08 - 01 - 2026

عملية أسر الرئيس الفنزويلي: أسباب وتداعيات كارثية

عملية أسر الرئيس الفنزويلي: أسباب وتداعيات كارثية

لا شك أن الهجوم الأمريكي على فنزويلا وأسر رئيسها قد أحدث نوعا من الصدمة والترويع، ليس فقط لجمهورية فنزويلا ودول أمريكا اللاتينية المتصادمة مع السياسات الأمريكية، ولكن لمعظم دول العالم التي لاتتوافق سياساتها مع المصالح الأمريكية.

خاصة، أن هذه العملية قد تمت بسرعة ودقة منقطعتي النظير. حيث تم اعماء كل الأجهزة الألكترونية في فنزويلا، حتى أن قوات الدفاع الجوي لم تطلق صاروخا واحدا ولا طلقة مدفعية واحدة. وهو ما أتاح الفرصة للقوات الخاصة الأمريكية (دلتا فورس) للتسلل الى القصر الرئاسي واقتياد الرئيس وزوجته الى الولايات المتحدة. وهو ما مثل نوعا من الإهانة والاذلال للدولة الفنزويلية، وبالقدر ذاته مثل نوعا من التهديد واستعراض القوة أمام كل من لا ترضى عنهم الولايات المتحدة.

فما الأسباب التي أدت الى القيام بهذا الهجوم؟ وما التداعيات المترتبة عليه على صعيد السياسة الدولية؟  

أولا: أسباب الهجوم

لا شك أن الولايات المتحدة تشعر بقلق كبير من أية سياسات ليست موالية لها في العالم، وبالأخص في بلدان أمريكا اللاتينية، التي تعتبرها حديقتها الخلفية، وتحرص على دوام الهيمنة عليها وابقائها تحت عباءتها. ليس فقط بوصفها السوق الأقرب الى المصانع الأمريكية، ولكن أيضا لكونها المصدر الأقرب والأغنى بالمواد الخام اللازمة للصناعة الأمريكية. ولذلك اتجهت السياسة الأمريكية على مدار تاريخها الى التعامل مع بلدان هذه القارة بسياسة الترويض والتطويع. سواء عن طريق دعم المتمردين ضد الأنظمة المعادية، أو عن طريق تدبير الانقلابات العسكرية، أو عن طريق اغتيال واعتقال الحكام الذين لا ترضى عنهم أمريكا:

  • تم ذلك في حق كوبا الاشتراكية فيما عرف باسم معركة (خليج الخنازير) في ابريل عام 1961. مع تدبير عشرات المحاولات الفاشلة لاغتيال رئيسها (فيديل كاسترو) ومن جاء بعده، ويتواصل حصار النظام الاشتراكي في كوبا حتى يومنا هذا. 
  • وتم قتل الرئيس المنتخب ديمقراطيا: (سلفادور الليندي) في تشيلي  عام 1973، عن طريق انقلاب مدبر من قبل المخابرات المركزية الأمريكية، قاده جنرال في الجيش التشيلي يدعى بينوشيت. 
  • وتم غزو جرينادا واحتلالها في أكتوبر عام 1983
  • وتم غزو بنما واعتقال رئيسها الجنرال مانويل نورييجا عام 1989. 
  • وقدمت أمريكا الدعم لعصابات (الكونترا) اليمينية ضد (الجبهة الساندينية) اليسارية في نيكاراغوا، لتدخل تلك الدولة في حرب أهلية استمرت بين عامي 1985 و 1990، بتمويل وحصار أمريكي كامل. 
  • وكان للولايات المتحدة دور في وفاة عدد من الزعماء اليساريين في أمريكا اللاتينية بوسائل كيميائية غير معروفة، حتى أن الرئيس السابق لفنزويلا هوجو تشافيز ألمح الى ظاهرة وفاة هؤلاء الزعماء جميعا بمرض واحد هو السرطان، وتوفي هو نفسه بهذا المرض، فيما بعد، بما لا يستبعد معه ضلوع المخابرات الأمريكية في اغتيالهم.

