظمة والطمع في السيطرة على البلدان الاخرى. ولم لا؟ فبعد كل ما فعلته في بلادها لم تواجه أية مقاومة او معارضة حقيقية، تسمو إلى جعلها تعيد النظر بما تفعله. وقد التزمت معظم الدول المجاورة الصمت أو الحياد، بل على العكس من ذلك، حاولت الدول الكبرى في القارة، مثل بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي، استرضاء النازية بعقد تحالفات مع النازيين، متجاهلين أن ذلك سيجنبهم التصادم مع هذه القوة الصاعدة. وعلينا أن نُذكِّر هنا، أن القوى الكبرى في القارة الأوروبية لم تكن بأفضل من النازية في مشاريعها الاستعمارية، والتي بدأتها قبل قرون من نشوء النازية، ولكن سكوتها يعزى إلى ضعفها آنذاك أمام القوة الالمانية الصناعية والعسكرية التي أسست لها النازية. ولا يمكن لأى مؤرخ موضوعي أن ينكر دور الدول الاوروبية في السماح في استمرار جرائم النازية، حيث يذكر التاريخ فرح الدول الاوربية الرأسمالية في التخلص من الشيوعيين والنقابيين، ثم تبع ذلك رفض دول أوروبا الغربية لاستقبال اليهود، عندما وافقت النازية الألمانية على طردهم من ألمانيا مقابل الاستحواذ على ممتلكاتهم قبل بدء الحرب العالمية الثانية. حينها عقدت الدول الأوروبية مؤتمرين، مؤتمر مدريد ومؤتمر لندن، وفي كلا المؤتمرين اتفقت الدول الأوربية على عدم السماح لليهود الألمان بالمجئ إلى بلادهم. ولنا أن نذهب في الاستنتاج، هل كان ذلك مقصودا لكي يسهل قبول إقامة دولة لليهود لاحقاً، وبذا تتخلص أوروبا من يهودها، وإلى الأبد؟ يبقى هذا السؤال مطروحاً، ويبقى الجواب عليه معلقاً في الأروقة الأكاديمية!
وهذه الحالة، الانفراد بالسلطة وتصفية المعارضين والالتفاف على الأقليات لم تقتصر على النازيين فقط، فهناك شواهد عديدة في التاريخ المعاصر، وبالتحديد في عالمنا العربي، أقربها مثال ديكتاتور العراق صدام حسين الذي سار على مسار النازية. ولا غرابة هنا في الأمر، لأن أيديولوجية حزب البعث العربي الاشتراكي هي أيديولوجية نازية بامتياز، صاغها مؤسس هذا الحزب السئ الصيت، ميشيل عفلق بعد الحرب العالمية الثانية، مستنيرا بأيديولوجية النازية المدحورة، والتي كانت تعتمد القومية الاشتراكية محورا لمبادئها العنصرية، بعد أن استبدل القومية العربية عند حزب البعث بالعرق الآري عند النازيين. وكما فعل هتلر بعد إحكام قبضته الحديدية على بلاده باجتياح جاراته، مفتتحاً مشروعه الاستعماري باجتياح بولونيا ثم تلتها الدول الأوروبية الواحدة تلو الأخرى، حتى قامت على إثر ذلك الحرب العالمية الثانية، فعل صدام حسين الشئ نفسه بانقضاضه على جارته ايران، ثم اجتياحه لحليفته دولة الكويت.
وما يهمنا هنا باستذكار كل ذلك هو وصف الشاعر والمسرحي الألماني برتولد بريخت في قصيدته الشهيرة "عندما جاؤا يأخذون" للمشهد الألماني والأوروبي، وكذلك لموقف الدول في عصبة الأمم المتحدة آنذاك. ففي هذه القصيدة استحضر الشاعر حال الألمان في بلده فقط، ولكن هذا الحال ينطبق على جميع حكومات وشعوب المنطقة. وما يُخلّد قصيدة بريخت هذه، هي أنها صالحة لكل زمان ومكان، ويمكن الاضافة عليها بما ينسجم مع الحالة التي يراد استعمال القصيدة فيها. ولكن قبل الدخول في كل ذلك، علينا ان نقرأ القصيدة:
في البدء، جاءوا يأخذون الغجر
سعدت بذلك، لأنهم يسرقون
ثم جاءوا يأخذون اليهود، ولم أفتح فمي
لأني لم أعهدهم لطافاً معي
ثم جاءوا يأخذون المثليين
ارتحت لذلك، لأنني كنت منزعجاً منهم
ثم جاءوا ليأخذون الشيوعيين، حينها لم أقل شيئاً
لأنني لم أكن شيوعياً
وفي يوم ما، جاءوا يأخذونني
ولم يكن هناك أحد يعترض من أجلي.
وكما ذكرنا، ان هذه القصيدة صالحة لاي مكان وزمان، وتتحمل استبدال أية جماعة باخرى، حسب الموقع والحدث، ونجد أن القسيس الألماني البروتستانتي ”مارتن نيمولر“ فعل ذلك عندما صاغها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتحريره من معسكرات الاعتقال النازية على يد الحلفاء، بشكل جديد:
جاؤا أول مرة ليأخذوا الشيوعيين
فلم أعترض، لأني لم أكن شيوعياً
ثم جاؤا ليأخذوا اليهود
ولم أعترض، لأني لم أكن يهودياً
ثم جاؤا ليأخذوا أعضاء النقابات
ولم أعترض، لأني لم أكن نقابياً
ثم جاؤا ليأخذوا الكاثوليكيين
ولم أعترض، لأني بروتستانتي الديانة
ثم جاؤا ليأخذوني
حينها لم يبق هناك من يعترض!
