أزعجني جدًّا جدًّا مقطعٌ لبعض السّيّدات التُّونسيَّات، يشتمنَ مصر والمصريّين، ولم أعرف لذلك سببًا، ولعلّها ملاسنة بين أمثالهنّ من المصريّات...!
في الحقيقة لم أزُرْ تونس، ولكنَّها في قلبي، وماثلة أمام عيني، كأنَّني زرتُها مرارًا، وشاهدت كل معالم حسنها آلافَ المرَّات؛ فالتوانسةُ، بالنّسبة لي، كالمصريّين تمامًا؛ بالتّاريخ، والدّم، والنَّسب، والثَّقافة، ولعلَّنا نشأنا على ثقافة لا تفرّق التَّوانسة عن المصريّين، بل نراهم جزءًا أصيلًا من المكوّن المصريّ؛ فلم نعرف أحدًا منهم، في وطنهم مصر، يُشار إليه بالتُّونسيّ إلَّا القليل النَّادر، لعلَّ أهمَّهم الشّاعر الكبير بيرم التُّونسي (1893-1961م)ّ، الذي كنَّا نظنُّ أنَّ لقبه" التونسيّ" مجرَّد لقبٍ لعائلة مصريَّةٍ، لقِّبت بهذا اللَّقب؛ فعندنا من العائلات المصريَّة عائلاتُ: السُّعوديّ، والسُّودانيّ، والجزائريّ، وغيرها...!
ومن يراجع لغة بيرم، التي خشى منها أمير الشُّعراء، يجدها مصريَّةً خالصةً؛ فقد كان جهاده وكفاحهُ، ونعيمهُ وشقاؤهُ، وأحلامهُ، وانكساراتهُ وانتصاراتهُ في مصر، وللمصريّين ...!
ولم نكن نعرف أنَّ الشَّيخ العلَّامة محمَّد الخِضر حُسين (1876- 1958م) شيخ الجامع الأزهر الشَّريف، وصاحب مجلَّة "السُّنَّة المحمديَّة" تونسيٌّ؛ فهو الذي نقضَ كتاب" الشّعر الجاهليّ" للأستاذ العميد (1889-1973م)، ولقي كتابهُ حفاوةً وترحيباً من المثقّفين المصريّين، وظلَّ من أهمّ كتب الرُّدود على كتاب الأستاذ العميد..!
وفي المقابل كتب الأستاذ العميد نقدًا لأهمّ كتابٍ سرديٍّ تونسيّ في القرن الماضي للأديبِ العلَّامة؛ الوزير التُّونسيّ محمود المسعديّ (1911-2004م)؛ أعني كتابه الشَّهير:" حدَّث أبو هُريرةَ قال.. " ثم ردّ المسعديُّ على طه حسين؛ فردَّ الأخير على ردِّه؛ فما كان من المسعديّ إلَّا أنَّ ضمَّ هذا النِّزال النقديَّ إلى طبعةِ كتابهِ الجديدةِ حفيًّا بنقد العميد، ومنازلته ، وقد طبعته هيئة الكتاب المصريّة؛ كما طبعت أعماله الكاملة في ثلاثة مجلّدات فخمة...!

وظلَّ المصريّون يشجّعون كلَّ ما هو تونسيٌّ؛ فيرفعون العلم التونسيّ بين جماهير كأس العالم، ويحفظون أسماء لاعبي الفريق التونسيّ على مرّ العصور، وما زال الحكمُ الدَّوليّ التُّونسيّ علي بن ناصر فخرًا لكلّ مصريّ؛ بوصفه تونسيًّا مصريًّا عربيًّا؛ فكانت الجماهير المصريَّة تفخر به، وهو يقف حكمًا بشخصيَّتهِ القويَّة في ملاعب العالمِ، يحكم بين أهم المنتخبات العالميَّة في البطولات الكُبرى...!
وجاءت إلى مصر مطرباتٌ تونسيَّات كثيراتٌ، ذُبنَ في الرُّوح المصريَّة؛ بدايةً من عُليَّة، حتَّى لطيفة، وصُوفيا صادق، وذِكرى، وغيرهنَّ، بل إنَّ المصريَّين يحتفون، فيما يحتفون، من الأغاني الوطنيَّة المصريَّة بما غنَّته لطيفةُ؛ بوصفها مصريَّة تونسيَّة، ويكاد كثير من النَّاس لا يعرفون أنَّ الممثّلة البارعة هند صبري تونسيَّة...!
وما زال اللَّاعبون التَّوانسة الذين يحترفون في مصر محلَّ إعجابنا وفخرنا؛ فمَنْ مِنَّا نحن المصريّينَ لا يحبّ فرجاني ساسي، أو محمد بن رمضان ...؟!
