03 - 01 - 2026

"الساحرة والحكيم": خمسة نصوص مسرحية لصلاح شعير من أجل العدل والسلام

"العسل والصبّار":  نص يتجول في عالم الصحافة للبحث عن الضمير الإنساني.
"القلب الجريح": الإنسان يتحول  من الصدق إلى الزيف عندما يكون القلب سلعة
"الحاكم بأمر نفسه": دعوة  إلى نبذ الخلافات المذهبية والتطرف الفكري.
"ليلة عاصفة": مونودراما ترفض الحروب الأهلية وتدعو إلى السلام الداخلي والخارجي

تبدو مجموعة مسرحيات "الساحرة والحكيم" للأديب صلاح شعير، والمكونة من خمسة نصوص عملًا يتجاوز حدود الحكاية إلى حدود الكشف عن حقيقة البشر، إذ لا تُقرأ كمجرد صراع بين شخصيات، بل كحالة وجودية تتنازعها الرغبة في النقاء وميل الإنسان نحو السقوط. ويستعير الكاتب فضاء المسرح ليُقيم محاكمة رمزية للضمير الإنساني في زمنٍ اختلط فيه المقدس بالمدنس، والحكمة بالسحر، والصدق بالمصالح. إنها ليست مسرحيات شخصيات فحسب، بل أفكار ووجدان، تسائل الإنسان في جوهره: هل ينجو الوعي حين يفسد العالم؟ وهل يمكن للطهر أن يعيش في محيطٍ من الدنس دون أن يتلوث؟ لقد نسج الكاتب نصوصه في توازن بين الواقعي والرمزي؛ فالأحداث قد تبدو مألوفة - في عالم الصحافة، والمال، والأنثى - ولكن خلف كل حوار هناك ظل باطن، يُعبر عن جرحٍ نفسي أو فكرة وجودية. ومن هنا يكتسب العمل قيمته، إذ لا يكتفي بالحدث الدرامي بل يُغذيه بتساؤلٍ فكري وجمالي دائم: ما الذي يجعل الإنسان ينقلب على ذاته؟ هل هو الفقر؟ الرغبة؟ أم ذلك الخوف الغامض من العدم؟ وتتحرك المسرحيات على أرضية فلسفية قوامها جدلية النقاء والفساد، فيتحول كل مشهد إلى مرآة للإنسان المعاصر الذي تاه بين "المال الذي يشتري كل شيء" و"الضمير الذي يخسر كل شيء".

أولا: العنوان وملخص المسرحيات: "الساحرة والحكيم" العنوان في حد ذاته بوابة رمزية تلخص بنية المسرحيات كلها، إذ يجمع بين قطبين متناقضين - الساحرة والحكيم - أي بين الأنثى الغامضة التي تملك الإغواء، والرجل الذي يملك الوعي. لكنهما في العمق ليسا شخصين بل رمزين لطاقتين داخل النفس البشرية: الساحرة تمثل الغواية، الرغبة، اللذة، واللاشعور (وفق تحليل يونغ: ظلّ الأنثى في الذات). الحكيم يمثّل الوعي، الضمير، والعقل المنظم (الأنيموس في توازن الأنا). بهذا، يتحوّل العنوان إلى مفتاح نفسي وفكري: الصراع بين الساحرة والحكيم ليس خارجيًا بل داخل الإنسان نفسه. هي ليست حكاية عن امرأة ورجل، بل عن نفسٍ تفتنها رغبتها وتؤلمها حكمتها. كما أن اقتران الكلمتين يحمل تناقضًا بلاغيًا جميلًا: الساحرة تُخفي وتغوي، الحكيم يكشف ويُنير، وبينهما تتأرجح روح الإنسان. في ضوء هذا الفهم، يمكن قراءة المسرحيات الخمس كرحلة من السحر إلى الحكمة، أو من الانبهار إلى الوعي، وهي رحلة التطهر التي تمر بها شخصيات العمل جميعها.