والحقيقة أن ما حدث في أمريكا اللاتينية ليس بعيدا عن مجمل السياسات الأمريكية تجاه باقي بلدان العالم الثالث التي لم تسر في ركب الامبريالية الأمريكية الغربية. فالانقلاب على الرئيس الأندونيسي (سوكارنو) عام 1965 تم بتمويل أمريكي. والمؤامرة على مصدق في ايران وعبدالناصر في مصر، وما حدث  في حق رؤساء كل من العراق وسوريا وليبيا.. الخ، ليس بعيدا عن كل تلك الممارسات. 

 ولاشك أن الأزمة الحالية مع فنزويلا، مرتبطة بقوة بالنزوع الأمريكي نحو محاولة تحقيق الهيمنة الأمريكية المطلقة على موارد القارة اللاتينية، ولكن يضاف الى ذلك تقاطع الحالة الفنزويلية مع وضعية الصراع الدولي المعاصر. وبخاصة فيما يتعلق بالمشروعات الأمريكية لمواجهة القوة المتزايدة لكل من الصين وروسيا. فمن المعروف أن الحرب الدائرة الآن في العالم انما هي تلك التي تدور رحاها حول تنازع صدارة العالم بين كل من الصين والولايات المتحدة. بينما تلعب روسيا دور الوصيف لكل من الدولتين. 

واذا كان مصدر قوة الصين هو نموها الاقتصادي والتكنولوجي المطرد، بما يتجاوز قدرة الولايات المتحدة على مجاراتها، فان المستقبل القريب ينذر بصدارة الصين للاقتصاد العالمي، في مقابل تراجع الولايات المتحدة. وهو ما ينذر، بدوره، بانقلاب ميزان القوة العسكرية، بالتبعية، لصالح الصين. ومن هنا فان التخوف الأمريكي الحقيقي الآن انما ينصب على عدم قدرتها على مواصلة هيمنتها على العالم بوصفها القطب الأوحد مثلما كان عليه الحال منذ بداية التسعينيات (زمن انهيار الاتحاد السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية) حتى الآن.  

وتعي الولايات المتحدة أن الصعود الاقتصادي الصناعي للصين يتطلب تأمين عنصرين رئيسيين، هما:

  1. مصادر الطاقة والمعادن النادرة.
  2. الممرات التجارية العالمية.

ولذلك فان الحرب الدائرة الآن في العالم انما تتمحور حول هذين العنصرين، على وجه التحديد. فالولايات المتحدة تحاول حرمان الصين منهما والاستحواذ لنفسها عليهما بأية صورة من الصور.

ولذلك قامت الولايات المتحدة في ولاية ترامب الثانية بمعاقبة بنما واجبارها على طرد الصينيين من المشروعات التي تتم في حرم القناة التي تمر في أراضيها، وتملك نسبة من أسهمها. وحاولت اجبار مصر على تقديم نوع من المعاملة التفضيلية فيما يتعلق بالمرور في قناة السويس، ولكنها لم تفلح. وهي تحاول اسقاط النظام الإيراني لحرمان الصينيين من نفط ايران، وفي الوقت نفسه، تحاول تجريد ايران من القوة التي تكفل لها السيطرة على مضيقي هرمز وباب المندب، عبر الحوثيين. فضلا عن محاولة تحييد خطرها على انفراد إسرائيل بالسلطة المطلقة في منطقة الشرق الأوسط. ولقد عاقبت أمريكا حكام دولة الامارات، من قبل، لمنحهم تسهيلات للأساطيل الصينية في منطقة (جبل علي). وهي (أي أمريكا) تحاول منع النفط الروسي من الوصول الى الصين، كما أنها تحاول منع الصينيين من ضم تايوان حتى لا تستولي الصين على مصانع الرقائق الألكترونية المتمركزة في الجزيرة.

