10 - 01 - 2026

تأملات في مأزق العقل الألماني بين الذات والعالم: "الأنانية في الفلسفة الألمانية" بالقومي للترجمة

تأملات في مأزق العقل الألماني بين الذات والعالم:

في هذا الكتاب الإشكالي شديد الكثافة، لا يتعامل الفيلسوف الأمريكي جورج سانتيانا مع الفلسفة الألمانية بوصفها سلسلة من المذاهب المتعاقبة، بل يقرأها باعتبارها حالة فكرية مكتملة، تشكّلت حول سؤالٍ واحد ظلّ يلح على العقل الأوروبي: سؤال الذات، وحدودها، وعلاقتها بالعالم.

في كتاب "الأنانية في الفلسفة الألمانية"، الصادر حديثًا في طبعته العربية عن المركز القومي للترجمة برئاسة الدكتورة رشا صالح، وبترجمة كرم أبوسحلي، يتتبّع سانتيانا مسار فكرة الأنانية كما تسلّلت إلى صلب الفلسفة الألمانية، من جوته الذي رأى في الذات طاقة خلاقة، إلى كانط الذي أعاد بناء العالم من داخل الوعي، وصولًا إلى شوبنهاور ونيتشه حيث تبلغ الأنا ذروتها المأزومة، بين الإرادة والعدمية وإرادة القوة.

يقدّم سانتيانا هذا المسار بوصفه تطورًا طبيعيًا للأفكار، بل بوصفه انزلاقًا تدريجيًا نحو فلسفة متعالية على الواقع، يرى أنها استبدلت العالم الحيّ ببناءات ذهنية مغلقة، وأنتجت نظريات معقّدة ومتناقضة أحيانًا عن الوعي والحرية والوجود. ومن هنا، تصبح "الأنانية" لديه أداة تحليلية حادة، لا لوصف نزعة نفسية، بل لتفكيك منطقٍ فلسفيّ جعل من الذات معيارًا للحقيقة، ومركزًا للكون.

ويمتد تحليل الكتاب إلى السياق التاريخي والثقافي الذي احتضن هذه النزعة، كاشفًا كيف غرست الفلسفة الألمانية في نفوس أبنائها حالةً من التوتر والاغتراب الفكري، وكيف ترك هذا الإرث أثره العميق في تيارات فلسفية لاحقة، مثل الوجودية والظاهراتية، التي واصلت الاشتباك مع سؤال الذات، وإن بأدوات مختلفة.

وبلغة تجمع بين الصرامة الفلسفية وسلاسة العرض، يقدّم سانتيانا نصًا لا يكتفي بنقد الفلسفة الألمانية، بل يضع القارئ أمام مرآة الفكر ذاته، متسائلًا:

ماذا يحدث حين يصبح التفكير انشغالًا دائمًا بالأنا؟

وحين تتحوّل الفلسفة من بحثٍ عن العالم.. إلى إقامة طويلة داخل الذات؟

كتاب لا يُقرأ بوصفه تاريخًا للأفكار فحسب، بل بوصفه محاكمة هادئة للعقل حين يفتتن بنفسه،

ويضلّ طريقه وهو يحدّق في صورته.