كذلك دلالة الإهداء: "إلى كل عشاق الأدب والمسرح" إهداء مقتضب في ظاهره، لكنه عميق في رمزيته؛ فالكاتب لا يُهدي عمله إلى فردٍ أو طائفة، بل إلى الروح العاشقة للفنّ، أي إلى من يرون في الأدب خلاصًا لا مهنة. الإهداء هنا يعلن عن طبيعة المسرحية منذ البداية: إنها ليست متعة فكرية فحسب، بل نداءٌ للوعي والذائقة الإنسانية. كما يحمل الإهداء نبرة جماعية لا ذاتية، وكأن الكاتب يقول: "هذا العمل ليس لي، بل لنا جميعًا - ما دمنا ما زلنا نؤمن بأن الفن يمكن أن يُطهّر العالم." الهيكل الحقيقي للمسرحيات الخمس وهي كالاتي:  

1- "العسل والصبار": يُعدّ هذا النص حجر الأساس في البناء الدرامي والرمزي للمسرحية. حيث ينفتح المشهد على عالم الصحافة - فضاء الحقيقة - وقد تحول إلى سوقٍ للمصالح، فيتجلى الصراع بين المبدأ والمكسب، لأن موت الضمير يأتي بسبب فساد القلم. كل حلاوة تُنتج مرارة، وكل مرارة تُورث وعياً. وهنا يبدأ الخط الرمزي الأول  في فساد الإنسان - أي تلوّث القيم في مؤسسات المجتمع. المسرحية عبارة عن  جولة في رواق صاحبة الجلالة، حيث يتجلى الصراع بين المال والمبدأ، هذا الصراع رمزي  يكشف عن "فساد المجتمع المدني والمهني"، هزيمة الضمير أمام المال، وأن انتصار الخير يكون بعودة الوعي الى العقل.

2-"القلب الجريح": وفكرتها تقوم على استبدال قلب شخص مريض بقلب رجل آخربعد وفاته في حادث، ويبدو أثر هذا الاستبدال كرمز لتحول الإنسان من الصدق إلى الزيف (حين يصبح القلب سلعة). وهذا يعكس  أزمة الإنسان المعاصر في عالم المادة، لأن فساد القلب هو "الجذر" الذي تنبت منه كل الأمراض الاجتماعية. وعلى الرغم من البطل علام هو رجل أعمال طيب، لكن جسده يخونه: قلبه مريض، وعقله مثقل بالقلق. ورغم أن مصنعه يخسر، إلا أنه لا يطرد عماله، إيمانًا منه بأن الخير لا يُقاس بالأرباح. ثم يقرر السفر لإجراء عملية استبدال القلب بقلبٍ بشري جديد، فتتحول الفكرة الطبية إلى رمز فلسفي: القلب الجديد الذي بداخل علام بدأ يسير في الاتجاه المعاكس للقلب الطيب الذي هزمه المرض، وأصبح علام وحشًا ماديًا لا يعترف إلا بلغة المصالح الشخصية فقط. 

3- " الحاكم بأمر نفسه": بطل هذا النص حاكم متجبر يظن نفسه إلها، وتدور تصرفاته حول جنون السلطة والتمركز حول الذات، في مواجهة مع صوت الضمير الجمعي المتمثل في جبهة المقاومة، ويبدو الإطار الفكري في عرض متلازمة الصراع السني الشيعي، الذي يهدد وحدة العالم الإسلامي، منذ مقتل الأمام على بن ابي طالب رضي عنه، النص يفجر قضية فكرية دار جزء منها على أرض مصر منذ العصر الفاطمي، ومن هنا ينسحب الرمز المسرحي على ضرورة نبذ الخلافات المذهبية، وهذا الصياغة الواعية تمثل درجة من أرقي درجات التنوير السياسي، لأن الغاية من التعايش السلمي بين كافة المذاهب والأديان، هي انتشار السلام فوق الأرض. وعلى هذه الأساس يمكن قراءة النص  على أنه رسالة تحذيرية من أخطار الاشتباك المذهبي، وعلى الرغم من أهمية القضية الفكرية التي يطرحها النص، تم صياغته بلغة  مسرحية تحمل روح الفكاهة. وترتبط  مسرحية "الحاكم بأمر نفسه" بهذا الخط التطوري الذي ظهر في المسرحيتين السابقتين: القلم - القلب - التاج. أي أن الفساد يبدأ من التفاصيل اليومية، ويمتد إلى النظام الكوني الذي يحكم الجميع. في هذا المعنى، يصبح الحاكم مرآة للإنسان العادي حين يفسد.

