منذ خطاب النهضة في منتصف القرن التاسع عشر ظهرت على الساحة الفكرية والمعرفية والسياسية أفكار ومشاريع عديدة كمحاولة للاستجابة لسؤال الأمير شكيب أرسلان (1869-1946) التاريخي " لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟". غير أن الإجابة مرت بعدة منعطفات سياسية وتاريخية أهمها بزوغ دولة ما بعد الاستعمار - والتي أسماها البعض - " الدولة الأمنية " أو "الدولة الوكيلة"- وحتى هزيمة 1967 والتي حكمت مشروع الوحدة القومية العربية وأطاحت بالمشروع الناصري الذي ارتكز على القومية العربية والاشتراكية التجريبية كأساس وحيد للنهضة المأمولة .
بعد هزيمة يونيو تغير وجه خطاب النهضة. بل أتجاسر فأقول أنه لم يعد هنالك خطاب للنهضة أصلا. فخطاب النهضة كان يتعامل بمنطق الحفاظ على الهوية في إطار ماذا نأخذ وماذا نرد بالنسبة للحداثة. أما ما شهدناه بعد 1967 لم يكن خطابا بل ظهور عشوائي لخليط من الأفكار الناتجة عن أزمة الخطاب النهضوي بالأساس. ولم يعد الهاجس هو كيف ننهض ولكن أصبح كيف نحافظ على وجودنا.
في هذا المقال أتناول الحركة الإسلامية في مصر بالنقد باعتبار أنها أحد الأطراف الفاعلة التي شاركت في سقوط مشروع النهضة بدءا من 1928 تاريخ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين وحتى فترات التمكين القصيرة في مصر وتونس وليبيا واليمن بعد أحداث الربيع العربي. وأنا أنطلق هنا من قناعة ذات شقين: أولا - لا يمكن اقصاء الحركة الإسلامية من المجتمع المدني العربي. ثانيا - لا يمكن الاستمرار في تحميل الدول و الأنظمة وحدها مسؤولية السقوط والمنحدر الفكري والمعرفي الذي وصلنا إليه.
خيانة المثقفين
“ خيانة المثقفين" عنوان كتاب ظهر باللغة الفرنسية في عشرينيات القرن العشرين للفيلسوف الفرنسي جوليان بندا (1867-1956). في هذا الكتاب ينحو الكاتب والروائي بندا باللوم على مثقفي أوروبا لانشغالهم بالواقع المادي البراغماتي عن رسالتهم الأساسية، وهي التعامل مع فلسفة الأخلاق وفلسفة الدين والنزعة الإنسانية في الفكر والممارسة. باستلهام كتاب بندا الذي ترجم الى الإنجليزية وصلت الى قناعة أن الحركة الإسلامية قامت بنفس النوع من "الجناية" في الفكر العربي الإسلامي في مماثلة واضحة لما يعده بندا "خيانة"
الحكومة جزء من الإسلام
الحكومة جزء من الإسلام هي مقولة لمؤسس الاخوان المسلمين الامام حسن البنا (1906-1949) ألقاها لأول مرة في المؤتمر الخامس للجماعة عام 1935، والذي شهد تحولا واضحا للانشغال بالهم السياسي في إطار مكافحة الاستعمار وبناء التصورات السياسية للجماعة على صعيد الفكر والممارسة. لقد ولدت الاخوان كحركة اجتماعية أخلاقية بالأساس اذا ما أخذنا في الاعتبار نشاط المؤسس من الناحية الأخلاقية قبل تأسيس الجماعة. ويمكن الرجوع في ذلك الى كتاب مذكرات الدعوة والداعية من تراث الامام البنا. لكن كما يوضح كتاب إبراهيم البيومي غانم "الفكر السياسي لحسن البنا" لم تكن السياسة غائبة يوما ما عن فكر حسن البنا منذ تأسيس الجماعة. المؤتمر الخامس أعلن تحولا واضحا يظهر الهم السياسي من الكمون إلى الواجهة.
