12 - 01 - 2026

ألحان السماء ودولة التلاوة (2)

ألحان السماء ودولة التلاوة (2)

يحتل الشيخ محمد رفعت (1882 – 1950) صدارة قُراء القرآن الكريم ليس عند الأستاذ محمود السعدني فقط، بل في عموم مصر، ويكفي أنه صار علامة مميزة، وماركة مسجلة لشهر رمضان الكريم، تلا القرآن في افتتاح الإذاعة المصرية، وقبل أذان المغرب في رمضان، قراءات حية على الهواء مباشرة، إذ لم تكن التسجيلات قد اخترعت بعد.

يصفه السعدني بأنه (ذلك الصوت المشحون بالأمل والألم، مرتعشًا بالخوف والقلق عنيفًا، عنف المعارك). وقد حاز الشيخ رفعت ألقابًا كثيرة منها "قيثارة السماء"، "صوت السماء"، "سيد قراء الزمان". بزغ نجم الشيخ في عصر ثري بالأعلام في كافة مجالات الأدب والفكر والفن، وكما التفت طبقات الشعب حول الزعيم سعد زغلول، التفت في نفس الوقت حول اثنين الشيخ رفعت في قراءة القرآن فكان "صوت الشعب"، والشيخ سيد درويش في الموسيقى فحاز لقب "فنان الشعب".

ويشير المشايخ الذين عاصروا الشيخ رفعت إلى أن هناك فرقًا كبيرًا بين الاستماع إليه مباشرة حيث القراءة الحية المباشرة المتفاعلة مع ما حولها، وعبر التسجيلات التي لا تقارن تقنياتها في تلك الأيام بالتقدم العلمي اليوم.

وقد عاصرت ذلك بنفسي مع القارئ أحمد محمد سلامة، الذي كان يقطن في نفس شارعنا، ويؤم المصلين في الصلوات الجهرية. تستمع إليه فتتمنى ألا ينتهي من قراءته، جمال صوت وقوة وقراءة معبرة، شتان بينها وبين قراءته في قناة القرآن الكريم السعودية، والتي تبث مباشرة من مكة المكرمة. ولا أعرف إذا كانت تربطه صلة قرابة بالقارئ الشيخ محمد سلامة (1899-1982)، أحد أعلام التلاوة، تتلمذ على يديه الشيخ كامل يوسف البهتيمي ومحمد صديق المنشاوي.

ولعل الشيخ أبو العينين شعيشع أقرب الأصوات الطبيعية إلى الشيخ رفعت، لذا وقع عليه الاختيار لاستكمال أشرطة الشيخ رفعت التي نال منها الزمن. أما أتقن المشايخ الحاليين تقليدًا فهو الشيخ محمود صابر، يتقمص روح الشيخ رفعت ويمضي في قراءته سهلاً من دون تكلف، ويحظى بمتابعة متميزة لصوته على يوتيوب.

ويشير السعدني في كتابه إلى حرص مشايخ العصر الذهبي على مساندة تلاميذهم والمشايخ أصحاب الأصوات الجميلة المتقنة، إلى جانب احترامهم لبعضهم البعض. 

فالشيخ علي محمود الذي كان يرفع الأذان من فوق مئذنة مسجد سيدنا الحسين بصوته الملائكي، والذي كان كافيًا لجمع الآلاف في الميدان للاستماع إلى صوته، هو نفسه الذي كان يرفض تواضعًا أن يقرأ إذا جمعته إحدى الليالي بالشيخ محمد رفعت، حينها يجلس قبالته على الدكة كمستمع ويتشقلب في جلسته من فرط استمتاعه واندماجه مع قراءة الشيخ، حتى أنهم كانوا يسمونه "البهلوان" من فرط حركته، وقد ظل وفيًا له حتى آخر لحظة في حياته.

هذه العلاقة النقية من شوائب الغيرة والحسد كانت أيضًا الرابط بين المشايخ الكبار وأولئك المبتدئين، يساندونهم ويؤازرونهم ويقدمونهم للقراءة في المناسبات الكبيرة ليتعرف عليهم الجمهور.

التقى الشيخ محمد رفعت أثناء إحيائه إحدى الليالي في طنطا مع الشيخ مصطفى إسماعيل وكان ما زال في بداياته، وعندما سمع قراءته قدمه للتلاوة وأثنى عليه وتوقع له مستقبلا باهرا، ونصحه بأن يحافظ على صوته ويقلع عن التدخين. وكذلك فعل مع الشيخ أبو العينين شعيشع، وعندما تدخل المغرضون بينهما وأوعزوا إليه بأنه يقلده، رد الشيخ رفعت "بل هو أحسن مني".

نماذج نادرة من الإيثار وحب الآخرين وتأكيد على أن باطن القارئ يجب أن يطابق ظاهره، فتلاوة آيات الذكر الحكيم المنزلة من لدن حكيم عليم، لا يستقيم معها باطن يحوي البغض والكراهية والشر. مؤكد أن من حقك أن تحب الخير لنفسك، لكنك في نفس الوقت مطالب بأن تُحب لأخيك ما تحب لنفسك.

(نكمل في مقال قادم)
-----------------------
بقلم: د.م. 
محمد مصطفى الخياط
[email protected] 

 

مقالات اخرى للكاتب

ألحان السماء ودولة التلاوة (3)