4- ليلة عاصفة: نص ينتمي إلى المونودراما، والعاصفة هنا ليست مجرد طقس، بل رمز للعقاب الكوني - النتيجة الطبيعية لكل ما زرعه الإنسان في المسرحيات الثلاث السابقة. الحرب تشتعل، المدن تتهدم، والإنسان يُستنزف بين الخوف والندم. المسرحية تجسد السلوك الجمعي للاشعور، نتيجة انفجار المخاوف المكبوتة في الدمار والحروب الأهلية وتبعاتها الإنسانية المُرعبة، ويختم النص برؤية تدعو إلى السلام الداخلي والخارجي

5- "الساحرة والحكيم": والذي يحمل عنوان المجموعة هو عبارة عن مسرحية إذاعية تتناول أسطورة مصرية منذ فرعون موسى وغرق جيشه، حيث الصراع بين السحر والعلم، تنتصر المسرحية للعلم كقيمة إيجابية في بناء الدول. وبالتالي، يتضح أن مسرحية "الساحرة والحكيم" هي الخاتمة التطهيرية للمسار المسرحي كله. حيث معالجة الضمير الفاسد (النص الأول)، والجسد المريض (الثاني)، والروح المتألهة (الثالث) والذين أنتهو إلى كارثة كونية (النص الرابع). لكن من رحم هذه الكوارث يولد الوعي الجديد في النص الأخير حيث أن الحل يكمن في العدل والعلم والمعرفة.  

ثانيًا: اللغة والأسلوب والرمز: مزيج بين الفصحى المسرحية الحية والطبائع المسرحية الصوتية: النص يستخدم فصحى مرنة قادرة على الاحتكاك بالحوار اليومي، لكنها محافظة على طابع بلاغي درامي (جمل تقريرية قصيرة، انفعالات، تواتر الصور الحسية). النغمات تتبدل بين السخرية، المرارة، الاعتراف، والصراخ الباطني (أمثلة: مناظرات زغلول/حبيبة، مونولوجات هدى).

1- تقنية المؤثرات الصوتية والحسية كرمز في العسل والصبار: تبدو هذه المسرحية كنوذج مثالي حول استخدام تقنية المؤثرات الصوتية المكتوبة: ومنها كمثال الإشارة إلى سماع: ضربات القلب، بندول الساعة، شهيق وزفير، سرينة قطار، موسيقى توتر- تتكرر كدلالة زمنية ونفسيّة لملاحقة الضمائر والكوابيس. هذه المؤثرات تعمل كمونولوجات غير مرئية، تُخرِج الباطن إلى الخارِج. (مدوّن في ترويسة المسرحية ومكرر في مشاهد الحلم والكوابيس). الازدواج الصوتي (صوتان لنفس الشخصية/ضمير مُسجل/صوت داخلي): كثيرًا ما يستعمل الكاتب صوتين للشخصية (صوت هادئ/صوت حاد) أو صوت الضمير مقابل صوت الفعل؛ هذا يمنح النص بعدًا نفسيًا مزدوجًا يقترب من الدراما النفسية الداخلية. ومن الاستعارات الحسية المتكررة في هذا النص العسل/الصبار، المذاقات (مرارة الماء)، القيود/المفتاح، القطار (القدر/المصير). الاستعارات لا تبقى زخرفًا بل تتحول إلى رموز درامية تتحكم في الفعل. كذلك استخدام  التقنية السينمائية من خلال شاشات عرض، يظهر من خلالها مشاهد حُلمية  مصحوبة بعلامات صوتية (سرينة القطار، إضاءة متقطعة)، وإيقاعات سريعة تقطع إلى ظلال/ مشاهد — طريقة تعامل قريبة من السينما داخل المسرح في نص العسل والصبار التي  كتب في 11 لوحة طبقًا لآليات المسرح الحديث الذي يوظف التكنولوجي في العرض الجماهيري.

