12 - 01 - 2026

فنزويلا والبلطجة العظمى: خطف السيادة وهيمنة الاستخبارات

فنزويلا والبلطجة العظمى: خطف السيادة وهيمنة الاستخبارات

لم يكن انفجار الصواريخ التي اهتزت لها قاعدة "فورت تيونا" العسكرية فجر الثالث من يناير سوى الضجَّة التي أخفت الصوت الحقيقي للزلزال، فالضربة الحقيقية كانت تُنفَّذ في صمت، داخل مجمع سكني عسكري محصن في قلب العاصمة كاراكاس، حيث اقتحمت نخبة من قوات "دلتا فورس" غرفة نوم الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، لتنهي بذلك واحدة من أكثر العمليات العسكرية جرأة وتعقيداً في القرن الحادي والعشرين. 

فكيف اخترقت أمريكا أمن فنزويلا بأعتى عملية مخابراتية في التاريخ الحديث؟ فهذه اللحظة لم تكن سوى مجرد القمة الظاهرة لجبل جليدي من التخطيط الدقيق والخيانة والمراقبة التكنولوجية التي استمرت لأشهر، كشفت عنها وثائق استخباراتية تكاد تكون أقرب لسيناريوهات أفلام التجسس. فكانت العملية، التي حملت الاسم الرمزي "العزم المطلق" (Operation Absolute Resolve)، ثمرة شراكة عميقة بين وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) والجيش الأمريكي، فمنذ الخريف الماضي، وبعد تفويض مباشر من الرئيس دونالد ترامب لوكالة الاستخبارات المركزية لتبني نهج "أكثر هجومية"، بدأت العجلة بالدوران وتم تشكيل فريق عمل "سياسي - عسكري سري" ضم نائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيجسيث، ومدير الوكالة جون راتكليف، الذين كانوا يعقدون اجتماعات شبه يومية لتنسيق الضربة.

ففي أغسطس الماضي، وبعد أيام فقط من تحدِّي مادورو العلني لترامب قائلاً له: "تعالوا خذوني... لا تتأخر أيها الجبان"، كانت واشنطن قد بدأت بالفعل في تنفيذ خطوتها الأولى، حيث تسلل فريق سري صغير من ضباط وكالة الاستخبارات المركزية إلى فنزويلا دون غطاء دبلوماسي (بعد إغلاق السفارة الأمريكية)، ليقيم هناك لشهور بهدف وحيد: رسم خريطة كاملة لنمط حياة نيكولاس مادورو، وعبر مراقبة دقيقة، تمكن الفريق من معرفة أدق تفاصيل حياته: تحركاته بين 6 إلى 8 مواقع إقامة متغيرة، عاداته اليومية، الأماكن التي يزورها، الطعام الذي يتناوله، الملابس التي يرتديها، وحتى الحيوانات الأليفة التي يربيها.

لكن جوهرة التاج في العملية الاستخباراتية كانت المصدر البشري داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس أو داخل الحكومة الفنزويلية نفسها، وهذا المصدر، الذي جندته الوكالة - والذي بالتأكيد استفاد من المكافأة البالغة 50 مليون دولار المعروضة مقابل معلومات تؤدي للقبض على مادورو - كان يقوم بمراقبة موقع الرئيس وإبلاغ الأمريكيين بدقَّة عن مكانه في الأيام واللحظات التي سبقت العملية، ووفر هذا المصدر المعلومات الحاسمة جنباً إلى جنب مع أسطول من الطائرات المسيرة "الشبح" التي وفرت مراقبة جوية مستمرة فوق الأراضي الفنزويلية.

وتم نقل كل هذه البيانات الاستخباراتية إلى وحدات النخبة في الجيش الأمريكي، بما فيها القوات الخاصة الأمريكية "دلتا فورس"، وفي خطوة تذكرنا بتحضيرات عملية قتل أسامة بن لادن، كانت البروفات النهائية ببناء الجيش نسخة طبق الأصل من المجمع السكني المحصن لمادورو في موقع سري، حيث تدربت القوات الخاصة بشكل مكثف على كل خطوة، بما في ذلك استخدام مشاعل حرارية متطورة لاختراق الأبواب الفولاذية السميكة التي تحمي غرفه الآمنة.

وفي نهاية المطاف، فالدقائق التي هزت العالم بدأت مع تحسن الظروف الجوية ليلة 2 يناير، حيث أعطى ترامب الضوء الأخضر من مقر إقامته في "مار - إيه - لاجو" بولاية فلوريدا، حيث كان يتابع بثاً مباشراً للعملية، فأقلعت أكثر من 150 طائرة من 20 قاعدة مختلفة، في عرض هائل للقوة شمل مقاتلات شبحية (إف-35، إف-22)، وقاذفات، وطائرات تشويش إلكتروني، وقبل وصول مروحيات "فالكون" و"أوسبري" التي تحمل فرقة الاعتقال، قامت هجمات إلكترونية أمريكية بإطفاء أضواء أجزاء كبيرة من كاراكاس وتعطيل أنظمة الدفاع الجوي الفنزويلية المتطورة (مثل إس-300 الروسية الصنع) دون أن تطلق طلقة واحدة، مما خلق جوًا من الشلل التام وسهل الاختراق.

وفي الساعة 1:01 صباحاً بتوقيت واشنطن (2:01 صباحاً في كاراكاس)، هبطت المروحيات داخل المجمع، واقتحمت القوات الخاصة المبنى وواجهت مقاومة محدودة، وحاول مادورو وزوجته الفرار إلى غرفة آمنة خلف أبواب فولاذية، لكن مشاعل القوات الخاصة فتحتها في ثوانٍ، وفي غضون ثلاث دقائق فقط من سماع أولى الانفجارات، كان أفراد الكوماندوز قد ركلوا باب غرفة نوم الرئيس الفنزويلي، ولم يُقتل أي جندي أمريكي، وأصيب اثنان بجروح طفيفة فقط، في حين قُتل عدد من حراس الأمن الفنزويليين.

ونُقل مادورو وزوجته مكبلي الأيدي بالمروحية إلى سفينة الهجوم البرمائية الأمريكية "يو إس إس إيو جيما" الرابضة قبالة الساحل، ثم إلى نيويورك حيث أودع في سجن فدرالي "سيء السمعة" ينتظر محاكمته بتهم تتعلق "بالإرهاب المرتبط بالمخدرات"، وهكذا تحول التحدي الاستفزازي الذي أطلقه مادورو قبل أشهر إلى نبوءة تحققت على نحو مأساوي، فيما أعلن ترامب أن بلاده "ستدير" فنزويلا وتعمل على "ضمان تدفق نفطها"، مُعلناً بذلك فصلاً جديداً، وكشفاً عن تحول جذري في الإستراتيجية الأمريكية تحت شعار "عقيدة مونرو" الجديدة، وهو ما وصفه ترامب بأنه "إعادة تأكيد القوة الأمريكية"، التي تعيد تعريف سيادة الدول في القرن الحادي والعشرين، في الفناء الخلفي لأمريكا بالقوة الغاشمة. 

