قبل أن تشرع فرق الأدوار الإقصائية من الرحيل عن المغرب الحبيب؛ فلابد أن نوجّه كل آيات الشُّكر والعرفان والامتنان للمغرب العربيّ الشَّقيق الحبيب، تحية تليق بكرمه وعظمته وجماله...!
لن أكرر ما قلته في مقالات سابقة بأن شهادتي عن المغرب والمغاربة مجروحة، بل هي شهادة صدقٍ، وحبٍّ، ومعايشةٍ، وخبرةٍ، وتجارب غزيرة مع أشقائنا في المغرب؛ فلي أصدقاء مغاربة كثيرون، لو تركت قلمي يكتب في سيرتهم لانقضى ما تبقَّى من عمري دون أن أفي بحقّ بعضهم؛ وهم ثُلَّةٌ من العلماء الأفذاذ، والنَّوابغ في تخصُّصاتهم المختلفة الذين جمعتني بهم سنوات طويلةٌ في دولة عربية شقيقةٍ؛ فرأيت فيهم الود َّكلَّه، والأُنس، والعلم، والرقَّة، والدَّماثة، وحبّ الحياة، والبَشر، والعفو الزَّائد والسَّماحة...!
وقبل ذلك وبعده فهم أكرم شعوب الأرض قاطبة.. صحيح أننا نتهيَّب صيغة" أفعل" ونقلل من غلوائها بحرف الجر"من" التماسًا للموضوعيَّة، والحقيقة أنَّ هذا الحرف الصغير يسلب المغاربة كثيرًا من حقّهم الكبير الأصيل؛ فما رأيت شعبًا كريمًا مضيافًا، يبذل كلّ ما في يديه لضيوفهِ مثل هذا الشَّعب الكريم؛ ولعل في ذلك سر نجاحهم السّياحيّ وارتحال كلّ أمم الدُّنيا إليهم.. ولا غرو؛ فهم بلد ابن بطوطة العظيم الطّنجي المراكشيّ (ت799هــ) الذي جاب العالم، وعرَّف به؛ فجمع إليهم خبرات الدنيا بين دفتيّ كتابٍ؛ فانتقوا ما يناسبهم حتى كوَّنوا هذه الشَّخصية ذات الخصوصيَّة الثقافيَّة والإنسانيَّة، بما تتّسم به من رحابة أفق، واتّساع رؤيةٍ...!
وأنا حين أكتب عن المغاربة لن أفي بأقلّ حقوقهم، ولن أصل إلى قليلٍ مما سجَّله الناقد المغربي الكبير محمد مشبال عن الهوى المصريّ في خيال المغاربة؛ إذ كتب بكلّ عشقٍ وولهٍ عن مصر؛ وطنه الثاني؛ بوصفها النموذج الأعلى للإبداع والثقافة والحضارة في وعي المغاربة، ووجدانهم، وطبعته دار الهلال المصرية فيما يقترب من مائتين وخمسين صفحة، وعاد الروائي والناقد والمثقف المغربيّ الكبير شُعيب حليفيّ المتخصّص في أدب الرَّحلات فكتب عن مشاهدات الرحَّالة المغاربة في الإسكندرية والقاهرة؛ بعنوان: عتبات الشوق: نشرته دار الهلال المصرية، أيضًا، فيما يقارب ثلاثمائة صفحةٍ...!

وأنا حين أذكرهذه المؤلفات المتأخّرة لا أوضّح الواضحَ، ولا أُفسّر المفسَّر، ولا أبرهنُ عما لا يحتاج إلى برهانٍ؛ فبين البلدين الشقيقين: مصر والمغرب تاريخ واحدٌ على مرّ العصور التّاريخيَّة، ولا سيّما المرحلة الفاطميَّة، وتجمعهما خصالٌ مشتركةٌ، لا يمكن فصلها بأيّ حالٍ من الأحوالِ، وقد نشأنا على محبَّة كثير من المفكّرين والفلاسفة، والأساتذة، والشُّعراء المغاربة، ولم نكن نعرف أنَّهم مغاربةٌ؛ لأنّ طباعهم وأساليبهم كانت قريبة من أذواقنا وروحنا المصرية، وحتى النصوص التي تصنَّف على أنَّها متمردة كان المصريون أكثر احتفالا بها لا لكونها تعبر عن ثقافة متسامحة، فتحت مصاريعها لكل ثقافات الدنيا، وتركت نوافذها وأبوابها مشرعة على كل ثقافات العالم في رسوخ جبال الأطلس؛ لثقتها في أنّها تعرف ما يلائمها، وتنتقي ما لا يضر بأصالتها الثقافية والأدبية وقبل ذلك أصالتها العربية الإسلامية ...!
