02 - 01 - 2026

حين يستعيد الفقه روحه: قراءة في كتاب مقاصد الأحكام الفقهية

حين يستعيد الفقه روحه: قراءة في كتاب مقاصد الأحكام الفقهية

يأتي كتاب مقاصد الأحكام الفقهية: تاريخها ووظائفها التربوية والدعوية في لحظة فكرية دقيقة، تتعاظم فيها الحاجة إلى إعادة النظر في طرائق فهم الأحكام الشرعية وتنزيلها على واقع متحول، تتشابك فيه الأسئلة الدينية مع التحديات الاجتماعية والفكرية المعاصرة. فالفقه الإسلامي، على غناه النصي وثرائه التراثي، لم يكن يوما في أزمة من حيث الأصول، وإنما تكمن أزمته كما يجلي هذا الكتاب بوضوح في طرائق الفهم وآليات التفعيل، وفي المسافة التي اتسعت أحيانا بين الحكم ومقصده، وبين النص وروحه.

ينطلق المؤلف من قناعة علمية راسخة مفادها أن الفهم السليم للشريعة لا يتحقق بالاكتفاء بظواهر الأحكام وصورها الخارجية، بل لا بد من النفاذ إلى مقاصدها وغاياتها، ولا سيما على مستوى الأحكام الفقهية الجزئية. فغياب هذا الوعي المقاصدي أفضى في غير قليل من النوازل إلى فتاوى معزولة عن واقع الناس، أو إلى تنزيلات متعسفة للنصوص على غير مناطاتها، بما أسهم في تشويه صورة الفقه، وإضعاف أثر الخطاب الديني في النفوس والعقول.

ومن هنا، يقدم الكتاب نفسه بوصفه مشروعا علميا يسعى إلى ردم هذه الفجوة، من خلال إعادة الاعتبار لمقاصد الأحكام الفقهية الجزئية، وربطها بوظائفها التربوية والدعوية، حتى يستعيد الفقه دوره الطبيعي في الهداية والبناء والإصلاح.

من أبرز مكامن القوة في هذا العمل انتقاله الواعي من دائرة المقاصد العامة، التي استأثرت بقدر كبير من اهتمام الدرس المقاصدي المعاصر، إلى دائرة أضيق وأعمق، هي دائرة مقاصد الأحكام الجزئية. فالمؤلف يلفت النظر إلى أن المقاصد الكلية، على أهميتها، لا تؤتي ثمارها كاملة ما لم تستحضر في فهم الحكم الفقهي التفصيلي، حيث تتجلى الحكمة التشريعية في بعدها العملي والإنساني، ويتحول التكليف من مجرد التزام شكلي إلى ممارسة واعية ذات مغزى.

ويعد هذا التوجه إضافة نوعية حقيقية، تسهم في تعميق الوعي المقاصدي، وتمنح الفقه قدرة أكبر على التفاعل مع الواقع، دون أن يفقد صلته بأصوله النصية والمنهجية.

يخصص المؤلف فصلا كاملا لتاريخ فكرة تقصيد الأحكام الفقهية، بدءا من عصر الوحي، مرورا باجتهادات الصحابة والتابعين، ثم المراحل اللاحقة للاجتهاد الفقهي، وصولا إلى مرحلة التصنيف المستقل، التي يعد الحكيم الترمذي من أوائل روادها. غير أن هذا التاريخ لا يأتي في صورة سرد جامد، بل في قراءة تحليلية واعية تستخلص من المسار التاريخي دلالات فكرية وإصلاحية عميقة.

ويظهر الكتاب من خلال هذا العرض أن العناية بالمقاصد كانت غالبا قرينة لمراحل التجديد والنهوض الحضاري، ومواجهة الشبهات، والحفاظ على الهوية الإسلامية، في حين أن تراجع الحس المقاصدي كان ملازما لحالات الجمود والانكفاء.

يمثل الحديث عن الوظائف التربوية والدعوية لمقاصد الأحكام الفقهية قلب هذا الكتاب وروحه. ففي البعد التربوي، يبين المؤلف كيف تسهم معرفة المقاصد في بناء وعي المسلم، وربط الأحكام بالسلوك والأخلاق، وتحويل الطاعة من ممارسة شكلية إلى التزام واع، ذي بعد روحي وإنساني، يزكي النفس ويهذب السلوك.