ولا تكتفي العملية التي أدت إلى اقتحام "الحصن الفولاذي" للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في فجر الثالث من يناير 2026، بسردية عسكرية بحتة، ففور اكتمالها أُشعلت معركة قانونية دولية هي الأعنف من نوعها، تكشف عن هُوَّة سحيقة بين التبرير الأمريكي الرسمي والحقائق المجردة للقانون الدولي، فكيف حوَّلت واشنطن مبررها "حرب المخدرات" إلى غطاء لاقتلاع رئيس دولة كي تكسر الحصون القانونية؟

تذرعت الإدارة الأمريكية بثنائية تبدو مقنعة للرأي العام: فهي تصف العملية رسمياً بأنها "عملية إنفاذ قانون" لمكافحة ما تسميه "الإرهاب المتعلق بالمخدرات"، مستندة إلى اتهامات سابقة لمادورو بقيادة تنظيم "كارتل الشموس" المتورط في تهريب المخدرات والفساد السياسي، ولتعزيز هذه السردية، تمت صياغة العملية عمداً لتجنب موافقة الكونجرس على عمليات حرب، وقُدمت على أنها "مهمة تنفيذ أمر اعتقال" بناءً على لائحة اتهام من نيويورك تتضمن تهم التآمر لاستيراد المخدرات وحيازة أسلحة بشكل غير قانوني.

لكن الوقائع تكشف أن هذه الذريعة القانونية كانت الغطاء الخارجي لعملية تغيير نظام دامت أشهراً، فالتخطيط الاستخباراتي طويل الأمد بدأ فعلياً، عندما أجاز الرئيس ترامب لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) تبني نهج "أكثر هجومية"، وتم تنفيذ الخطة في سرية شملت نشر فريق استخباراتي في فنزويلا منذ أغسطس 2024، وتجنيد عميل سري داخل الدائرة الحاكمة الضيقة في كاراكاس، وتم دمج هذه المعلومات البشرية مع بيانات ومعلومات المراقبة والتجسس، البصرية والسمعية والإلكترونية، مما يعني أن الهدف الحقيقي كان النظام برمته، وليس مجرد "مشتبه به جنائي".

وكان الانتهاك الفاضح؛ حيث تتحطم السيادة والحصانة على صخرة القوة، ففي مواجهة هذه السردية، يقف القانون الدولي عاجزاً ومنتهكاً بشكل صارخ، فتشكل العملية انتهاكاً جسيماً للسيادة طبقاً للمادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، وقد تم تنفيذها دون تفويض من مجلس الأمن الدولي ودون دعوة من سلطة شرعية معترف بها في فنزويلا، ما يضعها في إطار "جريمة العدوان"، وحتى الحلفاء التقليديون لواشنطن عبروا عن قلقهم من هذه السابقة.

وهذا التناقض بين الذريعة والواقع هو ما يجعل العملية خطيرة، فبينما تذكر الإدارة الأمريكية سابقة اعتقال رئيس بنما مانويل نورييجا عام 1989 لاتهامات مخدرات مشابهة، يتجاهل هذا القياس حقيقة أن نورييجا كان قد أطيح به فعلياً بغزو عسكري أمريكي كامل خلال عملية "القضية العادلة"، وأن الاعتقال جاء لاحقاً، أما في حالة مادورو، كانت العملية العسكرية نفسها هي أداة الاعتقال، مما يجعلها سابقة أكثر تطرفاً، والخلاصة التي يصل إليها مراقبون كُثر هي أن "حرب المخدرات" ما هي إلا ذريعة مفبركة لتبرير هجوم عسكري أحادي الجانب، يهدف إلى تحقيق أهداف جيوبوليتيكية أوسع، ويضع العالم أمام نموذج جديد مرعب حيث تغيب القوانين وتسيطر القوة الغاشمة.

ففي قلب الظلام الذي سبق فجر الثالث من يناير، لم تكن الطائرات الحربية الأمريكية هي الوحيدة التي اخترقت سماء كاراكاس؛ فقد سبقها اختراق أعمق بكثير، اختراق للنظام السياسي والأمني الفنزويلي نفسه، فلم تكن "العزم المطلق" ضربة عسكرية مفاجئة بقدر ما كانت النتيجة الحتمية لحملة استخباراتية متعددة المستويات، كشفت النقاب عن الفجوة الهائلة بين التبرير القانوني المعلن والأهداف الجيوبوليتيكية الحقيقية، وتركت المجتمع الدولي منقسماً أمام نموذج جديد مرعب من "القرصنة القانونية".

وواجهت هذه التفاصيل الاستخباراتية المذهلة سردية قانونية أمريكية واهية، فحاولت واشنطن تقديم العملية كمجرد "مهمة إنفاذ قانون" واسعة النطاق، مدعية أن مادورو "قائد غير شرعي" لدولة مخدرات، ومع ذلك انهار هذا التبرير سريعاً تحت وطأة الحقائق، فمن الناحية الدولية يُعتبر الاعتداء انتهاكاً صارخاً للمادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة، كما قد صرح خبراء قانونيون أن "الاتجار بالمخدرات وعنف العصابات... لا يرقى إلى المعيار الدولي المقابل للنزاع المسلح" الذي يمكن أن يبرر مثل هذا الرد العسكري، وبخلاف ذلك يُعتبر ما تم هو خرق للحصانة الشخصية؛ حيث يتمتع رؤساء الدول، بغض النظر عن الخلاف على شرعيتهم الداخلية، بحصانة شخصية من الإجراءات القضائية لدولة أخرى أثناء توليهم المنصب، ومحاكمة مادورو في نيويورك تقوض هذا المبدأ الأساسي الذي يحمي سيادة الدول من الاعتقال التعسفي.

أما داخلياً وعلى المستوى المحلي للولايات المتحدة الأمريكية، فقد اعترف وزير الخارجية ماركو روبيو بأن الكونجرس الأمريكي لم يُخطر قبل العملية، متجاوزاً بذلك الشرط الدستوري الأساسي للإشراف على استخدام القوة العسكرية، وتجاهل شرط الموافقة على إعلان الحرب، والتناقض بلغ ذروته عندما أعلن ترامب بعد ساعات من الحديث عن "إنفاذ القانون"، أن الولايات المتحدة "ستدير فنزويلا" وتعمل على "ضمان تدفق نفطها"، مما كشف النقاب عن الأبعاد الاقتصادية والإستراتيجية الحقيقية للعملية التي تتعلق بإعادة فرض هيمنة "عقيدة مونرو" على النفط والجغرافيا والسياسة للإقليم.

فالانقسام الدولي بين مباركة العدوان والخوف من سابقة مرعبة، ظهر في رد الفعل العالمي على هذا الحدث حيث كان مرآة تعكس هذا الانقسام الجوهري بين منطق القوة ومنطق القانون، فبينما سارع حلفاء أمريكيون دوليون وإقليميون مثل الإكوادور والأرجنتين وإسرائيل، ودول أوروبية مثل ألمانيا وإيطاليا، إلى تبرير العملية أو الترحيب بها، تصدرت قوى عالمية وأخرى إقليمية موجة إدانة شديدة. 