ومن الرموز الأكثر حملًا للمعنى كما ظهرت متكررة ومنسقة في النص: سوف نجد أن العسل: الحلاوة والوهم والعاطفة؛ الصبار: الشوك، الألم، الصبر. وثنائية تجسد جوهر الصراع: لذة اجتماعية/مرارة الهوية (والماء/المرارة -المذاق) مرارة الماء تتكرر مع هدى وسعيد كدلالة على فقدان النكهة الروحية للحياة؛ الماء هنا رمز للحياة التي فقدت طعمها بفعل الذنب أو الفساد. القيود/المفتاح/القطار: يظهر مشهد قيود وسكة حديد ومفتاح وقطار - هذا تركيب رمزي قوي: القيود تمثل العزلة النفسية، المفتاح يمثل الفعل الممكن للتحرر، والقطار يمثل المصير القاتل/التحول اللارجعي. المشهد يتكرر في كوابيس سعيد/هدى.  الصحافة/الإعلان: ليست فقط فضاءً عمليًا؛ بل رمز لبساطة الضمير/الفساد؛ زغلول (قسم الإعلانات) رمز للصحفي الذي استبدل القلم بالمال. حبيبة (باب قلوب العشاق) رمز للضمير الذي يحاول أن يبقى إنسانيًا داخل آلة.

2- المشهد كوحدة رمزية مستقلة: تميزت المسرحية الثانية والثالثة  بأن كل فصل مقسم  مقاطع (مشاهد) بشرية تتغير مع ثابت الديكور، بحيث يظهر في كل مشهد الأشخاص الذين يعرضون الأفكار المسرحية، بالشكل الذي يخدم العرض، وهذا لكسر هيمنة الديكور الثابت بصناعة صورة  بصرية متحركة بالممثلين، لإضفاء جو من الحيوية عند عرضها أو قراءتها، مع تمهيد في بداية أو نهاية هذه المشاهد بتقنيات الصوت والضوء، وهذا يمنح المُتلقي إحساسًا بأن كل مشهد يختبر فكرة/رمزًا بذاته  مثل مشهد المجلة في (العسل والصبار)  ومشهد الفيلا في نص (القلب الجديد).

ثالثًا : التحليل النفسي والرمزي للشخصيات:  لقد استخدم "شعير" المدارس النفسية بالفطرة، (فرويد، أدلر، يونغ) دون تصريح أكاديمي مباشر، وهذا  يرجع إلى خبرته الاجتماعية التي تمنح الأديب قدرة على نقل الواقع على لسان الشخصيات الخيالية. 

1- العسل والصبار: تبدو شخصيات مسرحية العسل والصبار وكأنها حالة درامية تعكس الأبعاد النفسية وتنقلها من الواقع العملي على خشبة المسرح، فهذا النص شرح محركات السلوك البشري تجاه القيم الإيبجابية او السلبية بجدارة، لدرجة أنه يصلح كنوذج مكتمل في التحليل التفسي للأدب، وسوف يتم توضيح الأبعاد النفسية، وهذا الميزة تضمن نجاح هذا العرض حال تنفيذه على خشبة المسرح، كما نجح في اختراق شهوة القارئ في متابعته من أول كلمة وحتى أخر ورقة،  وسوف يتم عرض شخصيات هذا النص كالتالي: 

 أ-هدى سعد (امرأة تنزف من الداخل… بوجه هادئ) رمزياً: تمثل "الأنثى الواعية" التي ترى أكثر مما تتكلم، فهي ليست ضحية رجلٍ أو ظرفٍ بعينه، بل ضحية مجتمعٍ فقد حسه بالاتزان. حضورها يحمل نكهة "النبض المقموع"، صوت الحكمة التي لم يُصغِ إليها أحد. ونفسياً (عند فرويد، هدى نموذج للشخصية المكبوتة؛ تختزن رغباتها ومشاعرها في اللاوعي خوفًا من التناقض بين المبدأ والعاطفة. وعند يونغ، تمثل “الأنيموس” الأنثوي الناضج، الذي يحاول تحقيق التوازن بين العاطفة والعقل، لكنها تسقط مؤقتًا في الفصام النفسي حين تفقد قدرتها على التواصل مع سعيد. وهي تمثل الضمير الإنساني الأنثوي - الحكمة الصامتة. لذلك يمكن القول إنها "وجه الحكيم" في المسرحية، في مقابل "الساحرة" التي تمثلها الغرائز. ومواطن القوة في  وضوحها الداخلي رغم الصمت. وعيها الباطني العميق بالفساد من حولها. وصدق انفعالاتها دون انفعال. ومواطن ضعفها الشري في انغلاقها النفسي في البداية (انكفاؤها على الحزن دون فعل). وضعف تواصلها الخارجي أحيانًا، ما يجعل رمزها يتغلب على بعدها الواقعي.