واذا كان هذا هو الحال في منطقتي: الشرق الأوسط، والشرق الأقصى، فما دخل فنزويلا في هذه اللعبة؟

ان ضرب فنزويلا والسيطرة على مواردها الهائلة من النفط والمعادن النفيسة (تحتوي أراضي فنزويلا على أكبر احتياطي نفط في العالم، فضلا عن الذهب والمعادن النادرة الأخرى) انما هو، الى جانب اسهامه في دعم الاقتصاد الأمريكي المنهار، فانه يعد محاولة لتأمين الهيمنة الأمريكية على سوق النفط والمعادن العالمي، تمهيدا لمعركة كبرى يجري التجهيز لها مع ايران، وما يمكن يترتب على هذه المعركة من تداعيات، تتمثل في توقف امدادات النفط الخليجي واغلاق مضيق هرمز. واذا تم ذلك فستصبح الولايات المتحدة هي المتحكم الأوحد في سوق النفط العالمي. وستتحكم بالتبعية، في مصادر الطاقة اللازمة لتشغيل المصانع الصينية، وباقي مصانع أوربا والعالم.

لذلك فان ضرب فنزويلا والسيطرة على مواردها، انما هو المقدمة الضرورية لضرب ايران وإعلان الهيمنة المطلقة على نفط الخليج والممرات المائية التي يمر من خلالها، وبالتالي التحكم في امدادات النفط الذاهبة الى الصين، وفي الوقت نفسه التحكم في الممرات التجارية اللازمة لحركة البضائع الصينية. 

ومن هنا يمكن أن نستخلص أن أسر (مادورو) ليس نهاية المطاف، بالنسبة للهجوم الأمريكي، وانما سيستتبعه إعادة هندسة السلطة والحكم في فنزويلا لصالح الولايات المتحدة حتى لو استدعى ذلك التدخل البري المباشر على الأراضي الفنزويلية. وهذا ما اعتادت عليه أمريكا في علاقتها مع الدول الصغيرة في العالم.كما سيستتبعه ضرب ايران ومحاولة التخلص من نظامها، بالطريقة ذاتها. 

ثانيا: التداعيات المحتملة

يمكن القول بأن ضرب فنزويلا، على هذا النحو المنفرد، انما يعني نهاية عصر ما كان يسمى ب"الشرعية الدولية"، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومنظماتها المتنوعة التخصصات. والتي كانت الولايات المتحدة هي راعيتها الرئيسية والموظفة والمستغلة لقوتها القانونية، في مواجهة أية قوة مناوئة لها. 

فلقد تشكل النظام الدولي المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية لكي يؤطر حركة القوى المنتصرة فيها، بوصفها القوى العظمى، المتمثلة في الدول الخمس الكبرى المعروفة، وينظم العلاقة بينها وبعضها، وبين باقي دول العالم. ولكن أما وقد تجاوزت الممارسات الأمريكية هذا الاطار، نظرا لضعف قدراتها على حشد القوى الدولية وتسخير "الشرعية الدولية" لتحقيق مصالحها، كما كان عليه الحال منذ بداية التسعينيات، في القرن الماضي، فانها بهذا الصنيع، تقوم بتفجير هذا النظام بكامله. وهو ما سيجعل دول العالم تصوغ علاقاتها بدون أية مرجعية قانونية أو أخلاقية من أي نوع. وهو ما يعني زيادة معدلات الفوضى والاضطراب في العلاقات الدولية في عالمنا. 

