في المساحات التي سقطت عمدًا من ذاكرة الحروب الكبرى، وفي الظل الذي عاش فيه أبطال بلا أسماء ولا أناشيد نصر، يأتي كتاب "فرقة العمال المصرية" ليعيد فتح ملفٍ مسكوتٍ عنه طويلًا، ويستدعي حكاية نصف مليون مصري اقتُلِعوا من قراهم وحقولهم، وزُجّ بهم في أتون الحرب العالمية الأولى دون أن يُحسبوا يومًا من أبطالها.
يوثق كتاب "فرقة العمال المصرية" الصادر عن المركز القومي للترجمة برئاسة الدكتورة رشا صالح، وتأليف المؤرخ الأمريكي كايل جون أندرسون، وترجمة شكري مجاهد ومحمد صلاح علي، القصة المنسية لفرقة العمال المصرية التي أنشأتها السلطات البريطانية عقب فرض الأحكام العرفية في مصر، حين جُنِّد ما يقرب من نصف مليون شاب، غالبهم من الريف، وكثير منهم بالقوة، للعمل كعمال عسكريين في أوروبا والشرق الأوسط.
يروي الكتاب كيف شق هؤلاء الرجال طريقهم في قلب الحرب:
شحنوا وفرغوا السفن على أرصفة فرنسا وإيطاليا، حفروا الخنادق في غاليبولي، قادوا الجمال المحملة بالمؤن عبر صحاري ليبيا والسودان وسيناء، أدّوا أدوارًا شرطية لفرض النظام في بغداد المحتلة، وشكّلوا العمود الفقري لقوات العمال خلال التقدم العسكري عبر فلسطين وصولًا إلى سوريا، أكبر مسارح الحرب آنذاك.
ولم يتوقف دور فرقة العمال المصرية عند خطوط المواجهة، بل امتد إلى ما بعدها؛ إذ أنشأ أفرادها مئات الأميال من خطوط السكك الحديدية وأنابيب المياه بين مصر وفلسطين، وهي البنية التحتية التي اعتمدت عليها الإمبراطورية البريطانية لعقود لاحقة، بينما ظل صُنّاعها خارج الصورة، بلا اعتراف أو سردية عادلة.
وبحسب المترجمين، لا يقدم الكتاب مجرد توثيق تاريخي، بل يعيد قراءة الحرب من زاوية مهملة، معتبرًا العرق أحد المفاتيح التحليلية الأساسية لفهم كيف نظر المعاصرون إلى فرقة العمال المصرية، ولماذا غابت قصتهم عن سجلات الحرب التي انشغلت ببطولات "الرجال البيض" العائدين إلى أوطانهم محاطين بالمجد، فيما ظل الآخرون يعملون ويموتون خارج الكادر.
ويلفت الكتاب إلى أن كثيرًا من المادة الأرشيفية التي بُنيت عليها هذه السردية جمعها باحثون أوروبيون، بدافع الفضول التاريخي والرغبة في مراجعة الرواية الأوروبية المتوارثة، تلك الرواية المثقوبة التي كادت تفقد مصداقيتها مع تجاهلها المتعمّد لأدوار شعوبٍ كاملة شاركت في صناعة التاريخ ولم يُسمح لها بروايته.
ولا يغلق الكتاب صفحاته عند نهاية الحرب، بل يتتبع مصائر هؤلاء الرجال حتى الثورة المصرية عام 1919، حيث تتقاطع تجربة القهر والعمل القسري مع الوعي الوطني المتشكل، لتصبح الحرب،رغم قسوتها، أحد المسارات غير المباشرة لصعود الغضب والرغبة في الاستقلال.
هذا الكتاب ليس فقط عن الحرب، بل عن العدالة التاريخية.
عن أناس صنعوا البنية التحتية للإمبراطوريات، ثم مُسحوا من ذاكرتها.
عن رجال قاتلوا دون سلاح، ودفعوا ثمن حرب لم تكن حربهم.






