08 - 01 - 2026

فنزويلا وسقوط أقنعة النفوذ الأميركي

فنزويلا وسقوط أقنعة النفوذ الأميركي

ما حدث اليوم في فنزويلا لم يكن مجرد خبر عابر. اعتقال الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو وزوجته على يد الولايات المتحدة كشف عن الوجه الحقيقي للنفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية. العملية أثارت صدمة واسعة، لكنها ليست مفاجئة، بل تتويج لصراع طويل يمتد لعقود بين واشنطن وكراكاس.

القصة بدأت في 1999 مع وصول هوغو شافيز إلى السلطة وإطلاقه “الثورة البوليفارية”. شافيز قلب السياسة في فنزويلا رأسًا على عقب، بتأميم النفط والزراعة والصناعات الكبرى، ورفع شعار معاداة الإمبريالية الأميركية. هذا لم يعجب الشركات الأميركية الكبرى، بل أشعل التوتر مع واشنطن.

شافيز لم يكتفِ بذلك، بل أقام تحالفات مع دول خصمها الأميركيون: كوبا، ليبيا، العراق، ثم روسيا والصين وإيران. كل خطوة زادت الضغوط على بلاده. وفي 2002، حاولت جماعات عسكرية ومالية نقابية انقلابًا فاشلًا، مع اتهامات للولايات المتحدة بالدعم، لكن الاحتجاجات الشعبية أعادت شافيز إلى السلطة.

بعد وفاة شافيز في 2013، انتقل الصراع إلى خليفته مادورو. الولايات المتحدة رفضت الاعتراف بشرعيته، وفرضت عقوبات اقتصادية وسياسية مشددة. في عهد أوباما وترامب، مُنعت شركات أميركية من شراء النفط الفنزويلي، واستُبعدت كراكاس من النظام المالي الدولي. وفي 2019، أعلن زعيم المعارضة خوان غوايدو نفسه رئيسًا مؤقتًا، وحظي باعتراف واشنطن ونحو خمسين دولة، لتتصاعد الأزمة إلى مستويات غير مسبوقة.

لكن ما وراء هذا التصعيد؟ الأمر أبعد من الديمقراطية وحقوق الإنسان. السيطرة على أكبر احتياطي نفطي في العالم – أكثر من 300 مليار برميل – جزء من الصورة. هناك أيضًا صراع نفوذ دولي بين أميركا من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى. كل خطوة سياسية وعسكرية في فنزويلا هي جزء من لعبة استراتيجية ضخمة لا تتوقف عند حدود أي دولة.

اليوم، مستقبل فنزويلا مفتوح على احتمالات متعددة. قد تتصاعد الانقسامات الداخلية، أو يحدث توازن دولي يخفف حدة الصراع. لكن ما لا شك فيه، أن الحيلة الأميركية أسقطت الأقنعة: الشعارات المثالية حول الديمقراطية غالبًا ما تأتي بعد مصالح القوة، والأحداث الأخيرة هي دليل حي على ذلك.

فنزويلا ليست مجرد بلد آخر على الخريطة. هي ساحة صراع عالمي، مرآة للنفوذ والهيمنة، ودليل على أن السياسة الدولية لعبة كبيرة، حيث كل دولة كبيرة تحرك قطعها بحذر، وأحيانًا بعنف. وهذا يجعل المشهد السياسي في أميركا اللاتينية أكثر تعقيدًا وإثارة، ويطرح تساؤلات حقيقية حول مستقبل الديمقراطية والسيادة الوطنية في المنطقة.
------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

فنزويلا ونقطة التحول في ميزان القوة العالمي