فروسيا نددت بالعدوان المسلح وسخرت من سعي ترامب لجائزة نوبل للسلام، مؤكدة أن موسكو "تشعر بقلق بالغ"، والصين: قالت إنها "تشعر بصدمة بالغة" واعتبرت الفعل "انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي وسيادة فنزويلا"، والبرازيل وصفت على لسان الرئيس لولا دا سيلفا العملية بأنها "استهانة خطيرة" و"سابقة بالغة الخطورة للمجتمع الدولي بأسره"، أما فرنسا على لسان وزير خارجيتها، انتقدت العملية لأنها "تنتهك مبدأ عدم اللجوء إلى القوة"، مؤكدة أن الشعوب وحدها هي من يقرر مصيرها، والاتحاد الأوروبي دعا إلى "ضبط النفس" وأكد أن السبيل الوحيد لحل الأزمة هو "احترام إرادة الشعب الفنزويلي"، بينما إيران وتركيا وجنوب إفريقيا فانضموا إلى سيل الإدانات، مما وسع من قاعدة الرفض الدولي.

هذا الانقسام لا يعكس فقط خلافاً سياسياً عابراً، بل يكشف عن شرخ عميق في النظام الدولي، فبينما ترى بعض الدول في العملية تطبيقاً انتقائياً للقانون، ترى فيها دول أخرى - بما فيها حلفاء تقليديون لواشنطن - سابقة مروعة تضع "القوة فوق القانون"، وتطرح تساؤلات وجودية حول مصير سيادة الدول الصغيرة والمتوسطة في عالم يعود إلى منطق القوة الخام، حيث يمكن اختطاف رئيس دولة وإدارتها بشكل مفضوح تحت ذريعة قانونية هشة.

فكيف استغلَّ البيت الأبيض ثغرات الدستور وأسرار الاستخبارات لشنّ حرب من طرف واحد، فلم تكن العملية التي أطاحت بنيكولاس مادورو مجرد صفعة للقانون الدولي فحسب، بل كانت ضربة قاصمة للتوازن الدستوري الداخلي في الولايات المتحدة نفسها، ففي الظلام الذي سبق فجر كاراكاس، كان فرعٌ كامل من الحكومة الأمريكية - وهو الفرع التشريعي الذي يمثل الشعب - يُحجب عمداً عن صورة الحدث، فلم يُستشر الكونجرس، ولم يُطلب تفويضه، في تجاهل صارخ لنص الدستور الذي يمنحه وحده سلطة إعلان الحرب، لم يكن هذا إهمالاً عابراً، بل كان تتويجاً لعقود من التآكل المنهجي لسلطة الكونغرس، حيث حوَّلت حالة الطوارئ الدائمة للأمن القومي الرئيس إلى "قائد أعلى" فعلياً بصلاحيات شبه مطلقة.

وتلك الثغرات الدستورية هي ما حوَّلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية من "رئيس مُقيَّد" إلى "إمبراطور عسكري"، فلقد كشفت عملية فنزويلا عن مدى عمق المرض الذي ينخر في جسد الجمهورية الأمريكية، فبموجب إطار قانوني متراكم منذ هجمات 11 سبتمبر، تمكَّنت السلطة التنفيذية من احتكار ملف الأمن القومي، وبات الرئيس، بفضل قوانين مثل "تفويض استخدام القوة العسكرية" (AUMF) و"قانون الطوارئ الوطنية" (NEA)، يمتلك صندوقاً من "الشيكات المفتوحة" التي تسمح له بالتصرُّف بصلاحيات استثنائية، ولقد تخلَّى الكونجرس طواعية عن دوره كرقيب وفاعل، وتحوَّل إلى "متفرج" على سياسات بلاده، وهو ما وصفه السناتور السابق روس فينغولد بأنه "تخلٍّ عن المسؤولية الدستورية".

وهذا الوضع ليس جديداً، فقد حذَّر الفقهاء الدستوريون منذ سنوات من أن النظام الأمريكي يفتقر إلى "بند حالة الطوارئ" الذي يسمح بتعليق الضمانات الدستورية، مما يضع عبء الموازنة بين الأمن والحرية على عاتق الرئيس في لحظات الأزمة، ولكن هذه الموازنة تنهار عندما يتصرف الرئيس، كما فعل ترامب، وكأنه فوق المؤسسات، فإن تجاوز الكونغرس ليس مجرد مخالفة إجرائية؛ إنه يضرب في صميم العقد الاجتماعي الأمريكي، ويعيد إنتاج منطق حرب العراق 2003 حيث تُستخدم ذرائع أمنية غامضة لتبرير مغامرات عسكرية أحادية الجانب.

ورغم أن الإدارة حاولت تصوير العملية على أنها نجاح استخباراتي باهر، إلا أن صدمة الحدث فجَّرت انقساماً غير مسبوق داخل الحزب الجمهوري نفسه، فلم يعد الانقسام تقليدياً بين ديمقراطيين وجمهوريين فحسب، بل اخترق المعسكر المؤيد لترامب، وانطلقت أصوات من قلب قاعدة ترامب، مثل النائبة مارجوري تايلور جرين، لتصف العملية بأنها "خيانة لوعود إنهاء الحروب الأبدية"، وفي المقابل سارع قادة جمهوريون آخرون إلى تمجيد "الحسم" و"التفوق الاستخباراتي" الأمريكي، وهذا الشرخ يعكس قلقاً عميقاً من أن الرئيس، الذي تم انتخابه جزئياً على وعود بالانسحاب من النزاعات الخارجية، يعيد البلاد إلى دوامة المغامرات العسكرية تحت دعاوى واهية.

وفي الشارع الأمريكي، تجلَّى هذا الانقسام في احتجاجات سريعة في نيويورك وواشنطن، حيث رفع المتظاهرون شعارات تندد بالحرب غير الشرعية وتضخم سلطات الإمبراطور، وهذه المشاهد تُذكّر بما حذر منه الخبراء الدستوريون: أن التوسع في سلطات الرئيس التنفيذية أثناء الأزمات يضع الحريات الفردية في خطر داهم، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: إذا كان رئيس الولايات المتحدة لا يتورع عن تجاوز الكونجرس لاعتقال زعيم أجنبي، فما الذي يمنعه من استخدام نفس الصلاحيات الواسعة ضد مواطنيه في المستقبل؟!

أما فيما يتعلق بالمعلومات السرية التي استندت إليها العملية، فإن الصورة التي تكشفت من خلال تسريبات سابقة توحي بأن البنية التحتية الاستخباراتية الهائلة لأمريكا قد وُظفت لخدمة أجندة سياسية ضيقة، وتشير وثائق إدوارد سنودن إلى أن وكالة الأمن القومي (NSA) تعمل ضمن شبكة مراقبة عالمية مع شركاء مثل بريطانيا وأستراليا وكندا، تحالف "العيون الخمس" (FVEY)، حيث تجمع "جميع الإشارات طوال الوقت"، وكما كشفت تسريبات حديثة كيف أن التسريبات الاستخباراتية يمكن أن تكشف تحركات القوات الخاصة والعمليات السرية، كما حدث مع تسريبات وثائق الحرب الأوكرانية التي سلطت الضوء على وجود قوات خاصة أوروبية وأمريكية في أوكرانيا.