ب- سعيد أنور: (الضمير الذي انتكس عند أول بريق سلطة) ورمزياً هو المرآة الذكورية لهدى، بدأ نظيفًا، باحثًا عن الحقيقة، ثم أعمته أضواء النفوذ فخسر ذاته، كمن باع صوته ليشتري صدى الآخرين.

ونفسياً حسب فرويد، يمثل “الأنا” التي انهزمت أمام “الهوّ” (رغبة التملك). وعند أدلر، يسعى سعيد لتعويض شعوره بالنقص المهني والاجتماعي بالاقتراب من أصحاب النفوذ، فيقع في فخ التبعية. ورمزياً في البناء العام هو المرحلة الوسطى بين زغلول والحاكم، أي بين من تاب ومن طغى، فيجسد “الضمير المتردد” الذي يعرف الصواب لكنه لا يجرؤ على اختياره. ومواطن القوة فيه صدقه الأولي في بداياته المهنية. وطاقته العقلية العالية وشغفه بالمثالية. أما موطن ضعفه  تمثل في هشاشة القيم أمام ضغط المصلحة. ةتحوله إلى تابع بعد أن كان مفكرًا. وتراجع وعيه بذاته أمام الإغواء الرمزي للسلطة.

ج- زغلول الطائر: (القلم الذي عاد إلى وعيه) ورمزياً هو الصحفي الذي باع كلمته ثم استعاد ضميره، أي أنه يمثل “الإنسان الذي تعلم من الخطأ”. اسمه نفسه “الطائر” يوحي بحرية مفقودة، وبروح تحاول الطيران فوق وحل الواقع. وهو نفسياً عند (يونغ)  يجسد زغلول صراع "الظل والذات". الظل فيه هو الرغبة بالسلطة والمال، والذات هي الوعي الذي يعود في النهاية ليطهره. صحوته تمثل لحظة اندماج الظل بالوعي - لحظة الإدراك والتحول.

 وتكمن مواطن قوته في مرونته في الاعتراف بالخطأ. تحوله الإيجابي في نهاية الفصل الأول. ونبرته الواقعية التي تكشف نفاق الوسط المهني. ومواطن ضعفه تكمن في  سقوطه الأول أمام الإغراء المادي. ةتردده الطويل قبل الاعتراف.

س- حبيبة طاهر: (الأنثى النقية التي تصون ما تبقى من ضوء) فهي رمزياً تمثل "روح الضمير"  في العمل، كما أنها صوت العاطفة النبيلة داخل المؤسسة الفاسدة، ووجودها الدائم في "باب قلوب العشاق" بالمجلة يرمز إلى حفظها للنقاء وسط سوق الكلمات.

وهي نفسياً  عند يونغ، تمثل “الأنيموس” في صورته العليا - الطاقة الأنثوية التي تداوي لا تهدم، لذلك تعد المعادل العاطفي لهدى، لكن أكثر إشراقًا وأقل كآبة. ومواطن قوتها في صفائها الداخلي. اتزانها في مواجهة الانكسار. ورمزيتها الواضحة كصوت للحب غير المبتذل. ويكمن ضعفها  في ميلها إلى التكرار الخطابي أحيانًا. وكونها تميل للمثالية أكثر من الواقعية.