وهكذا اليوم، يمكن استعادة ذكر هذه القصيدة، وبالذات بعد ما شهدناه من أفعال اميركا في العالم، حيث تلعب دور المافيا أو ”البلطجي“ أو قرصان البحر، تهدد وتقصف وتسرق كما يحلو لها، غير ملتزمة بأي عرف أو عهد أو معاهدة أو أخلاق، سوى القوة، فهي التي تحد من تصرفات إدارة هذه الدولة في العالم. فبعد أن دخلت العراق ودمرت ما فيه، كان لها سوابق في العالم. ففي عام 1989 أنزلت قوات خاصة لأسر رئيس بنما وجلبه إلى أميركا ومحاكمته ثم سجنه عندها. فهل انتفض العالم، أم اكتفى بالسكوت، لأن العالم لم يكن بنميا؟ وعندما دخلت القوات الأميركية العراق، بالتحالف مع بريطانيا والدنمارك، هل صرخ العالم وتخلى عن تحالفه مع أميركا؟ ولنا أن نعدد اعتداءات اميركا على دول في العالم، فقط بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبغض النظر عن اختلافنا مع حكامها، لنجدها لا تحصى. ولو ذكرنا اعتداءات أميركا المباشرة فقط على الدول المستقلة، نجد أشهرها حربها في كوريا، بورتو ريكو، تايوان، فيتنام، إندونيسيا، كمبوديا، نيكاراغوا، السلفادور، أفغانستان، العراق، ليبيا، سوريا، اليمن، وإيران. أما دعمها وانخراطها غير المباشر، فهي بالفعل لا تحصى، آخرها في حرب الكيان الإسرائيلي على غزة! واليوم تدخل قوات الكوماندوز الأميركية في فنزويلا، تقتل وتقصف وتختطف رئيس دولتها وزوجته، ثم تجلبهما إلى الولايات المتحدة وتسجنهما لحين محاكمتهما في المحاكم الأميركية وحسب القانون الأميركي! ولم يمر يوم واحد على ذلك، حتى يخرج الرئيس الأميركي لينصب نفسه حاكما على فنزويلا لحين اختيار الرئيس ”المناسب“، حسب زعمه.
يمكن لنا أن نصيغ قصيدة بريخت اليوم حسب ما أوردناه بصيغة اخرى:
عندما قصفوا العراق
فرحنا لأننا تخلصنا من دكتاتورها
وعندما قصفوا ليبيا
لم نهتم، لأننا لم نكن ليبيين
وعندما قصفوا سوريا
تمنينا أن يخلصونا من دكتاتور بعثي آخر
وعندما قصفوا اليمن
لم نحتج، لأنهم كانوا يحاربون الحوثيين
وعندما قصفوا إيران
التزمنا الصمت، لأنهم كانوا يضربون الشيعة
وعندما قصفوا فنزويلا
سكتنا أيضا، لأننا لسنا بفنزويليين
فهل يا ترى سيأتون لقصفنا أيضاً
وإن حدث ذلك، فهل سيكون هناك من ينتفض لنا؟
إن عمق قصيدة بريخت الإنساني لا يمكن حصره في قومية ما أو في بلد ما، وإنما هذا العمق يشمل جميع من له تحالف مع قوة عسكرية منفلتة، تدعى في أيام بريخت النازية الألمانية، أما اليوم فاسمها الولايات المتحدة، ومن يحوم في فلكها، ومن يتحالف معها، وذلك لأن قوة هذه الدولة لا تكمن في قوتها العسكرية فحسب، بل بتحالفاتها مع دول اخرى تمدها الشرعية وتلتزم الصمت إزاء ممارساتها اللا قانونية، وترى نفسها بعيدة عن شر هذه القوة. غير أن التاريخ أثبت أن مثل هذه القوى الوحشية، والتي لا تعترف باي عهد أو حلف أو قانون عالمي، لا تجد لها أي رادع في الاعتداء على حلفائها إن تطلبت مصالحها ذلك. ومثال تهديد كندا في ضمها إلى الولايات المتحدة واضح جدا. كذلك هو الأمر في التهديدات الأميركية المستمرة لحليفتها الدنمارك في ضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة دليل آخر على نقض التحالفات وفرض مشيئة أميركا على العالم. ولنا أن نذكّر كندا والدنمارك، ماذا كان موقفكما عندما قصفت أميركا إيران؟ وما هو موقفكما عندما قصفت أميركا عاصمة فنزويلا كاراكاس واختطفت رئيسها وزوجته؟ وهل سيشفع سكوتكما لكما، إن أو عندما يعلن الرئيس الأميركي ضم بلديكما أو جزءا منه إلى أميركا؟ عندما يشاء ذلك، وفي الوقت الذي يراه مناسبا له. إن في كل ذلك حكمة لكل حاكم ولكل دولة ولكل نظام، إما أن يكون مع الحق أو أن دوره قادم، عاجلا ام آجلا.
-----------------------------
بقلم: د. سليم العبدلي