وفي سياق فنزويلا، تشير تحليلات استخباراتية أوروبية إلى أن التخطيط للعملية تجاوز الأطر التقليدية للمشاورات مع الحلفاء، فلم يتم تحذير أو استشارة حلفاء مقرَّبين في أوروبا، خوفاً من تسرب المعلومات أو معارضتهم الصريحة للخطوة، بل يعتقد محللون في دوائر الاستخبارات الأوروبية، بناءً على أنماط عمل سابقة، أن فريقاً صغيراً وموالياً داخل البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي هو من أدار العملية، معتمداً على معلومات جمعتها وحدات النخبة في وكالة المخابرات المركزية (CIA) والقوات الخاصة عبر مراقبة مكثفة وربما تجنيد مصادر داخل الحلقة الضيقة المحيطة بمادورو.

وخلاصة العملية، إن ما حدث في فجر الثالث من يناير هو أكثر من مجرد عملية عسكرية، إنه إعلان عن ولادة سابقة مرعبة وانهيار الضوابط، ونموذج جديد للسلطة الرئاسية في أمريكا، نموذج يُضعِف الكونجرس إلى حد التهميش، ويحوِّل الجهاز الاستخباراتي إلى أداة في مغامرات الرئيس الشخصية، ويهدد بإعادة الولايات المتحدة إلى عصر "الحروب الرئاسية" (Presidential Wars Era)، فلقد نجح ترامب، حتى الآن في الإفلات من المحاسبة بفضل الفيتو الذي سيشلُّ به أي إدانة في مجلس الأمن، وبفضل الانقسام الحزبي الذي يجعل فرض رقابة حقيقية من الكونغرس أمراً صعباً.

وستبقى السابقة التي أرساها ترامب خطيرة للغاية، فإذا كان من الممكن اليوم اعتقال رئيس دولة بتهم تتعلق بالمخدرات، فما الذي يمنع من استخدام نفس الذريعة غداً ضد زعيم في إفريقيا أو آسيا؟ العملية لم تكن مجرد ضربة لفنزويلا، بل كانت اختراقاً لجدار السيادة العالمية، وتهديداً للجميع، وتأكيداً على أن القانون الدولي والمؤسسات الدستورية قد استسلما لقوة الأمر الواقع التي تفرضها أقوى دولة في العالم، دون اكتراث بالعواقب التي ستطال النظام العالمي برمته.

ولم تكن "حرب المخدرات" الجديدة التي أطلقتها الإدارة الأمريكية في خريف 2025 سوى الستارة الأولى في مسرحية كبيرة، هدفها النهائي كان دائماً مقر الإقامة الرئاسي في كاراكاس، فتحليل وسائل الإعلام الأمريكية المتخصصة يشير إلى أن الضربات الجوية والبحرية المحدودة التي استهدفت "قوارب المخدرات" في الكاريبي كانت عملياً مرحلة استخباراتية وتجريبية متقدمة للإطاحة بنظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ولقد مثلت هذه الضربات اختباراً عملياً لردود الفعل الإقليمية والدولية، وتجربة لأنظمة القيادة والسيطرة، وتحديداً لنقاط الضعف في الدفاعات الساحلية الفنزويلية، كل ذلك تحت غطاء "محاربة تجار الموت" الذي يلقى قبولاً شعبياً، والأكثر إثارة أن منهجية تدمير القوارب من الجو بدلاً من احتجازها - وهي طريقة تطمس الأدلة الجنائية - قد غذت شكوكاً بأن الهدف كان جيوبوليتيكياً وليس قانونياً، حيث لا قيمة إستراتيجية حقيقية لهذه الضربات في معالجة مشكلة المخدرات التي مصدرها الأساسي مكان آخر، خارج الحدود الفنزويلية.

الهدف الحقيقي يتجاوز بكثير شخص مادورو أو حتى المخدرات؛ إنه إعادة تأسيس الهيمنة الأمريكية المطلقة في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وتعمل واشنطن وفقاً لاستراتيجية أمن قومي متجددة تخلط عمداً بين "الإرهاب" و"المخدرات"، مانحة السلطة التنفيذية صلاحيات شبه مطلقة تتجاوز الكونجرس والرقابة القضائية في شن عمليات عسكرية، وهذه اللغة كما يرى المحللون، تعيد إحياء "عقيدة مونرو" القديمة التي تعتبر المنطقة مجال نفوذ أمريكي حصري، والرسالة الموجهة إلى موسكو وبكين واضحة: أي محاولة لتعزيز النفوذ الاقتصادي أو العسكري في فنزويلا أو بوليفيا أو نيكاراجوا ستواجه الآن ليس فقط بعقوبات، بل بخيار التدخل العسكري المباشر، إنها عودة إلى منطق الحرب الباردة، حيث تصبح السيادة الوطنية للدول الصغرى رهينة بالصراع بين القوى العظمى.

لا يمكن فهم الجرأة الأمريكية دون النظر إلى الجائزة الكبرى؛ حيث احتياطيات فنزويلا الهائلة من النفط، الأكبر على مستوى العالم، فإن السيطرة على هذه الثروة تحقق للولايات المتحدة عدة أهداف دفعة واحدة؛ من ضمنها ضرب النفوذ الصيني والروسي، حيث كانت الصين وروسيا الداعمين الاقتصاديين والعسكريين الرئيسيين لحكومة مادورو، والسيطرة على النفط تقطع شريان الحياة عن هذا التحالف وتعيد توجيه الثروة الفنزويلية نحو الغرب، كما أن النفط الفنزويلي الثقيل المهم للصناعة الأمريكية، يعزز الأمن الطاقي الأمريكي، حيث أنه مصدر قريب ومستقر، مما يقلل الاعتماد على مناطق مضطربة أخرى، فضلاً عن إعادة الإعمار والهيمنة الاقتصادية، فالإعلان الأمريكي الصريح عن نية "إدارة" فنزويلا و"ضمان تدفق نفطها" هو إشارة واضحة لفتح الباب أمام الشركات الأمريكية لإعادة بناء البنية التحتية النفطية المتدهورة، مما يخلق إمبراطورية اقتصادية جديدة تابعة لواشنطن.

