08 - 01 - 2026

دستور الإمبراطور

دستور الإمبراطور

أَقدمَ الإمبراطور الأمريكى دونالد ترامب فجر السبت الثالث من يناير ٢٠٢٦ على عمل إمبراطورى وهو الإغارة على فنزويلا  واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو من قلب أحد المقار الحصينة، ثم اقتياده مكبلا بالأغلال إلى نيويورك؛ ليحاكَم بين يدى القضاء الأمريكى بتهم إدخال المخدرات إلى البر الأمريكى.

فلما طيرت القنوات ووكالات الأنباء هذه الأخبار، وبثت لقطات للرئيس الفنزويلى أسيرًا فى أصفاده دُهش لذلك أقوام منا، وطفقوا يتبارون على الصفحات والمواقع فى لوم ترامب، وذمه، ووصمه بالبلطجى رجل المافيا المتجاوز القانون الدولى! فلم يكن يحضرنى كلما قرأت تعقيب أحدهم على الواقعة إلا هذا البيت للمتنبى:

أنا عاتب لِتَعَتُّبِك

متعجب لتعجبك

فماذا كنتم تظنون ترامب يا سادة؟! هل كنتم تظنونه راهب البرارى وناسك الخلوات؟! أم كنتم ترونه رئيس جمعية إطعام الطعام وإفشاء السلام؟!

إن ترامب ليس إلا إمبراطور يمارس إمبراطوريته، وما قد رأيتموه على الشاشات هو من سنن الإمبراطوريات العظمى، فهى إن أرادت فعلت بغير تأدب ولا تحشم ولا مشورة، وهى لها قانونها الخاص الذى تزن به الأمور فى إقدامها وإحجامها، وحربها وصلحها، فهى لا تأخذ بعين الاعتبار هذه الشرعة الدولية والقرارات الأممية، بل هى مسميات يسلطونها على العصاة من البلدان والحكام إذا أرادوا تأديبهم أو غزوهم، أما الأباطرة والكبار فدستورهم "القوة"، وإن من قرأ سطرين من التاريخ قديمه أو حديثه، أو استمع إلى نشرتين إخباريتين فلم يكن ليدهش أو يعجب لما رآه من واقعة خطف الرئيس الفنزويلى مادورو.

ثم إن خطرات الأفكار قد تتابعت علىَّ فوجدتنى أشد غيظًا وحنقًا على الجماهير العظمى من أهل الكتابة والأدب والتاريخ والثقافة الذين ما فتئوا منذ مائة عام وإلى يومنا هذا يتوارون خجلا ويبادرون بالاعتذار عن إرث إمبراطوريتنا الإسلامية العظمى، فهم حينًا يعتذرون عن غزوات النبى وسراياه ويزعمون أنها للدفاع ورد العدوان، وحينًا يعتذرون عن "الجزية والخراج"، وحينًا يعتذرون عن فتوحات البلدان وضم الأراضى، وحينًا يعتذرون عن نشر الإسلام فى الأقوام والشعوب واستبدال الإسلام بأديانهم ووثنياتهم! وقد غفل هؤلاء المعتذرون أبناء الضعف أن محمد بن عبدالله رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان يؤسس إمبراطورية عظمى تُعِز أتباعه، وتعلى كلمة الله فى الأرض، فلا وجه للاعتذار والتماس أدلة النفى، بل أقول لهم إن هؤلاء الغربيين الذين تحاولون استرضاءهم هم أنفسهم لهم خمسمائة عام فى جهاد وقتال وضم أراضٍ وفرض دينهم على العالم بالقوة، فأخذوا الأمريكيتين وأستراليا وغيرها، وفرضوا هناك حكمهم، ولغاتهم، وأديانهم ولم يعتذروا عن شىء من ذلك، بل هم إلى يومنا هذا لا يستحيون أن تأتى وفودهم إلى بلد أهله مسلمون فيفرضوا عليهم دينهم (ثقافتهم)، وقوانينهم، وفلسفاتهم، ويوصونهم بما يجب عليهم فعله، وينهونهم عما لا يحل لهم عمله ولو فى أخص أمورهم، بل إنهم ليدخلون قوانينهم بين المرء وزوجه، وهم لا يجدون فى ذلك حرجًا، ولا يعتذرون عن نشر دينهم (ثقافتهم) على الأمم الأخرى، فما بال منتحلى الثقافة والفلسفة عندنا إن هم ذكروا نشر الإسلام لووا ألسنتهم بالاعتذار مخافة أن يُظن أنه فرض على الأمم فرضا! وكان الأجدر بهؤلاء أن ينظروا أولًا فى أمر هؤلاء الآتين من وراء البحار ليفرضوا علينا ما ليس منا!

فحسنًا أن قد شهدنا الأعمال الإمبراطورية للإمبراطور ترامب حين بعث السرايا ووجه الغارات على إيران وفنزويلا، وتحدث بأطماعه فى ضم كندا وجرينلاند الدانماركية، ثم ما فرضه من زيادة فى مقدار "الجزية" التى يأخذها من حلفائه الأوروبيين لحمايتهم، ومطالباته "بالخَراج" من أوكرانيا وغير أوكرانيا على ما تخرجه الأرض من معادن ونفائس، وهو بعد ذلك وقبله لا تجده يتوارى خجلا مما فعل، ولا تراه يعتذر عن قوله، فالرجل يعلم أن الإمبراطوريات لا تقام إلا غِلابا ومجاهدة، وليس بالتأدب والتحشم.
------------------------------
بقلم: محمد زين العابدين
[email protected]

مقالات اخرى للكاتب

دستور الإمبراطور