في السنوات الأخيرة، تصاعد الحديث داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية في مصر حول مستوى إجمالي الدين العام (داخليًا وخارجيًا) ووصوله إلى مستويات قياسية من حيث القيمة الإجمالية ونسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي. هذه الظاهرة تُعد من أبرز الملفات الاقتصادية التي تواجه البلاد اليوم، لما لها من تأثيرات عميقة على الاستقرار المالي، وتخصيص الموارد، واتخاذ السياسات الاقتصادية والسياسية.
تشير بيانات رسمية ونشرات اقتصادية حول حجم الدين العام ومستواه مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي إلى أن نسبة الدين العام الكلي للحكومة المصرية من الناتج المحلي الإجمالي تتراوح حول 84–86٪ في 2025، بانخفاض طفيف بعد أن تجاوزت 90٪ في السنوات السابقة. وفق بيانات صندوق النقد الدولي، بلغت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي حوالي 84.5 % في 2025 بعد أن كانت قرابة 90.8 % في 2024. تركز هذه النسبة على إجمالي كل من الدين الداخلي والخارجي، مما يعكس الضغط المالي على الموازنة العامة. أما بالنسبة إلى الدين الخارجي فقط، فقد ارتفع ليصل إلى نحو 161.2 مليار دولار بنهاية 2025، وهو ما يمثل حوالي 44.2 % من الناتج المحلي. هذه الأرقام رغم أنها تعتبر “قابلة للإدارة” من منظور بعض الاقتصاديين، إلا أنها تظل مرتفعة في ظل أعباء خدمة الدين واحتياجات الإنفاق الأخرى.
لماذا لجأت الحكومة المصرية إلى الاقتراض؟
يُعد هذا السؤال مدخلًا تحليليًا لفهم مسار السياسات المالية التي تبنّتها الدولة المصرية خلال السنوات التي أعقبت ثورة يناير2011، لجأت الحكومة المصرية إلى الاقتراض في أعقاب عام 2011 بدوافع متعددة، ارتبطت في مجملها بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي أعقبت الثورة، فقد أسفرت الثورة وما تبعها من حالة عدم استقرار سياسي واقتصادي عن تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي وتراجع الاستثمارات المحلية والأجنبية، الأمر الذي انعكس سلبًا على الإيرادات العامة للدولة. ونتيجة لذلك، تصاعد الضغط على المالية العامة، ما دفع الحكومة إلى الاعتماد على الاقتراض كأداة رئيسة لتمويل عجز الموازنة وتأمين السيولة اللازمة للوفاء بالالتزامات الحكومية، لا سيما الإنفاق الجاري مثل الأجور والدعم، إلى جانب ذلك، شكّلت أعباء دعم الطاقة والسلع الأساسية والخدمات، عاملًا ضاغطًا مستمرًا على الموازنة العامة للدولة. فقد استمر هذا الدعم لسنوات طويلة، وكذا التوسع في مشروعات البنية الأساسية. أضف الي هذا المسار التحديات الهيكلية التي ورثتها السياسات الاقتصادية في مرحلة ما قبل عام 2011. مما أدى إلى اتساع فجوة العجز المالي، ودفع الحكومة إلى اللجوء المتزايد للاقتراض، سواء من خلال أدوات الدين المحلي أو عبر الاقتراض الخارجي من المؤسسات الدولية والدائنين الأجانب وأسهمت هذه الأعباء في تقليص قدرة الدولة على إعادة توجيه الموارد المالية نحو القطاعات الإنتاجية والاستثمارية القادرة على دعم النمو الاقتصادي المستدام على المدى الطويل.
الأمن القومي والإنفاق العسكري
في سياق أوسع، لا يمكن النظر إلى ملف الدين العام بمعزل عن المتغيرات الإقليمية التي تواجهها مصر على حدودها. فبحكم موقعها الجغرافي الفريد وتعدد حدودها البرية والبحرية مجموعة معقدة من التهديدات الإقليمية، التي تفرض عليها تحديات أمنية متواصلة. وتمتد هذه التهديدات من عدم الاستقرار السياسي في دول الجوار، إلى الإرهاب العابر للحدود، وصولًا إلى حماية المصالح الاقتصادية الحيوية. وفي هذا السياق، يصبح الإنفاق العسكري ضرورة استراتيجية تهدف أساسًا إلى الدفاع عن الدولة والحفاظ على استقرارها، وليس إلى تبني سياسات هجومية.