والنجاح العسكري في فنزويلا ليس حدثاً منعزلاً، بل هو نموذج عملي يُختبر ليكون قابلاً للتطبيق في أماكن أخرى، فلقد أرسلت العملية رسالة تهديد مجمدة إلى كل نظام معادٍ لواشنطن في المنطقة، وخاصة كوبا ونيكاراغوا، إنها تُظهر قدرة الولايات المتحدة على "تغيير النظام" بسرعة وبقوة ساحقة، مستغلة ذريعة "مكافحة المخدرات" التي يمكن تطويعها ضد أي خصم، وهذا يخلق حالة من الرعب والقلق بين قادة أمريكا اللاتينية، حتى بين الحلفاء التقليديين، الذين يسألون أنفسهم: "من التالي؟"، فلقد حوَّلت واشنطن الفضاء الجوي والبحري للأمريكتين إلى ساحة عملياتها المفتوحة، حيث يمكنها تحريك جيوشها دون إعلان حرب تقليدي، في سابقة تهدد بإعادة رسم خريطة القوة في العالم أجمع.

وفي التحليل النهائي للسابقة، يتبين أن "المخدرات" لم تكن سوى أداة استراتيجية متعددة الاستخدامات في يد السياسة الأمريكية؛ فهي غطاء قانوني وسياسي، ووسيلة لتمويل العمليات السرية كما تشير تواريخ وكالة الاستخبارات المركزية، وذريعة لتوسيع النفوذ، والعملية في فنزويلا تكشف عن رؤية استراتيجية متكاملة تجمع بين القوة العسكرية المباشرة، والحرب الاقتصادية، والحرب القانونية عبر المذكرات السرية (مثل تلك التي أصدرها مكتب الاستشارات القانونية بوزارة العدل لتبرير الضربات)، والاستخبارات عبر التحالفات السرية مثل "تحالف العيون الخمس"، إنها استعادة للهيمنة عبر إعادة تعريف العدو نفسه، حيث يصبح أي معارض للنفوذ الأمريكي، بغض النظر عن هويته، تلقائياً جزءاً من "حرب المخدرات" العالمية، والعالم يشهد ولادة نموذج هيمنة جديد: حرب بلا إعلان، وعدالة بلا محاكمة، وقانون يُفصَّل على مقاس القوة لا لردعها.

وفي اللحظة التي أُخلي فيها المجمع الرئاسي في كاراكاس، لم تُخطف شخصية نيكولاس مادورو فحسب، بل انهار معها إطار كامل للسلطة بقي عشرين عاماً، وترك اختفاء "الزعيم الأعلى" للثورة البوليفارية فراغاً هائلاً، لكنه كشف بالمقابل عن شبكة معقدة من العلاقات والبقاء الذاتي التي حافظت على كيان النظام وتماسكه الداخلي، على الأقل في الساعات الأولى التي تلت الصدمة، وعلى عكس السيناريوهات المتوقعة لانفراط عقد النظام، تشير تسريبات من دوائر استخباراتية أوروبية إلى أن آلية الطوارئ في الدولة نجحت، إلى حد مذهل، في احتواء الصدمة الأولية، وفي أقل من ساعة، تجمعت النخبة الحاكمة المتبقية، بقيادة نائبة الرئيس ديلسي رودريحيز، ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز، ووزير الخارجية، في موقع آمن، ولم يكن الاجتماع للجدال حول الخلافة، بل كان لاتخاذ قرارين استراتيجيين فوريين: الأول هو إصدار بيان تلفزيوني موحد يعلن أن مادورو لايزال "الرئيس الشرعي الوحيد" ويُظهر تماسك الجبهة الداخلية، والثاني والأكثر سرية، تفعيل ما يُعرف بخطة الدفاع عن السيادة الوطنية، وهي بروتوكول طوارئ شامل كان النظام يعدُّ له منذ شهور.

وتضمنت هذه الخطة السرية، وفقاً لمعلومات استخباراتية، إجراءات مثل تأمين مراكز القيادة الرئيسية، وتفعيل قنوات اتصال بديلة مع القادة العسكريين في الميدان، وإصدار تعليمات مشفرة لوحدات الجيش والحرس الوطني بالبقاء في ثكناتها ورفض أي أوامر لا تصدر عن قيادة الأركان، والأهم من ذلك كان هناك توجيه سري للمؤسسات الإعلامية الموالية بالبدء في بث رسائل محددة على موجات الراديو والتلفزيون، تتحدث عن "العدوان الإمبريالي" و"الحفاظ على الوحدة"، وذلك للحفاظ على سيطرة سردية على الرأي العام المحلي الذي كان على وشك الانفجار.

وتكشف المصادر أن واشنطن نفسها كانت تعلم أن استقرار الوضع في فنزويلا لا يعتمد على وجود دبابات أمريكية في الشوارع، بل على تعاون القيادة المتبقية، وكما أشار المسؤول السابق بوزارة الخارجية الأمريكية توماس واريك، فإن التخطيط لمرحلة ما بعد مادورو سبق العملية العسكرية بأسابيع، وكان من بين السيناريوهات المطروحة العمل مع رودريجيز رغم ولائها المعروف للنظام القديم، على أمل حدوث تحولات سياسية، وتشير التسريبات إلى أن اتصالات سرية وغير مباشرة بدأت عبر قنوات أوروبية وأمريكية ثانوية في الساعات الأولى، حيث طالبت واشنطن بشكل أساسي بضمانات بعدم إطلاق أي هجمات انتقامية ضد المصالح الأمريكية، وضمان استمرار تدفق محدود للنفط لبعض الحلفاء، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأمني.

من جهتها، كانت رودريجيز تقدم نفسها كشريك براجماتي مضطر، ففي العلن أعلنت أن فنزويلا "لن تكون مستعمرة" وطالبت بالإفراج الفوري عن مادورو، ولكن في الخفاء - كما يرجح المحللون - كانت رسالتها لواشنطن تقول: "يمكنني منع البلاد من الانزلاق إلى فوضى كاملة تعقِّد عليكم كل شيء، لكنني بحاجة إلى هامش تحرك وعدم إذلال علني"، وصرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن واشنطن ستقيِّم القيادة الجديدة على أساس أفعالها لا أقوالها، في إشارة واضحة إلى هذه المعادلة الهشة.

وبينما الأرض تهتز تحت الأقدام، فالشارع الفنزويلي بين الأمل المرتاب والخوف من المجهول، اندلعت الاحتفالات تلقائياً في أحياء كاراكاس التي تقليدياً صوتت للمعارضة، حيث رأى كثيرون في سقوط مادورو خلاصاً من عقد من الانهيار الاقتصادي والنزوح الجماعي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون علق على هذه المشاعر قائلاً إن الفنزويليين "لا يمكنهم سوى أن يبتهجوا" بنهاية ما وصفه "ديكتاتورية مادورو"، لكن هذه الاحتفالات كانت محفوفة بالقلق والحذر، حيث تساءل الكثيرون: "من سيأتي بعد؟ وهل ستكون الأزمة المعيشية أهون؟".

في المقابل، ساد صمت ثقيل في المعاقل التقليدية للنظام والمناطق الشعبية التي استفادت من برامج الدعم الاجتماعي في عهد تشافيز ومادورو، فالقلق هنا لم يكن من فقدان الزعيم فقط، بل من فقدان هوية سياسية كاملة ونظام حماية، والتقديرات تشير إلى أن هذه القاعدة لا تزال تمثل ما لا يقل عن 20-25% من السكان، وهي كافية لإشعال احتجاجات عنيفة رافضة لأي حكومة تُرى كدمية أمريكية، وتكمن الخطورة الحقيقية في أن أي تصعيد للاحتجاجات قد يتحول بسرعة إلى مواجهات بين هذين المعسكرين في الشارع، خاصة مع وجود تقارير سابقة عن توزيع أسلحة خفيفة على مجموعات مدنية موالية للنظام في إطار الاستعدادات "للغزو".

