09 - 01 - 2026

من السيادة إلى الاختطاف: سقوط القانون الدولي ومؤسساته وذروة إرهاب الدولة الأمريكي

من السيادة إلى الاختطاف: سقوط القانون الدولي ومؤسساته وذروة إرهاب الدولة الأمريكي

في فجر الثالث من يناير 2026، وجد العالم نفسه أمام منعطف جيوسياسي غير مسبوق، حيث تهاوت فكرة السيادة الوطنية لتغدو مجرد أثر من الماضي، بعد أن نفذت إدارة الرئيس دونالد ترامب عملية عسكرية مباشرة ضد فنزويلا انتهت باختطاف رئيس دولة من قصره في كاراكاس، ونقله قسراً لمحاكمته في نيويورك بوصفه مجرم مخدرات. لم يعد ممكناً توصيف هذا الحدث ضمن قاموس العلاقات الدولية أو آليات الدبلوماسية المعروفة، إذ نحن أمام تجلٍ صارخ لإرهاب الدولة في أكثر صوره فجاجة، وانتهاك كامل للأسس التي قام عليها النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945.

ما جرى في كاراكاس يتجاوز حدود نزاع إقليمي أو عملية أمنية، بل يمثل استخداماً سافراً للقوة العسكرية الارهابية من أجل ترويع دولة ذات سيادة، وقصف منشآتها الحيوية، وفرض القانون الأمريكي الداخلي بالقوة المسلحة خارج الحدود. هذا السلوك هو التعريف العملي لإرهاب الدولة، حيث نصّبت واشنطن نفسها خصماً وحكماً وجلاداً في آن واحد، متجاوزة القضاء الدولي، ومتجاهلة تماماً المحاكم والآليات الأممية، ومستعيضة عنها بمنطق القوة العسكرية الارهابية.

إن عملية الكوماندوز التي أسفرت عن اعتقال رئيس دولة وزوجته لا تمت إلى العدالة بصلة، بل تشبه ممارسات الجماعات والعصابات الارهابية العابرة للحدود التي لا تعترف بقانون أو سيادة، مع الفارق الجوهري أن هذه الأفعال تصدر عن القوة العظمى الأولى في العالم، وهو ما يمنحها بعداً أخطر وأكثر تدميراً للنظام الدولي.

ويمثل هذا الغزو التصدع الأعمق في بنية النظام العالمي المعاصر. فمنذ عقود، كانت الأمم المتحدة ومجلس الأمن يشكلان – نظرياً على الأقل – صمام أمان يحد من الانفلات العسكري، غير أن ما حدث في يناير 2026 كشف أن هذه المؤسسات باتت معطلة عملياً. لقد جرى محو المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي، تحت جنازير الدبابات الأمريكية. كما سقط مبدأ الحصانة السيادية سقوطاً مدوياً، لتصبح أي قيادة سياسية في العالم عرضة للاختطاف والمحاكمة إذا قررت واشنطن أن قوانينها المحلية تسمو على الأعراف والمواثيق الدولية، وهو ما يفتح الباب أمام فوضى عالمية شاملة، ويمنح قوى كبرى أخرى مبرراً لتقليد هذا النموذج في مناطق نفوذها.

ولا يقتصر خطر هذه السابقة على فنزويلا وحدها، بل يمتد ليهدد الأمن والسلم الدوليين برمتهما. فعندما تتجاهل أقوى دولة في العالم المؤسسات الدولية، فإنها تعلن عملياً عودة "قانون الغابة"، حيث تصنع القوة الحق، وتُدار العلاقات الدولية بمنطق الردع والغزو لا التعاون. كما أن هذا الغزو يهدد بتفجير صراعات إقليمية كبرى، إذ قد يدفع قوى مثل روسيا والصين إلى اتخاذ خطوات أحادية مماثلة لحماية مصالحها، مما يضع العالم على شفا مواجهة دولية واسعة لم يشهدها منذ عقود. ويبرز في هذا السياق البعد الاقتصادي - الاستعماري للعملية، حيث يعيد التركيز على تأمين النفط من خلال القوة العسكرية إنتاج منطق الاستعمار الكلاسيكي، محولاً العلاقات الدولية من منظومة شراكات إلى نظام نهب منظم.

إن ما أقدم عليه ترامب في يناير 2026 لا يمكن اعتباره مجرد تغيير نظام بالقوة، بل هو هدم كامل للمعبد الدولي فوق رؤوس الجميع، وتكريس لعالم تحكمه الهيمنة والخوف لا الاتفاقيات والقوانين. فالعالم اليوم لم يعد محكوماً بالشرعية الدولية، بل بإرادة القوة المنفردة.