ص- فتوح الأحول: (الانتهازي الذي يرى العالم بعين واحدة) ورمزياً فهو يمثل النفاق المهني، والعمى الأخلاقي.الاسم نفسه "الأحول" دلالة على رؤية مشوشة، فهو يرى الأمور بزاوية مصلحته فقط، ويعيش ازدواجًا بين ظاهر محترم وباطن انتهازي. وهو نفسياً عند (فرويد) شخصية نرجسية دفاعية، تتقمص دور المثقف المتوازن لتخفي شعورها بالضعف الداخلي. إحساسه بالنقص يُعوض بالمكر والادعاء. ومواطن القوة في حضوره المسرحي البارز في الحوار، كمنوذج يمثل التناقضات اليومية للمجتمع المصري، أما ضعفه في ثباته السلوكي، الذي لا تطور نفسي له. كما أنه يتحول في بعض المشاهد إلى نموذج نمطي (كاركاتيري).

ع--كوكب جبر: (المرأة التي فقدت توازنها بين الأنوثة والطموح) رمزياً  تمثل “الساحرة” في العنوان العام للمسرحيات، أي الوجه الأنثوي الذي يستخدم الجمال وسيلةً للنفوذ، في مقابل “هدى” التي تمثل الحكمة والطهر. ونفسياً عند  (أدلر)  تعاني من شعور دفين بالدونية، تحاول تعويضه بالسيطرة على الرجال وجذب الأضواء. وسلوكها انعكاس لحاجة غير مشبعة إلى الاعتراف بذاتها. ومواطن قوتها  في رمزيتها الواضحة كصورة معاصرة للأنوثة المنتقمة. وطاقتها الدرامية في تحريك الصراع. ومواطن ضعفها في افتقارها للحظة وعي أو تطهر في النهاية. وسقوطها في سطحية الطموح دون عمق وجداني.

2- شخصيات (القلب الجريح): حتى لا يتم تكرار بعض المعاني التي سبق سردها سوف يتم الاكتفاء بعرض تحليل نفسي لشخصية علام (الإنسان الذي لم يمرض إلا لأنه أحب الحياة بصدق) ورمزياً: هو “القلب” نفسه - الجسد الذي تحمله الإنسانية المنهكة. رجل خير يصر على حماية عماله رغم خسائره، كأنه يقول إن الرحمة أغلى من الربح. ونفسيًا عند (أدلر)يعيش صراع التعويض الجسدي - مرض قلبه يجعله أكثر إصرارًا على إثبات قيمته بالخير، لكن معاناته تمثل أيضًا “أزمة الإنسان المعاصر” بين العلم والروح. ومواطن قوته في توازنه بين الطيبة والوعي. وحضوره الرمزي النبيل كضمير حي وسط الخراب. ومواطن ضعفه  بساطة رسمه أحيانًا كمثال أخلاقي أكثر من شخصية واقعية. وغياب التوتر النفسي العميق مقارنةً بهدى وسعيد.

3-  شخصيات مسرحية  الحاكم بأمر نفسه: سوف يتم الاكفاء بالتحليل النفسي لشخصية الحاكم بأمر نفسه، فهو (الإنسان حين يظن أنه فوق الإنسان) ورمزياً  هو تجسيد "الذات المتألّهة"، آخر مراحل السقوط في المسرحية، حيث يتحول الوعي إلى وهم، والسلطة إلى مرض روحي. نفسياً عند (يونغ): هو "الظلّ" الذي ابتلع الذات بالكامل، فقد انقطع عن ضميره وعن الجماعة،و يعيش في دائرة الوهم بالقدرة المطلقة. وحالته تمثل البارانويا السلطوية — اضطراب جنون العظمة. ومواطن قوته في قوة لغته الخطابية في المسرح. وكثافة رمزيته كقناع لكل استبداد في التاريخ. ومواطن ضعفه انغلاقه التام دون لحظة وعي أو تحول، مما يجعله رمزًا جامدًا. وغياب البُعد الإنساني الذي قد يثير تعاطفًا أو صراعًا داخليًا.

رابعًا: النسق الجمالى والفنى للمسرحيات: تبدو الفنية والأسلوب في مستويين متوازيين في اللغة: المستوى الرمزي الشعري الذي يظهر في العناوين والمونولوجات (العسل والصبار، القلب الجريح، ليلة عاصفة). والمستوى الواقعي الحواري في مقاطع المجلة والمصنع ومقر الحاكم. وهذا التوازن يمنح النص مرونة بين الفكرة والواقع، فلا يغرق في التجريد ولا ينحدر إلى النثر اليومي. ومن هذه المقدمة سوف نشير إلى الاتي:

1- خصائص الأسلوب: لغة الكاتب تميل إلى الإيجاز المشحون بالدلالة: الجمل قصيرة، لكنها تترك صدى طويلًا. ويكثر من الاستعارات الذوقية والحسية (المرارة، العسل، الصبار، القلب، الدخان، العاصفة). وتظهر أحيانًا عبارات تقريرية في حوار الشخصيات الفكرية، لكنها تتوازن بعبارات شاعرية لدى الشخصيات الرؤيوية (هدى، حبيبة).