ولعل في ما شاهدناه في بطوله كأس الأمم الأفريقية المقامة حاليا في المغرب الحبيب من حسن تنظيمٍ، ودقة نظامٍ، وبالغ تأمينٍ، وفائق جمالٍ، وعظيم رقيٍّ، يدفعنا إلى أن نرسل مليارات (ملايير) القبلات إلى الشَّعب المغربيّ الكريم العظيم ...!
ومع أن المنتخب المغربيّ، ما زال هو الفريق الأبرز، والأقوى، والأجمل، والأبدع، والأمتع والأقرب للفوز بالبطولة؛ فالجماهير المغربية لا تفتأ تشجّع الفرق العربيَّة تشجيعًا حارًّا، منقطع النّظير، ويرفعون أعلام بلدانهم العربيَّة في حفاوة كبيرةٍ؛ ممّا يؤكّد الأصالة المتجذّرة، والانتماء الصّميم، والكرم الأصيل في الشَّخصية المغربيَّة، ويمكنك أن تطالع بسهولة آلاف المقاطع المصوَّرة عن تشجيع المغاربة الصَّادق للفرق العربيَّة، وبخاصَّةٍ مصر..!
ونحن المشاهدين في انبهار متجدّد أمام ملاعب من أجمل ملاعب الدنيا، وأكثرها نظامًا وروعة وتنسيقًا، وأبهرها جمهورًا؛ ممَّا يدفعنا بكلّ موضوعيَّةٍ إلى التَّباهي والتَّفاخر بمغربنا الشَّقيق الغربَ كلَّه، ونشمخ أمامه دونَ مغالاةٍ، بل هو حقٌّ أبلجٌ أصيل لشعبٍ كريمٍ، يكرم الجميعَ دون انتظارٍ لردّ الجميلِ، أو الإشادة من أحدٍ...!
ويقود منتخب المغرب أشرف حكيميّ اللاعب النّبيل الإنسان المكافح الذي تدرّس سيرته لا بوصفه أحسن لاعب في القارة السَّمراء هذا العام، ولا بوصفه نجم ريال مدريد وباريس سان جيرمان، بل بوصفه قدوة صالحة في برّ الوالدين، بما صنعه لوالديه، وبما كتبه لوالدته الفققيرة التي كافحت لتجعل ابنها محط أنظار العالم الرّياضيّ، ومع ذلك فالصحفيون المغاربة لا يفتؤون يدبجون المقالات عن نجوم أفريقيا وعن اللاعبين المصريين، ويرفعون العلم المصريّ ويقبّلونه في محبَّةٍ، تضارع محبَّة المصريّ لعلم بلاده..!

وليس بالجديد المستحدث تماهي الشَّعبينِ: المصري والمغربيّ؛ فكثير من أوليائنا الصَّالحين مغاربة، دفنوا في وطنهم الثَّاني مصر، واحتفى بهم المصريون على مرّ التاريخ، وهناك أحياء وشوارع تحمل أسماء مغربيَّة، وفي المغرب كذلك، ولا ننسى ارتباط تاريخ عاشقة التراث العربيّ، وراهبة التّفكير والنّد والإبداع عائشة عبدالرحمن بنت الشاطئ بالجامعة المغربية، وغيرها كثيرون لا نحصيهم عددًا...!
ولعلَّ أهم حفلات السيدة أُم كلثوم وأجملها حفلة المغرب التّاريخيَّة المشهودة سنة 1968 في ضيافة الملك الحسن الثَّاني، ولا يمكننا أن ننسى صورها المعجبة وهي ترتدي الثوب المغربي المعروف، وهو ما رأيناه في حفلات عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، كما أن هناك تناغمًا كبيرًا بين الألحان المصريَّة والمقامات المغربية المعروفة وغرام المصريين بعبدالوهاب الدّوكالي؛ لذلك كان من السّهل اليسير نجاح كثير من المطربات المغربيّات في مصر؛ كعزيزة جلال وسميّة القيصر، وجنات وغيرهنّ كثيرات لعلّ أشهرهنّ سميرة سعيد التي نشأنا على محبّتها دون أن نلحظ أي ملحظ يشي بأنّها ليست مصريّة ...!