أما في البعد الدعوي، فيؤكد الكتاب أن الخطاب الديني الذي يستحضر المقاصد يكون أقدر على الإقناع، وأقرب إلى الفطرة الإنسانية، وأكثر قدرة على معالجة قضايا العصر بلغة الحكمة والرحمة. وقد عزز المؤلف هذا الطرح بأمثلة تطبيقية حية، تقرب الفكرة إلى الأذهان، وتخرجها من إطار التنظير المجرد إلى فضاء الممارسة الواقعية.

يمتاز الكتاب بمنهجية متوازنة تجمع بين التأصيل الأصولي الرصين، والتحليل التاريخي الواعي، والاهتمام العميق بالبعد التربوي والدعوي. كما جاءت لغته علمية واضحة، رفيعة دون تكلف، بعيدة عن التعقيد الأكاديمي المفرط، مما يجعله قريبا من القارئ غير المتخصص، دون أن يفقد قيمته العلمية لدى الباحثين وطلبة العلم.

ومع ما للكتاب من قيمة علمية ومنهجية واضحة، قد يلحظ القارئ المتخصص أن بعض القضايا الأصولية أو التطبيقات الجزئية كان يمكن التوسع فيها على نحو أعمق. غير أن هذه الملاحظة لا تنتقص من قيمة العمل، بل تشير إلى أنه فتح أفقا علميا رحبا، يحتاج إلى دراسات لاحقة تستكمل مساره وتبني عليه.

في المحصلة، يشكل كتاب مقاصد الأحكام الفقهية إضافة وازنة إلى المكتبة الفقهية والمقاصدية المعاصرة، ويسهم في ترشيد الفهم الفقهي، وتجديد الخطاب التربوي والدعوي، وإعادة وصل الشريعة بوظيفتها الإصلاحية في حياة الإنسان. وهو كتاب جدير بالقراءة المتأنية والتأمل العميق، لا سيما في زمن تشتد فيه الحاجة إلى فقه واع، ودعوة رشيدة، وخطاب ديني متوازن، يجمع بين أصالة النص وبصيرة المقصد.

ولا يكتمل حديث هذا الكتاب دون التوقف عند صاحبه، الدكتور وصفي عاشور أبو زيد ، الذي يعد من الباحثين المعاصرين الذين انشغلوا مبكرا بإشكالية العلاقة بين النص والواقع، وبين الفقه ووظيفته الحضارية. فقد تميز مساره العلمي باهتمام واضح بعلوم المقاصد، وأصول الفقه، وقضايا التجديد المنهجي، مع نزعة إصلاحية هادئة ترى في الشريعة مشروع هداية وبناء، لا مجرد منظومة أحكام تستدعى خارج سياقاتها.

وينعكس هذا التوجه بوضوح في كتاباته، حيث لا يتعامل مع المقاصد بوصفها شعارا فكريا أو مدخلا لتجاوز النصوص، بل باعتبارها منهجا علميا منضبطا، متجذرا في التراث الأصولي، وقادرا في الوقت ذاته على التفاعل مع أسئلة العصر. ويظهر في هذا الكتاب على وجه الخصوص نضج في الرؤية، ووعي بأزمة الفهم والتنزيل، وحرص على رد الفقه إلى روحه، وربط الأحكام بوظائفها التربوية والدعوية، بما يعيد الاعتبار للبعد الإنساني والأخلاقي في التشريع الإسلامي.

ويبرز للمؤلف تمكن لافت من الجمع بين عمق التأصيل وإشراق البيان، وبين صرامة المنهج العلمي وروح الإصلاح الواعية، بما يجعل هذا الكتاب علامة على مسار علمي رصين، يرتجى منه ترشيد الخطاب الفقهي، وبعث الوعي المقاصدي، وتجديد الفكر الإسلامي من منابعه الأصيلة.
--------------------------
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
* داعية إسلامي وكاتب بنغالي