2- بلاغة الإيحاء: النص يعتمد على الرمز لا التصريح، فيتحول كل مشهد إلى طبقة من المعنى: المجلة - المجتمع، القلب - الضمير، العاصفة -التطهير. وتأتي الجمل الحوارية غالبًا كجمل مرايا تعكس الداخل لا الخارج.

3- الصورة الفنية والرمزية: المسرحيات كلها قائمة على تشبيه الإنسان بكائن مزدوج: فيه ساحرة (الغريزة، الرغبة، السلطة) وفيه حكيم (الضمير، الرحمة، الوعي). وهذه الصورة تحكم كل الفصول: فالعسل والصبار هما وجها هذا الازدواج. كما  الصور الجزئية التي تخص  المرآة  تتكرر في أكثر من فصل كأداة مواجهة الذات. والقلب  كمركز رمزي للحياة والألم والضمير. والعاصفة  كتطهير كوني، يقابله في الداخل البكاء والاعتراف.

4- توظيف الصوت والضوء: يوظف الكاتب الإضاءة والصوت كرمزين للوعي والظلمة الداخلية. حسب دلالة اللون في المسرح: فالأبيض = الوعي والنقاء. والذهبي = السلطة والغرور. والرمادي =المرحلة الانتقالية بين الفساد واليقظة (يهيمن في مشاهد المصنع والمجلة).

5- الإيقاع المسرحي وبنية المشهد:  تميزت النصوص المسرحية الخمس بالإيقاع النفسي الداخلي: كل فصل يبدأ بحالة سكون مزيّف تنقلب تدريجيًا إلى أزمة ثم إلى انكشاف — وهو منحنى نفسي دقيق يعكس تتابع الانفعال عند المتفرج.  حيث يعتمد الكاتب على تقنية الانفجار الصامت (تراكم الحوار حتى لحظة انهيار أو وعي)، لا على الصراخ المسرحي.  كما أن الانتقال بين المشاهد يتم عبر مؤثرات صوتية (نبض القلب، سرينة القطار، الرعد). وهذه المؤثرات لا تُستخدم تجميليًا، بل بوصفها مفاتيح ذاكرة، كأن كل صوت يستدعي جرحًا قديمًا.

6- توزيع الصراع: الصراع موزع بين الشخصيات بنفس موسيقي: زغلول وحبيبة (إيقاع العقل والرحمة)، سعيد وهدى (إيقاع الضمير والحب)، الحاكم والعالم (إيقاع العاصفة والنهاية).

7- الحوار المسرحي: يمثل الحوار في مسرح صلاح شعير مرآة للفكر، لا يُدار حول حدثٍ خارجي، بل حول صراعٍ داخلي، لذلك تُسمع الجمل كأفكار لا كأصوات فقط.  وذلك من الحوار الجدلي: بين الصحفيين، بين الحاكم ومستشاريه - يعكس العقل والصراع الفكري. الحوار الداخلي (المونولوج): خاصة لدى هدى وسعيد، يُستخدم ككاشف للاشعور. الحوار التمثيلي الصامت: حين تُنقل الكوابيس بالصوت والإضاءة فقط - وهو من أجمل تقنيات الكاتب في تصوير الوعي المريض. في تنوع نبراته وتكثيفه الرمزي. ويوازن بين الجمال اللغوي والصدق النفسي والفكر والعاطفة، العمل فلسفي الطابع، لكنه لا يفقد إنسانيته. اللغة مشحونة بعاطفة هادئة، توازن بين التأمل والوجع. وكل ذلك مع التزام المسرحيات بتصاعد جدلي فكري,.
----------------------------
بقلم: فاتن صبحى