والعامل الأكثر حسمًا في هذه المعادلة هو الجيش (المؤسسة العسكرية)، فالنظام البوليفاري، على مدار عقدين، دمج الجيش بشكل عميق في هياكل الدولة والاقتصاد عبر منح كبار الضباط مناصب إدارية وسيطرة على قطاعات تجارية، وهذا التزاوج بين السلطة والمصلحة جعل ولاء الجيش مشروطاً باستمرار النظام كنظام، وليس بالضرورة بشخص مادورو، والاستعراض الأولي للوحدة، بوجود وزير الدفاع بجانب رودريجيز، كان رسالة مزدوجة: للداخل ولواشنطن، وهو يوضح أنه بينما قد يقبل القادة العسكريون بقيادة رودريجيز المؤقتة كحل عملي لمنع الفوضى، فإن أي محاولة أمريكية لنزع سلاحهم أو تفكيك شبكات مصالحهم، أو أي مساع من المعارضة التقليدية لتطهير المؤسسة، ستواجه على الأرجح مقاومة صامتة أو حتى علنية، وخبير مجموعة الأزمات الدولية فيل جونسون لخص الموقف بالقول: "أي تصور لإدارة المرحلة الانتقالية يظل مرهوناً بموقف الجيش الفنزويلي، فغياب الدعم العسكري يجعل من الصعب على أي طرف إدارة البلاد".

والوضع الحالي هو حالة من "الجمود الهش"، متاهة بلا مخرج واضح، رودريجيز تحكم بدعم الجيش، وواشنطن تترقب وتضغط من بعيد عبر العقوبات والنفوذ النفطي، والمعارضة التقليدية، بزعامة ماريا كورينا ماتشادو والتي تطالب بتسليم السلطة لمرشحها إدموندو غونزاليس، وجدت نفسها في موقف محرج: فبالرغم من تحقيق حلمها بإسقاط مادورو، إلا أن الوسيلة (العدوان الأمريكي) تجعل أي حكومة تشارك فيها عرضة لاتهامات بالخيانة والعمالة من البداية، وهذا بالضبط ما حذَّر منه تحليل لمركز السياسة الأوروبية، بأن فنزويلا أصبحت "مفرغة سياسياً"، وأي شخصية معارضة تظهر الآن يمكن أن "تُوصف على الفور بأنها وكيلة للولايات المتحدة".

وهكذا تقف فنزويلا على حافة الهاوية، فالشعب منقسم بين أمل منهك وخوف من المجهول، والسلطة بيد قيادة مؤقتة تمشي على حبل مشدود بين مقاومة الابتزاز الأمريكي والقبول بالواقع المفروض، والمؤسسة العميقة (الجيش والدولة) تحمي مصالحها في صمت، والنتيجة هي مشهد من عدم الاستقرار المزمن، حيث تهدد أي شرارة صغيرة، سواء كانت احتجاجاً عنيفاً أو قراراً أمريكياً خاطئاً، بإشعال حريق يصعب إخماده، ليس في فنزويلا وحدها، بل في كل منطقة تعيش في قلق من أن تكون "فنزويلا" القادمة.

المخاطر والتحديات المستقبلية 

يوم انتصرت فيه القوة الغاشمة على القانون، فانكشف العالم بلا قواعد، فنجاح العملية العسكرية الأمريكية في اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، رغم دقته التقنية المُلفتة، لم يكن سوى الفتيل الذي أشعل مجموعة متفجرات متراكمة، فالعالم لا يواجه فقط أزمة في فنزويلا، بل يشهد لحظة تحول تاريخية حيث ينهار مبدأ السيادة - حجر الزاوية في النظام الدولي منذ معاهدة وستفاليا - تحت وطأة القوة الأحادية، والمخاطر المترتبة ليست افتراضية؛ إنها عملية، وشاملة، وستعيد تشكيل المشهد الجيوبوليتيكي لعقود قادمة.

1. الفوضى المُدبَّرة: حين تتحول الدولة إلى ساحة حرب عصابات عالمية، فيكمن الوهم الأكبر في الاعتقاد بأن إزاحة رأس النظام تعني إزالة النظام نفسه، والحقيقة كما يحذر الخبراء، هي أن فنزويلا قد تنزلق إلى فوضى أعمق، فالنظام لم يكن مبنياً على شخص مادورو فحسب، بل على تحالفات معقدة مع شبكات مسلحة لها مصلحة راسخة في استمرار الفوضى، ويشير محللون إلى أن سقوط مادورو قد "يمكِّن" الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، والتي تشمل جماعات حرب عصابات كولومبية مثل جيش التحرير الوطني (ELN)، وعصابات إجرامية منظمة مثل "ترين دي أراغوا"، وميليشيات "الكولكتيفوس" المدنية المسلحة الموالية للحكومة السابقة، وهذه الجماعات التي كانت تتعايش مع النظام ضمن اتفاقات هشة، ستتصارع الآن على مناطق النفوذ والموارد - خاصة طرق تهريب المخدرات - في غياب سلطة مركزية قادرة على فرض النظام، وأي محاولة من قبل إدارة أمريكية أو حكومة انتقالية لنزع سلاح هذه الشبكات أو تفكيك اقتصادها الموازي، ستواجه بمقاومة مسلحة شرسة، مما يحول المدن إلى ساحات معارك على غرار سيناريوهات العراق وليبيا، لكن بطبقة إضافية من التعقيد تتمثل في الطبيعة العابرة للحدود لهذه الجماعات.

* الأزمة الإنسانية: كارثة مركبة تدفع بموجة هجرة غير مسبوقة، فلم تخلق العملية العسكرية الأزمة الإنسانية، لكنها ضختها بالستيرويدات، ففنزويلا التي عانت أصلاً من انهيار اقتصادي دفع بنحو 8 ملايين شخص (ما يزيد عن ربع السكان) إلى النزوح، تقف الآن على حافة كارثة كاملة، فأي اضطراب في التوزيع المحدود أصلاً للغذاء والدواء، أو تصعيد للعنف، سيدفع بمئات الآلاف - إن لم يكن الملايين - إلى الحدود، ودول الجوار مثل كولومبيا والبرازيل، التي استوعبت العبء الأكبر من الأزمة سابقاً، تعاني هي نفسها من أوضاع اقتصادية وسياسية هشة، وموجة الهجرة الجديدة ستثقل كاهل بنيتها التحتية وتُشعل توترات اجتماعية قد تتفجر إلى نزاعات إقليمية، والأكثر إثارة للقلق هو أن واشنطن، بفرضها "إدارة" البلاد واستمرارها في حظر النفط الفنزويلي، تخلق مفارقة قاتلة: فهي تزعم العمل من أجل "استقرار" الشعب، بينما سياساتها تُعمق أساس الأزمة التي تدفع الناس إلى الفرار.