الحدود الغربية مع ليبيا: تمثل حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني في ليبيا مصدر قلق رئيسي لمصر، حيث تنتشر الميليشيات المسلحة وتزداد مخاطر تهريب الأسلحة والمخدرات والارهاب، إلى جانب الهجرة غير الشرعية. كما أن الطبيعة الصحراوية المفتوحة لتلك الحدود تجعل عملية المراقبة والتأمين أكثر صعوبة، ما يتطلب جهودًا أمنية وتقنية مستمرة. أما الحدود الشرقية، فقد شهدت تداعيات الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وما يطرحه من تحديات أمنية وسياسية متصاعدة، خاصة في ظل المخططات الإسرائيلية الرامية إلى تهجير سكان قطاع غزة قسرًا نحو سيناء، بما يمثله ذلك من تهديد مباشر للأمن القومي المصري ومحاولة لتقويض القضية الفلسطينية وتصفية حقوق الشعب الفلسطيني، وهو ما يفرض على مصر الحفاظ على درجة عالية من الجاهزية الأمنية، إلى جانب تبني مقاربة شاملة تجمع بين الإجراءات الأمنية الصارمة، والتحركات السياسية، والجهود التنموية، بما يحفظ استقرار المنطقة ويصون الثوابت الوطنية والقومية. وفي الجنوب، تواجه مصر تحديات ناتجة عن عدم الاستقرار السياسي في السودان ومخاطر التقسيم، وما قد يترتب عليه من تهديدات للأمن القومي المصري وتدفقات لاجئين أو تنامي أنشطة التهريب عبر الحدود. كما تظل بعض القضايا الحدودية ذات طابع سياسي، لكنها تتطلب يقظة دائمة للحفاظ على الاستقرار. أما على الصعيد البحري، فتتمثل التهديدات في ضرورة حماية السواحل المصرية في البحرين المتوسط والأحمر، وتأمين قناة السويس باعتبارها شريانًا اقتصاديًا عالميًا بالغ الأهمية، فضلًا عن حماية حقول الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، ومواجهة أي تهديدات محتملة مثل القرصنة أو الإرهاب البحري.
في ضوء هذه التهديدات المتنوعة، يرتبط الإنفاق العسكري المصري ارتباطًا مباشرًا بالحاجة إلى حماية الأمن القومي. ويشمل ذلك تحديث وتسليح القوات المسلحة بمختلف أفرعها البرية والجوية والبحرية، بما يضمن قدرتها على التعامل مع التحديات التقليدية وغير التقليدية. كما يمثل تأمين الحدود أحد أبرز مجالات هذا الإنفاق، من خلال الاعتماد على وسائل المراقبة الحديثة، والطائرات بدون طيار، وأنظمة الاستطلاع الإلكترونية، إلى جانب إنشاء بنية تحتية عسكرية مناسبة في المناطق الحدودية. ويُعد دعم قدرات مكافحة الإرهاب عنصرًا أساسيًا، عبر تدريب القوات المتخصصة وتعزيز قدرات الاستخبارات، بالتوازي مع تنفيذ مشروعات تنموية تقلل من جذور التطرف. ومن بين أولويات السياسة الدفاعية المصرية أيضًا تنويع مصادر السلاح، بما يقلل من الاعتماد على دولة واحدة ويعزز الاستقلالية الاستراتيجية. إلى جانب ذلك، يحظى التصنيع العسكري المحلي بأهمية متزايدة، لما له من دور في تقليل التكلفة على المدى الطويل، ونقل التكنولوجيا، ودعم الاقتصاد الوطني. نتيجة ذلك زاد الإنفاق العسكري لتعزيز القدرات الدفاعية وتحديث المعدات ففي السنوات الأخيرة، أشرفت القيادة المصرية على تطوير القوات المسلحة بصفقات أسلحة متقدمة هذا التطوير كان يُنظر إليه كاستثمار للحماية الوطنية ولكنه أيضًا أحد عناصر الضغط على الموازنة العامة، ما ينعكس على مستوى الاقتراض العام.
في ظل هذه الضغوطات؛ يستمر الاقتصاد المصري في مواجهة تحديات معقدة. خدمة دين تشكل حصة عالية من الميزانية العامة، مما يقلص الموارد المتاحة للإنفاق الإنتاجي والاجتماعي، إضافة إلى انخفاض الإيرادات من قناة السويس والقطاع السياحي بسبب التوترات الإقليمية، مُضافًا إلى ذلك تأثيرات التضخم وتقلبات سعر الصرف. كل هذه العوامل دفعت الحكومة للتعاون مع مؤسسات دولية، مثل برنامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولي بتمويل، وذلك في محاولة لإعادة هيكلة المالية العامة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
يبقى ملف الدين العام في مصر من أبرز الملفات الاقتصادية التي تستحق قراءة معمقة وأوسع في سلسلة من المقالات المتتابعة. نبدأها بمقال بعنوان "الدين العام والأمن القومي: هل كانت مصر تملك رفاهية عدم الاقتراض؟
----------------------------------
بقلم: د. محمد فاروق مهنى