وما حدث في فنزويلا لا يمكن فصله عن السياق التاريخي الطويل للإجرام الأمريكي. فهو تتويج لمسار ممتد من التدخلات والجرائم التي ارتكبتها واشنطن تحت شعارات زائفة مثل نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب. ويكفي استحضار غزو العراق عام 2003، القائم على أكذوبة أسلحة الدمار الشامل، وما نتج عنه من تدمير دولة كاملة وسقوط ملايين الضحايا، وفضائح التعذيب في سجن أبو غريب، والتدخل في ليبيا عام 2011 الذي حول دولة مستقرة إلى ساحة فوضى ومليشيات، والدعم المستمر للسياسات القمعية في فلسطين، واستخدام الطائرات المسيّرة لترويع المدنيين في اليمن والصومال وأفغانستان.

ويمتد هذا السجل الدموي ليشمل العالم بأسره: من إلقاء القنابل النووية على هيروشيما وناجازاكي في أكبر عمل إرهابي نووي في التاريخ، إلى حرب فيتنام واستخدام النابالم ضد البشر والطبيعة، مروراً بتدبير الانقلابات الدموية في أمريكا اللاتينية، كما حدث في تشيلي عام 1973 ضد سلفادور الليندي، ودعم فرق الموت في السلفادور ونيكاراغوا، والتدخل الاستخباري في إندونيسيا عام 1965 الذي أفضى إلى مجازر راح ضحيتها مئات الآلاف. ويؤكد هذا السجل أن غزو فنزويلا ليس استثناءً، بل استمرار لنهج اللصوصية الدولية الهادف إلى السيطرة على الموارد، وفي مقدمتها النفط، مع اعتبار سيادة الدول عقبة ثانوية أمام الطموحات القومية الأمريكية المتطرفة.

بهذا الفعل، تكون إدارة ترامب قد أطلقت رصاصة الرحمة على الأمم المتحدة ومجلس الأمن، محولة هذه المؤسسات إلى مجرد شهود زور عاجزين. لقد دخل النظام الدولي مرحلة ما بعد القانون، حيث تُحسم النزاعات بالاختطاف والقصف لا بالحوار والتحكيم، وتُمحى الفوارق بين الدولة المتحضرة والتنظيمات الإرهابية، فكلاهما يوظف الرعب لفرض أجندته، مع فارق أن واشنطن تمتلك طائرات الشبح ومقاعد دائمة في مجلس الأمن لتغطية أفعالها.

إن الثالث من يناير 2026 سيُسجَّل في كتب التاريخ بوصفه اليوم الذي انتهت فيه أسطورة المجتمع الدولي، وبدأ فيه عصر الإمبراطورية المنفردة، عصر تتعرض فيه البشرية لمنزلق خطير قد يفضي إلى صراعات إقليمية وعالمية مدمرة، نتيجة هذا الاستهتار غير المسبوق بمواثيق السلام وقواعد النظام العالمي.

وأخيرا لابد من التأكيد لعلنا عربيا نفهم: إن ما ارتكبته أمريكا ترامب في فنزويلا ليس حادثة عابرة ولا زلة سياسية، بل هو إعلان فاضح عن طبيعة النظام الذي يحكم واشنطن اليوم: نظام لا يرى في القانون الدولي سوى قيد يجب كسره، ولا في سيادة الدول سوى عائق يجب دهسه، ولا في الإنسان سوى ورقة ضغط أو غنيمة حرب. لقد سقطت كل الأقنعة، وتهاوت كل الأكاذيب عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ليظهر الإرهاب الأمريكي في صورته العارية: اختطاف، قصف، نهب، وفرض إرادة بالقوة، بلا رادع أخلاقي ولا وازع قانوني.

إن أخطر ما في هذا الإرهاب المنظم أنه لا يكتفي بتدمير دولة بعينها، بل يدمّر فكرة العالم ذاتها، ويحوّل الكوكب إلى ساحة ابتزاز دائم، حيث لا أمان لضعيف، ولا حصانة لسيادة، ولا قيمة لمعاهدات كُتبت بدماء ملايين البشر بعد الحرب العالمية الثانية. وفي ظل هذا الصمت الدولي المخزي، تصبح الولايات المتحدة شريكًا في الجريمة لا مجرد فاعل منفرد، ويغدو النظام الدولي كله متواطئًا، أو عاجزًا، أو ميتًا سريريًا.

سيكتب التاريخ أن الإرهاب الأمريكي، لا الجماعات المتطرفة، هو من وجّه الضربة القاضية لفكرة القانون الدولي، وأن الثالث من يناير 2026 كان يومًا فاصلًا انتقلت فيه البشرية من عصر الشرعية إلى عصر البلطجة والإرهاب الأمريكي. أما السؤال الذي سيبقى مفتوحًا وملحًا: إلى متى سيظل العالم رهينة هذا الإرهاب، وإلى أي حد يمكن أن يصل الدمار حين تُترك القوة بلا قانون، والجريمة بلا عقاب؟
----------------------------
بقلم: محمد الحمامصي


مقالات اخرى للكاتب

من السيادة إلى الاختطاف: سقوط القانون الدولي ومؤسساته وذروة إرهاب الدولة الأمريكي