* السابقة الأكثر خطورة: نهاية عصر السيادة وبداية قانون الغاب الدولي، وهنا يكمن الخطر الأعظم الذي يتجاوز فنزويلا وأمريكا اللاتينية، فالعملية وضعت "سابقة خطيرة" بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كما وصفها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش صراحة، فلقد قامت واشنطن، من خلال استخدام ذريعة "مكافحة المخدرات"، بتطبيع نموذج جديد للعلاقات الدولية: "اختطاف رئيس دولة ذات سيادة من عاصمته ومحاكمته في محاكم دولة أخرى"، وهذه ليست مجرد مخالفة للقانون الدولي؛ إنها تحطيم متعمد لأساسه، والرسالة الموجهة للعالم، وخاصة للصين وروسيا، واضحة: القوة العسكرية المتفوقة والحصانة السياسية هي الآن البديل عن ميثاق الأمم المتحدة، ولم يعد السؤال "هل ستستفيد موسكو أو بكين من هذه السابقة في أوكرانيا أو مضيق تايوان؟"، بل "متى ستفعل ذلك؟ وبأي ذريعة ستلائم مصالحها؟"، فالنظام الدولي القائم على القواعد دخل مرحلة احتضار، وحل محله منطق الغاب حيث يملك الأقوى الحق في إعادة تعريف الشرعية والقانون حسب أهوائه. 

وتكشف معلومات استخباراتية أوروبية وأمريكية عن شرخ عميق حتى داخل المشروع الأمريكي نفسه:

1. معارضة من داخل الجهاز الأمريكي: استقال الأميرال ألفين هولسي، قائد القيادة الجنوبية الأمريكية، في أكتوبر 2025 احتجاجاً على "توترات سياسية حقيقية" مع وزير الدفاع بيت هيجسيث حول استراتيجية فنزويلا والمخاوف القانونية للضربات الجوية، كما أُقيل مسؤولون استخباراتيون رفيعو المستوى بعد أن أصدرت 18 وكالة استخبارات أمريكية تقريراً جماعياً ينفي وجود "كارتل الشموس" كمنظمة موحدة ويخالف الرواية الرسمية حول تورط مادورو المباشر.

2. تمرد الحلفاء الاستخباراتيين: بدأت دول أوروبية مثل المملكة المتحدة وفرنسا وهولندا في "تقليص تبادل المعلومات الاستخباراتية" مع واشنطن بشكل استباقي، خشية أن تُستخدم بياناتها لتوجيه ضربات أحادية الجانب وغير قانونية قد تهدد مصالحها أو أقاليمها في الكاريبي، وهذا التباعد في "التحالف الاستخباراتي الغربي" هو مؤشر نادر على مدى الصدمة الأخلاقية والقانونية التي أحدثتها العملية حتى بين أقرب الحلفاء.

3. ذرائع واهية: تشير تقييمات استخباراتية إلى أن 90% من الكوكايين الذي يدخل الولايات المتحدة يأتي عبر المكسيك، وليس فنزويلا، وأن فنزويلا لا تنتج الفنتانيل أصلاً، والضربات الجوية السابقة ركزت على ممر مائي بين فنزويلا وترينيداد تستخدمه بالأساس الماريجوانا والكوكايين المتجه إلى أوروبا وغرب أفريقيا، وليس إلى الولايات المتحدة.

والخلاصة التي تفرض نفسها هي أن العالم يقف عند منعطف، ففنزويلا قد تكون الحقل التجريبي، لكن الدروس المستفادة - تفكك الدول، وتدهور الأوضاع الإنسانية، وانهيار النظام القانوني الدولي - ستطال كل ركن وكل زاوية في العالم، والعملية لم تنتصر على مادورو فحسب؛ لقد انتصرت ولو مؤقتاً، على فكرة أن هناك قواعد تحكم العالم، والسؤال الآن: هل سيستسلم المجتمع الدولي لهذا الواقع الجديد، أم سيشهد صحوة متأخرة لمحاولة إعادة تأكيد سلطة القانون على منطق القوة الصرفة؟ فالتاريخ يسجل أن السوابق التي وضعتها القوى العظمى يصعب محوها، وغالباً ما يدفع ثمنها الأبرياء والدول الصغيرة لقرون قادمة.

مستقبل النفوذ: إعادة رسم خريطة العالم في عصر القوة الصريحة

إن عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لم تكن مجرد حدث استثنائي؛ لقد كانت لحظة "انكشاف المُطلَق في قلب الزمن"، فالحقيقة الجيوبوليتيكية ستفرض إعادة تعريف شاملة لمعادلات النفوذ والصراع في القرن الحادي والعشرين، فالعملية لا تمثل فقط ذروة تصاعد الأجندة الأحادية للإدارة الأمريكية، بل تطلق العنان لردود فعل مضادة ستشكل عالماً أكثر استقطاباً وأقل استقراراً، حيث تصبح الحروب بالوكالة والمواجهات المباشرة بين القوى العظمى احتمالات ملموسة وليست نظريات أكاديمية.

أولاً: اختراق السيادة.. العودة إلى "الفناء الخلفي" بقوة الحديد والنار بعد عقود من التراجع النسبي للنفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية لصالح كل من الصين وروسيا، تمثل العملية في فنزويلا إعلاناً صريحاً عن عودة "عقيدة مونرو" في نسختها الأكثر عدوانية وعنفاً، والرسالة التي بعثتها واشنطن إلى كوبا ونيكاراغوا وبوليفيا ودول المنطقة واضحة: أي تعاون عسكري أو أمني مع من تُصنفهم واشنطن "بالأعداء" سيواجه ليس فقط بعقوبات اقتصادية، بل بخيار التدخل العسكري المباشر والتغيير القسري للنظام، وهذا النموذج الجديد يحوِّل المنطقة بأكملها إلى ساحة اختبار لنظرية "الصدمة والترهيب" الأمريكية، مما يخلق واقعاً من الخوف والترقب بين الحلفاء والخصوم على حد سواء، ووفقاً لتسريبات من دوائر استخباراتية أوروبية، فإن الخطوة الأمريكية قد دفعت دولاً مثل كوبا ونيكاراغوا إلى تسريع مفاوضاتها مع موسكو من أجل ضمانات أمنية أقوى، بما في ذلك احتمال نشر أنظمة دفاعية متقدمة على أراضيها، في خطوة ستجعل من أي عملية أمريكية مستقبلية ضدها أكثر كلفة وخطورة.