ولا ينسى ناسٍ اللقاء الحارَّ الذي تصدَّره جلالة الملك الحسن الثَّاني في زيارة عميد الأدب العربي بعد مراسلات متبادلة بينه وبين جلالته، وثقتها دار الكتب المصرية فيما وثَّقت من رسائل العميد في جزأين مهمّين، كما لا يمكنه أن يتناسى وقوف أكثر من مائة ألف مغربي صفًّا يقبّلون هذا الشَّيخ عبد الباسط عبد الصمد بعد أن قرأ سورة الكهف في حضور الملك المغربيّ، وإصدارهم التَّحيّات المنغمة في صوت واحدٍ لصوت السّماء فضيلة الشيخ صاحب الحنجرة الذّهبيّة، رحمه الله تعالى...!
وفي المجمل؛ فإنّ الشَّعب المغربي شعب ذوَّاقةٌ، يعشق الحياة، ويتفنن في أن يعيش جمالها، ويتحسَّس أجمل ما خلق الله فيها في أيّة ظروفٍ؛ فالمغربيّ لا يقبل أن يأكل إلَّا ما طاب ولذَّ، وحسن من الطَّعام، وهو كذلك في لباسه، وعطره، ومجلسه، وبيتهِ، مهما كلفَّه ذلك وثمّة عادات لافتة من عاداتنا في الطعام تعود الى أصول مغربية، وإن كنَّا في حاجة إلى أن نستعير منهم الحريرة المغربيَّة، والكسكسيّ المغربيّ بالمكسَّرات والفواكه؛ وهو طعامٌ مألوفٌ لديهم يحرصون على تجويده مهما كلَّفهم من نفقاتٍ، وهم يحرصون كلّهم جميعًا على أضحية العيدِ؛ بوصفها فرصة للكرم والإكرام، وهم عشاق لكلّ فنّ جميلٍ، ومغرمون بكلّ العلوم والفنون والرياضات، وينافسون فيها، بكبرياء وكرامة، ورغبة لا تهدأ في الانتصار بالمركز الأول عالميًّا، مهما كان المنافس عنيدًا وذا تاريخ طويل، وقد تحقَّق لهم ذلك بالفعل في ميادين كثيرةٍ، بفضل الإصرار والمثابرة، وعشقهم بلادهم، وإيثارهم التفوُّق والإجادةَ...!
وأختم مقالي عن أهلنا في المغرب بحكايةٍ عن مفكّر لسانيّ مغربيّ، أوكلنا إليه في رحلة عمرة أمانة صندوق الرحلة لكي يتولَّى الإنفاق على أنْ يسجل كل ما أنفقه على أعضاء الرحلة يتقاسم في النهاية، فما إن وصلنا الى مطار الإقلاع حتى أقسم أنه سوف يبدأ الرحلة بدعوتنا على الفطور بعيدا عن الجمعية، ولما انتهينا من العمرة، أقسم على أن يدعونا على الغداء شريطة ألا يسجّل ذلك أيضًا، ثمَّ فوجئنا به يشتري هدايا لبعض أولادنا الذين لم يصحبونا في الرحلة، ولم يسجل شيئا في ورقته البيضاء ...!
وأختم بحكاية أخرى دالةٍ عن زميل أكاديميّ مغربيّ حاول بعض الخبثاء أن يوقعوا بيني وبينه؛ فنقلوا إليَّ أنَّه نصح تلميذهِ الذي ناقشتُهُ ألَّا يعود إلى مراجع مصريَّة.. ولما راجعته في ذلك للتأكد من صدق ما وصلني، قال بصوت الواثق: يا سيدي عُمرُ، إذا كنتُ أنا مجنونًا، وطلبتُ من الباحث ذلك، وحذفتُ المراجع المصريَّة؛ فما الذي يتبقَّى أمام الباحث كي ينجز رسالته...؟!
ولعلَّ القوَّة العظمى التي أوصلت المغرب الحبيب إلى هذه المكانة هي قوة العلم؛ فالمغاربة أصحاب مشاريع علمية قوية في كثيرٍ من المجالاتِ، وخيالهم العلميّ خصيب، وهم يؤسّسون لورشٍ علميَّةٍ متنوعة في تخصصاتٍ مختلفةٍ صارت مثلا يحتذى في جامعاتنا العربية...!
فتحيةُ تقديرٍ وامتنانٍ ومحبَّة للمغربِ العربيّ الشَّقيق الكريمِ العريقِ...!
توحشناكم بزاف أهلنا في المغرب الروعة... !
----------------------------------------------------------
بقلم: د. محمد سيد علي عبدالعال (د. محمد عمر)
- أستاذ الأدب والنقد ووكيل كلية الآداب للدّراسات العليا بآداب العريش