واذا نجحت الولايات المتحدة في الانتهاء من قصة فنزويلا وترتيب الأوضاع فيها على النحو الذي يحقق المصالح الأمريكية، فان ذلك يعني أنه قد جرى التفرغ لإيران من أجل الاجهاز الكامل على نظامها واستبداله بنظام آخر حليف للولايات المتحدة، على نمط عملية الإطاحة بسلطة محمد مصدق عام 1953، واستدعاء الشاه للحكم مرة أخرى. وربما يصل الأمر الى تقسيم ايران وإعادة هندسة خريطة الشرق الأوسط بالكامل: وحينها سيتم تعميق تقسيم كل من سوريا والعراق، وربما تمتد يد التقسيم الى تركيا ومنطقة الخليج، لصالح إسرائيل، وتحت مظلة الدين الابراهيمي. التي ستعني دخول المنطقة في عصر جديد من الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية. بتقسيمات جغرافية وديموجرافية جديدة، غير القائمة الآن، وبالتأكيد لن تكون مصر بعيدة عن التأثر العنيف بكل هذه التداعيات.

ولكن ما موقف كل من الصين وروسيا من كل ذلك وهما المستهدفان الرئيسيان منه؟؟

  1. أتصور أن الصين لن تقوى على منازلة الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، كما أنها لن تنازلها في الشرق الأوسط. ولكنها ستحاول تحقيق أهدافها المؤجلة في ضم تايوان والسيطرة على منطقة بحر الصين الجنوبي. وان كان يهمها، بالتأكيد، تعميق تورط أمريكا في مستنقع حرب طويلة الأمد في كل من فنزويلا وايران. حيث ستكون الداعم الرئيسي لكلا الدولتين، عسكريا ولوجستيا، ولكن بدون تدخل عسكري مباشر. 
  2. والأمر نفسه ينطبق على روسيا. فهي لن تذهب للحرب في أمريكا اللاتينية ولا في ايران، ولكنها ستقوم بضم ما تقوى على ضمه من أراضي أوكرانيا ومحاولة تحقيق ما يمكنها تحقيقه في الهيمنة على دول البلطيق وبعض دول شرق أوربا. وسيهمها بالطبع إطالة أمد التورط الأمريكي في كل من البقعتين المستهدفتين: فنزويلا وايران. 
  3. ولذلك يمكن التنبؤ سلفا بأن الولايات المتحدة لن تستطيع تحقيق أهدافها بالكامل في كل من فنزويلا وايران، نظرا للدعم المنتظر تقديمه من كل من الصين وروسيا، فضلا عن المقاومة الشعبية والرسمية المتوقعة في كل من البلدين. كما أن أمريكا لن تستطيع تحقيق أهدافها في محاولتها إيقاف التقدم الصيني، أو تحييد المطامح الروسية، نظرا لأنها لن تخرج سالمة من التورط في حربين قد تطولان مع شعبي كل من فنزويلا وايران.
  4. والحصيلة النهائية، في حدها الأدنى، ستتمثل في إعادة اقتسام النفوذ العالمي لصالح كل من الأقطاب الثلاثة: أمريكا، والصين، وروسيا. كل في حيزه الجغرافي الأقرب. جنبا الى جنب مع المزيد من المعاناة لشعبي فنزويلا وايران وباقي شعوب منطقة الشرق الأوسط التي ستدفع أثمانا باهظة لصراع الفيلة الذي سيدور فوق أراضيها.
  5. وفي كل الأحوال سيكون العالم، أقرب الى وضعية الفوضى والانفجار الشاملين، نظرا لتقاطع وتداخل مناطق نفوذ ومصالح هذه الأقطاب، وأهمها الممرات التجارية الدولية ومنابع الطاقة. وفي ظل انعدام أية مرجعية قانونية أو شرعية دولية ملزمة لأية قوة عالمية.
  6. كما أن خرائط عدد كبير من الدول في منطقتنا وبعض مناطق العالم، لن تكون على ما هي عليه الآن. 

فلننتبه فلننتبه فلننتبه
-------------------------------
بقلم: د. صلاح السروي

  

مقالات اخرى للكاتب

عملية أسر الرئيس الفنزويلي: أسباب وتداعيات كارثية