الحديث عن صومالي لاند ليس استثناءً، بل نافذة صغيرة على مشهد أوسع، الصهيونية حين تغادر فلسطين لا تترك أدواتها خلفها، بل تغيّر القناع فقط. خارج الأرض المحتلة، لا تأتي بالدبابة أولًا، بل بالخبير، بالمستشار، باتفاق “تعاون”، وبابتسامة دبلوماسية مصقولة.
الصهيونية العالمية لا تتحرك بدافع أخلاقي، ولا بدافع “مساعدة الدول الناشئة”، بل وفق معادلة بسيطة
أين توجد هشاشة؟ هناك فرصة. أين يوجد صراع؟ هناك استثمار. أين يغيب القانون الدولي؟ هناك مساحة حركة.
في إفريقيا، تكرّر المشهد: من جنوب السودان إلى القرن الإفريقي، دعم كيانات انفصالية، تغذية نزاعات أهلية، بناء علاقات أمنية مع نخب معزولة عن شعوبها. ليس حبًا في تقرير المصير، بل لأن الدول المتفككة لا تسأل عن العدالة، بل عن الحماية.
في آسيا، الحضور الصهيوني أقل ضجيجًا وأكثر خبثًا، تعاون استخباراتي، تصدير تقنيات مراقبة، أنظمة تجسس تُباع تحت عنوان “الأمن السيبراني”، ثم تُستخدم لقمع المعارضين والنشطاء. الصهيونية هنا لا تطلق النار، بل تبيع الزناد.
في أمريكا اللاتينية، تحالفات مع أنظمة يمينية متطرفة، تدريب قوات أمن، وتبادل خبرات في “إدارة الاحتجاجات”. التجربة الفلسطينية تتحول إلى دليل إرشادي. كيف تُحاصر المدن، كيف تُكسر الإرادة، وكيف يُعاد تعريف الضحية كمشتبه به.
حتى في أوروبا وأمريكا الشمالية، العربدة تأخذ شكلًا آخر. لوبيات ضغط، خلط متعمد بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، تجريم التضامن مع فلسطين، وتحويل النقد السياسي إلى جريمة أخلاقية. هنا لا تحتاج إسرائيل إلى جندي، يكفيها قانون مُفصّل على مقاسها.
الخيط الناظم في كل ذلك واحد: ازدواجية المعايير.
ما هو “دفاع عن النفس” لإسرائيل، هو “إرهاب” لغيرها. ما هو “حق تقرير مصير” لحلفائها، هو “تهديد وجودي” حين يتعلق بالفلسطينيين. القانون الدولي يُستخدم كديكور، يُرفع حين يخدم، ويُدهس حين يعارض. الصهيونية لا تصدّر الديمقراطية، بل تصدّر نموذج السيطرة ، دولة فوق المحاسبة، جيش فوق القانون، ورواية فوق الحقيقة. وحين تُستنسخ هذه المعادلة في أماكن أخرى، تكون النتيجة دائمًا واحدة، مجتمعات أكثر قمعًا، ودول أكثر هشاشة، ونخب أكثر تبعية.
العربدة الصهيونية حول العالم ليست مؤامرة غامضة، بل سياسة واضحة لمن يريد أن يرى. هي مشروع نفوذ يعيش على أزمات الآخرين، ويتغذى على صمت المجتمع الدولي، ويزدهر كلما تراجع ميزان العدالة.
والدرس الأوضح، من يبرر الظلم في فلسطين، سيبرره في أي مكان آخر. ومن يصمت اليوم عن العربدة الصهيونية خارج فلسطين، سيكتشف غدًا أن الفوضى لا تعترف بالمسافات.
العالم ليس ساحة بريئة، لكن بعض اللاعبين يصرّون على تحويله إلى مختبر دائم لتجارب السيطرة.
والصهيونية، أينما حلّت، تركت الأثر ذاته، نفوذ بلا مسؤولية، وقوة بلا أخلاق.
-------------------------------
بقلم: حاتم نظمي







