في مختبرات متفرقة حول العالم، تُغلف البذور اليوم بطبقات لا تُرى بالعين المجردة. طبقات لا يتجاوز سمكها جزءًا من مليار جزء من المتر، لكنها قادرة – بحسب دراسات علمية – على رفع نسب الإنبات، تقليل استهلاك المياه، ومساعدة النبات على مقاومة الأمراض والملوحة. هذه التقنية تُعرف باسم الطلاء النانوي - الحيوي للبذور (Nanobiocoat)، ويصفها بعض العلماء بأنها «نقطة التحول القادمة في الزراعة».
لكن السؤال الاستقصائي الأهم هو: إذا كانت هذه التقنية واعدة إلى هذا الحد، فلماذا لا نراها في حقول مصر وإفريقيا حتى الآن؟
البذرة… الحلقة الأضعف في الأمن الغذائي
تشير بيانات منظمات دولية إلى أن ما بين 20% إلى 30% من البذور المزروعة عالميًا لا تنجح في الإنبات. في دول تعاني من شح المياه وملوحة التربة – مثل مصر – ترتفع هذه النسبة في بعض المناطق.
البحوث في علوم التربة يخرج منها النافع من بكتيريا حول الجذور. ففي علوم التربة : “نحن نخسر المحصول قبل أن يبدأ. المشكلة ليست في السماد أو الري فقط، بل في أن البذرة تدخل المعركة ضعيفة”. من هنا جاءت فكرة التدخل في أول لحظة من حياة النبات.
ما الذي تعد به التكنولوجيا؟
الطلاء النانوي- الحيوي ليس مبيدًا جديدًا، ولا سمادًا تقليديًا، بل نظام حماية متكامل يوضع على البذرة قبل زراعتها.
وفقًا لأبحاث منشورة في مجلات دولية محكّمة: - ارتفعت نسب الإنبات في بعض المحاصيل من نحو 65% إلى أكثر من 90%. - تحسنت قوة الجذور ومقاومة الإجهاد المائي والملحي. - انخفضت الحاجة إلى الري الأولي والأسمدة في الأسابيع الأولى.
واللافت أن هذه النتائج تحققت باستخدام مواد طبيعية مثل الكيتوزان المستخلص من القشريات، وبكتيريا نافعة، و جسيمات نانوية حيوية بديلة للكيماويات الثقيلة من النباتات الطبية مثل نبات النيم.
أين تقف مصر علميًا؟
على الورق، تمتلك مصر كل المقومات: - مراكز بحثية كبرى مثل مركز البحوث الزراعية والمركز القومي للبحوث و مدينة مصر العلمية ومركز بحوث الصحراء.. بجانب الجامعات المصرية والخاصة والاجنبية - آلاف الباحثين في علوم النبات والتربة. - تنوع بيئي يسمح بإجراء تجارب حقلية واسعة.
وتوجد بالفعل أبحاث مصرية منشورة عن النانو الزراعي. لكن ماتم تحقيقه من هذه البحوث يكشف فجوة واضحة بين المعمل والحقل.
في إحدى الجامعات الحكومية توضح: “ننجح في تحضير المادة النانوية، وننشر البحث، ثم تتوقف القصة. لا توجد آلية لتحويل ما نفعله إلى منتج”.
الفجوة الخفية: من البحث إلى السوق
تكشف مقابلات مع مختصين أن العوائق ليست علمية بقدر ما هي: - بيروقراطية تنظيمية: لا توجد مسارات واضحة وسريعة لتسجيل منتجات نانوية زراعية. - ضعف التمويل التطبيقي: التمويل يذهب للنشر العلمي لا للتجارب الحقلية الواسعة. - غياب المستثمر المتخصص: رأس المال الجريء يفضل التطبيقات الرقمية لا الزراعة العميقة. - انفصال الباحث عن المزارع: نادرًا ما يُبنى البحث انطلاقًا من مشكلة حقلية حقيقية.
إفريقيا: الحاجة أكبر من الجميع
في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث يعتمد ملايين المزارعين على الأمطار غير المنتظمة، تبدو هذه التقنية مناسبة نظريًا. لكن الواقع يكشف تحديات أخرى: - ضعف شبكات التوزيع. - ارتفاع السعر الأولي للبذور المعالجة. - نقص برامج الإرشاد الزراعي. ورغم ذلك، بدأت بعض المبادرات الدولية في اختبار نماذج مثل “الدفع حسب النتيجة”، حيث لا يدفع المزارع إلا إذا تحسن محصوله.
سؤال السلامة: هل النانو آمن؟
يطرح بعض المنتقدين مخاوف حول استخدام المواد النانوية في الزراعة. غير أن أغلب الأبحاث الحديثة تميّز بين: - النانو الكيميائي التقليدي - والنانو الحيوي المصنوع من مواد قابلة للتحلل
ويؤكد باحثون أن الجرعات المستخدمة في طلاء البذور أقل بكثير من أي استخدام زراعي آخر، لكنهم يشددون في الوقت نفسه على ضرورة وجود تشريعات واضحة ودراسات طويلة المدى.
هل تضيع الفرصة؟
هنا نشير إلى مفارقة لافتة: الدول التي تعاني أكثر من أزمة غذاء ومياه، هي الأبطأ في تبني هذه التقنيات.
وعلم الاقتصاد الزراعي يلخص المشهد: “لسنا متأخرين علميًا، نحن متأخرون تنظيميًا واستثماريًا. الفكرة موجودة، والعقول موجودة، لكن الحلقة المفقودة هي القرار”.
الخلاصة: ثورة مؤجلة؟
الطلاء النانوي- الحيوي للبذور لا يعد بمعجزات، لكنه يقدم تحسينًا حقيقيًا في أكثر مرحلة حساسة من الزراعة.
السؤال الذي يطرحه هذا الموضوع ليس: هل تنجح التقنية؟ بل: هل نمتلك الشجاعة المؤسسية لتحويلها من بحث منشور إلى بذرة مزروعة؟
حتى ذلك الحين، ستبقى “العباءة الذكية” حبيسة المعامل،
بينما تخوض البذور معركتها وحدها تحت التراب.
-----------------------------------
إيهاب محمد زايد