ترشح البنا للانتخابات البرلمانية عامي 1942 و1945 عن دائرة الإسماعيلية. في المرة الأولى تراجع عن الترشيح بعد ضغط من مصطفى النحاس مقابل وعود سياسية وأخلاقية لم بنفذ أغلبها. في عام 1945 لم يتمكن من النجاح في دخول البرلمان. لكن مباشرة المؤسس للعمل السياسي كانت مؤشرا واضحا على تضخم المساحة السياسية في فكر الجماعة. ما ينطبق على الاخوان المسلمين في مصر من الانشغال بالهم السياسي على حساب الفقه والتربية والدعوة ينسحب على كافية أطياف الحركة الإسلامية في الوطن العربي جهادية كانت أم وسطية. وأنا هنا لا أنكر الجهود التربوية والفقهية لحركة مثل الاخوان المسلمين ولكن فقط أشير الى مكمن الخيانة وهو غلبة السياسة على الدعوة. لقد ابتلع "الجزء" الذي هو السعي للحكم "الكل" الذي هو الثقافة والتربية.
غلبة السياسة
المطالع لرسائل البنا يجد أنه على بلاغتها وفصاحتها غير المستغربة من درعمي عتيد، قد استغرقها الهم السياسي حتى النخاع. وتوارت خلفه جهود التنظير المعرفي والتأسيس الفكري. فالرسائل تتحدث عن كيف يتعامل الاخوان مع الأحزاب السياسية وكيف ينشئون كيانات اقتصادية وكيف يؤثرون على الرأي العام. وكانت النتيجة الحتمية سلسلة من الاغتيالات المتبادلة بين الحكومة والجماعة انتهت باغتيال البنا نفسه عام 1949.
وظل خلفاء البنا وقيادات الجماعة أوفياء لفكرة خضوع الدعوي والمعرفي للسياسي. في عام 1969 أصدر المرشد العام الثاني للجماعة حسن الهضيبي (1891-1973) كتاب "دعاة لا قضاة" الذي غلب عليه محاولة تبرئة الاخوان من العنف السياسي دون محاولة علمية جادة لتأصيل هذا الموقف معرفيا. وتكرر الخطأ حين أفرج السادات عن الاخوان وأخرجهم من المعتقلات سامحا لهم بمساحة إعلامية محدودة استغلوها في نشر مواقفهم السياسية بدلا من التركيز على الجوانب التربوية والمعرفية باستثناء بعض المحاولات الفردية للشيخ الغزالي (الذي إنفصل عنهم لاحقا) والقرضاوي وسعيد حوى ومجموعة مجلة المسلم المعاصر ثم مجموعة المعهد العالمي للفكر الإسلامي في بداية الثمانينيات. وتوالت الأخطاء في عهد مبارك رغم الجهود المبذولة في النقابات المهنية وعدد من الجمعيات الأهلية.
الحركة الإسلامية وثورة بناير
منذ بداية أحداث الثورة التزم الاخوان خط الترقب والحذر. ولم يشارك الاخوان في بدايات الثورة إلا على مستوى بعض الشباب. وكان موقف التيار السلفي مشابها وإن كان مفهوما بالنسبة لهذا الفصيل. ولم تنضم الحركة الإسلامية للثوار في التحرير وغيره من الميادين إلا بعد أن ظهر بوضوح أن نظام مبارك إلى زوال. مرة أخرى نحن نتكلم عن حسابات سياسية براجماتية بحتة. وفي السنة التي تولى فيها مرسي الحكم اتضح قصور التصور السياسي للحركة الإسلامية على المستوى التنفيذي والتشريعي. كان من الأجدى للحركة الإسلامية على امتداد تاريخها الطويل صرف الهمة للجهود المعرفية والدعوية بعد ذلك قد تأتي المكاسب السياسية طواعية. إن غلبة السياسي على الفكري والاجتماعي في فكر الحركة الإسلامية في الوطن العربي فضلا عن كونه خيانة كبرى للشعوب العربية، فإنه قد كتب شهادة وفاة لهذه الحركة التي ربما يتم إحياؤها على أسس جديدة في المستقبل غير المنظور.
------------------------
بقلم: محمد الأنصاري