ثانياً: التصعيد بين العمالقة.. فردود الفعل من موسكو وبكين لم تكن دبلوماسية فحسب، بل تحمل في طياتها تهديدات عملية، فالعمليات الاستخباراتية الروسية، وفقاً لمصادر استخبارات أوروبية، تنتقل إلى حالة تأهب عالٍ، مع تكثيف جمع المعلومات حول القدرات الأمريكية في المنطقة والبحث عن نقاط ضعف، والأكثر خطورة، أن موسكو قد ترد بطريقة غير مباشرة ولكنها مؤثرة، من خلال تسريع تسليح وتعزيز قدرات الحلفاء المناهضين لأمريكا في سوريا أو إفريقيا، أو حتى عبر شن هجمات إلكترونية استباقية ضد البنية التحتية الحيوية الأمريكية، أما الصين التي استثمرت مليارات الدولارات في فنزويلا عبر قروض مضمونة بالنفط، فترى في العملية سابقة تهدد استثماراتها ومصالحها في كل مكان، وتقييمات استخباراتية غربية تشير إلى أن بكين قد تضاعف دعمها العسكري والاستخباراتي لأنظمة معادية لواشنطن، وتسرِّع خططها لتعزيز قدراتها البحرية بعيدة المدى لحماية مصالحها، مما يؤدي إلى تسريع وتيرة سباق التسلح العالمي، وهذا ما أكده بشكل غير مباشر تقرير سري لجهاز الاستخبارات الأوروبي (إنتليجنس) حذر من أن "فنزويلا قد تكون الشرارة التي تدفع روسيا والصين لإنشاء تحالف استخباراتي وعسكري رسمي مضاد للناتو، يقلب موازين القوى الإستراتيجية".

ثالثاً: فخ ترامب.. عندما يكون "النجاح" العسكري مقدمة لفشل إستراتيجي يكمن التحدي الوجودي للإدارة الأمريكية في المفارقة التي أوقعت نفسها فيها، فبينما حققت العملية "نجاحاً تكتيكياً" مذهلاً في الاعتقال، إلا أنها خلقت مستنقعاً إستراتيجياً قد يستنزف هيبة أمريكاوقوتها، ومقولة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول الشهيرة؛ "قاعدة بوتيري بارن، هي: إذا كسرتها، فعليك إصلاحها"، وتطبق الآن بحذافيرها على ترامب، فالعملية العسكرية السريعة انتهت، لكن المعركة الحقيقية - معركة إعادة بناء دولة محطمة، ونزع سلاح شبكات مسلحة، وترميم اقتصاد منهار، وكسب ثقة شعب مشتت - بدأت للتو.

والفشل في تحقيق استقرار مقبول في فنزويلا، وتحولها إلى دولة فاشلة تشبه ليبيا أو الصومال، سيكون وصمة عار في سجل ترامب وتهديداً مباشراً لأمن الولايات المتحدة بسبب موجات الهجرة والجريمة العابرة للحدود والإرهاب المحتمل، ولكن "النجاح" أيضاً يحمل ثمنه الباهظ: فهو سيتطلب استثماراً مالياً وسياسياً وعسكرياً هائلاً ومفتوحاً، وسيربط أمريكا بإدارة مستعمرة بحكم الأمر الواقع، في انقلاب كامل للرواية التي باعها ترامب لناخبيه عن "إنهاء الحروب الأبدية"، وتقارير من داخل البنتاجون، كما أشارت صحيفة "وول ستريت جورنال"، تشير إلى قلق القادة العسكريين من تحول فنزويلا إلى "مصيدة استنزاف" جديدة، تشتت الموارد عن المواجهة مع الصين وروسيا.

والخلاصة حول مستقبل النفوذ؛ أن العالم أصبح جديد، والقواعد جديدة، والمخاطر غير مسبوقة، باختصار فنزويلا لم تعد مجرد أزمة داخلية أو إقليمية، لقد أصبحت حقل تجارب للمستقبل الجيوبوليتيكي للعالم، والعملية كسرت حاجز الخوف من انتهاك السيادة بالقوة العسكرية الصرفة، وأطلقت سباقاً محموماً بين القوى العظمى لإعادة ترسيم مناطق النفوذ، والعالم يقفز من نظام دولي قائم على قواعد - وإن كانت هشة - إلى نظام يعيد إنتاج منطق "الحق للأقوى" في القرن التاسع عشر، لكن بأسلحة القرن الحادي والعشرين المدمرة، والسؤال الآن ليس ما إذا كانت التوترات ستتصاعد، بل أين ومتى ستتفجر المواجهة التالية التي ستجعل من أزمة فنزويلا مجرد مقدمة لعصر أكثر اضطراباً وعنفاً، فلقد اختفت مساحيق التجميل الدبلوماسية، وها هي القوة العارية تعلن عن نفسها كالحاكم الوحيد للمرحلة القادمة من تاريخ البشرية.

وختاماً، لقد تجلّى عُري الهيمنة في مشهد مادورو المُكبَّل، فلم تكن هذه مجرد ضربة عسكرية، بل كانت كشفاً صادماً للعورة الجيوبوليتيكية للقرن الحادي والعشرين: تحوُّل القوة الأعظم من حارسة لنظامها إلى مُهدمته، مسقطةً القناع القانوني لتُظهر فلسفة القوة الصِرفة، فلم تصمد ذرائع "حرب المخدرات" أمام الحقائق: فتحالُف 18 وكالة استخبارات أمريكية نفى أسطورة "كارتل الشموس"، وكشف تجاهل الكونغرس زيفَ الحجج الدستورية، فالهدف الحقيقي كان النفط والسيادة معاً، في إحياء سافر لعقيدة مونرو بمنطق البلطجة العالمية، والأشد مرارةً أن "تغيير النظام" كشف عن تناقضه الذاتي: فالتخطيط السري لتثبيت نائبة مادورو، ديلسي رودريجيز، كبديل "عملي"، هو اعتراف بأن العملية أطاحت برأس النظام لتتعامل مع جسده الفاسد ذاته، محوِّلةً "التحرير" إلى وصاية مكشوفة.

وهنا تقف الإنسانية على مفترق وجودي، يهددنا مسارٌ يسود فيه قانون الغاب، حيث تذوب سيادة الضعيف وتصبح عمليات الاختطاف السياسي سابقة عالمية، لتتحول فنزويلا إلى نموذج لأي دولة تعترض مصالح القوى، أما المسار البديل، الأصعب والأكثر نبلاً، فيتطلب صحوة أخلاقية جماعية لإعادة صياغة عقد اجتماعي دولي جديد، يكون فيه للقانون معنى وللضعيف مكانة، ويعود فيه ميثاق الأمم المتحدة إطاراً ملزماً لا شكلاً بلا روح، وهذه ليست نهاية قصة، بل شرارة عصر الفوضى المنظمة، والمعركة التي بدأت في فنزويلا هي معركة الوجود السياسي نفسه: بين منطق القوة المطلقة، وقوة القانون والضمير الإنساني الجامع، فاختيارنا كشعوب الأرض سيحدد إن كنا سنسلم عالمنا لقانون الغاب، أم نصنع نظاماً تكون فيه الإنسانيةُ، لا القوةُ، هي المعيار الأعلى.
--------------------------------
بقلم: 
أحمد حمدي درويش

مقالات اخرى للكاتب

تحالفات متقاطعة: نحو هندسة جديدة للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط (1-3)