ولعلَّ خيرَ شاهدٍ مشهدُ جماهير الأهلي، حين وقفوا في المدرَّجات بالتَّصفيق الحادّ للنَّجم التُّونسيّ الكبير علي معلول، معشوق الجماهير المصريَّة، حين عاد من إصابته، وأخذ شارة كابتن الفريق الأهلاويّ...!
وحتَّى الشَّتائم التُّونسيَّة صارت مهضومةً للشَّعب المصريّ العاشق لتونس، والتَّوانسة الذين هم منَّا ونحن منهم...!
ومن يتصفَّح صفحة الأديب التُّونسي الكبير كمال العياديّ المشهور بالكينج، ويقرأ شتائمه وسبابه ولعناته لبعض المصريين لا يغضب، ولا ينزعج لأنَّه لا يجد في شتائمه عنصريَّة مقيتةً، ولا عداوةً، بل نجده مصريًّا يمازح مصريّين؛ فيفهمهُ متابعوه المصريُّون، ويبادلونهُ مزاحًا بمزاحٍ، ويهضمون دعاباتهِ، وألفاظه؛ لكونِها من قلب محبٍّ لمصر والمصريّين...!
وما زالت مشاهد الأفلام المصريَّة التي صُوّرت في تونس محفورةً في القلب بجمالها الخلَّاب، كما أنَّ حفلات قرطاج، ومهرجاناتها، ظلت بالنّسبة للمصريّين، كأنَّها في الإسكندريَّة، أو السَّاحل الشّماليّ، أو شرم الشّيخ في مصر..!

وأعتقد جازما أنه لم يحتفِ شعبٌ بمقدّمة العلَّامة ابن خلدون وتحقيقها، وطباعتها، ودرسها، وتدريسها، وشرحها، كما احتفى المصريون على مدار عقودٍ متّصلةٍ...!
وقد غدا شعر الشَّاعر التونسيّ المختضر أبو القاسم الشَّابيّ (1909-1934م)، أيقونة لأشعار الوطنيَّة والحُريَّة في مصر ...!
وتونس من أحبّ بلاد الدُّنيا إلينا نحن المصريّينَ، لم يفرقها عنا حدودٌ، ولن يبعدَها عنَّا قيودٌ، أوبضع نساء يتلاسنَّ، ويجاملهنَّ بعض ذويهنَّ على وسائل التَّقاطب الاجتماعيَّ، وما جرَّته علينا من خيبة...!
وحين فازت رواية:" الطليانيّ " للأديب الكبير، والنَّاقد التونسي الوزير شكريّ المبخوت بجائزة البوكر العالمية سنة 2015 كانت مصر فخورةً بأنَّ أحد مثقّفيها الذين أولوا سيرة عميد آدابها عنايةً خاصَّة قد شرَّفها، وشرّف المصريّين، وظل كتابه عن سيرة طه حسين من أهم ما كتب عن سيرة العميد...!
وظلت كتب عبد السلام المسدّيّ من أهمّ الكتب النَّقديَّة المتداولة في أبحاث الباحثين المصريّين، وكذا كتب النَّاقد التونسي الكبير محمد الهادي الطرابلسيّ، وبخاصَّة ما كتبه عن شوقيّ والشَّوقيات من أهمّ ما كتب عن أمير الشُّعراء...!
ولعلَّنا نختم بأنَّ (الطرابلسيَّ)؛ وهو لقبه، تونسيٌّ، وعشقه مصريٌّ ، ونحن نحبُّه تونسيًّا ومصريَّا وعربيًّا...!
ومازال اللَّاعب الزَّملكاويُّ الأخطر دائما على دفاع الأهلي هو سيف الدين (الجزيريّ) تونسيٌّ أيضًا؛ فالجزيريُّ لقبهُ، وتونس موطنهُ؛ فنحن لا تفرّقنا حدودٌ، ولا تحجب بيننا سدودٌ؛ لأنَّنا وطنٌ واحدٌ ممتدٌّ بعلاقات متجذّرة، وتاريخيَّة...!
كلّ المحبَّة لتونس الخضراء؛ الأرض، والوطن، والشَّعب، والتَّاريخ، والعلم، والثَّقافة والمحبَّة... هذا الشَّعب الباهِي مزيان.. عايشك تونس الحبيبة...!
------------------------------
بقلم: د. محمد سيد علي عبدالعال (د. محمد عمر)
- أستاذ الأدب والنقد ووكيل كلية الآداب للدّراسات العليا بآداب العريش.







