02 - 01 - 2026

صراع الفضة في قلب التحول العالمي: كيف حولته سامسونج لمورد استراتيجي

صراع الفضة في قلب التحول العالمي: كيف حولته سامسونج لمورد استراتيجي

في خضم حرب المعادن المحتدمة بين الولايات المتحدة والصين للهيمنة على العناصر الأرضية النادرة، برز عنصر لم يكن يوماً في قلب الصراع. معدن ظل لسنوات رمزاً للهدوء والاستقرار، قبل أن يتحول بين عشية وضحاها إلى محور تنافس عالمي شرس… إنها الفضة، التي انتقلت من الهامش إلى صدارة معارك الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة.

شهدت أسواق المعادن الثمينة خلال الأسابيع الأخيرة تطورات غير مسبوقة، وضعت معدن الفضة في صدارة المشهد المالي والصناعي العالمي، بعد قفزات سعرية وُصفت بالحادّة والاستثنائية. فقد سجّل سعر أوقية الفضة ارتفاعاً متسارعاً، ليغلق في تعاملات الأسبوع الماضي عند حدود ٨٥ دولاراً للأوقية في وول ستريت، مقارنة بنحو ٣٢ دولاراً فقط مطلع يناير ٢٠٢٥، ما يعكس تضاعف السعر في فترة زمنية قصيرة، وسط توترات واضحة في جانبي العرض والطلب.

تُعد بورصتا لندن وشيكاغو المنصتين الرئيسيتين عالمياً لتداول سبائك الفضة، إلا أن الارتفاع الحاد في الأسعار دفع عدداً من المودعين إلى المطالبة بسحب السبائك المملوكة لهم فعلياً. وبحسب المعطيات المتداولة، قوبلت بعض طلبات السحب بالرفض، ما أدى إلى تحركات قانونية من قبل المودعين، انتهت بحصولهم على ودائعهم المعدنية.

هذا التطور وضع البورصتين أمام عجز فعلي في مخزون الفضة المتاح، واضطرهما إلى اللجوء لعمليات شراء واسعة من أسواق متعددة حول العالم لتغطية الالتزامات، وهو ما فاقم الضغط على الأسعار. وتشير التقديرات إلى أن الخسائر المتراكمة لبورصتي لندن وشيكاغو بلغت نحو ١٧ ملياراً ٢٧٥ مليون دولار حتى يوم الجمعة الماضي، بسبب سحب السبائك.

في موازاة الاضطراب المالي، برز عامل صناعي شديد التأثير تمثل في إعلان مركز الأبحاث والتطوير التابع لشركة سامسونج الكورية عن تطوير بطارية كهربائية جديدة تُعد منافساً مباشراً للبطاريات الصينية المهيمنة علي السوق العالمية. وتعتمد البطارية الجديدة على مصعد (آنود) مكوّن من الفضة والكربون بدلاً من المصعد التقليدي القائم على الرصاص، ما يمنحها تفوقاً تقنياً ملحوظاً من حيث كثافة الطاقة وطول مدى التشغيل، إذ تصل قدرتها إلى نحو ١٣٠٠ كيلومتر للشحنة الواحدة، مقارنة بنحو ٦٥٠ كيلومتراً لبطاريات شركة CATL الصينية.

غير أن هذا الإنجاز التكنولوجي واجه تحدياً جوهرياً يتمثل في شح المعروض من خام الفضة، وهو ما دفع سامسونج إلى اتخاذ خطوة غير معتادة، بإيفاد فريق من علماء الكيمياء والجيولوجيا إلى أحد أكبر مناجم الفضة في المكسيك، للدخول في مفاوضات مباشرة مع السلطات المحلية لتأمين احتياجاتها من الخام.

وبحسب المعلومات المتداولة، تم التفاوض على شراء الفضة الخام بسعر يقارب ١٥ دولاراً للكيلو جرام، وذلك في توقيت حساس تزامن مع إغلاق بورصتي لندن وشيكاغو مطلع ديسمبر الماضي عند مستوى ٥٣ دولاراً للأوقية.

ومع تصاعد الطلب الصناعي، لا سيما في قطاعات الطاقة النظيفة والتخزين الكهربائي، وتزايد الضغوط على المخزون العالمي، عادت بورصتا لندن وشيكاغو لتغلقا تعاملات اليوم الأول من يناير ٢٠٢٦ عند نحو ٧٢ دولاراً للأوقية، في إشارة واضحة إلى أن الفضة لم تعد مجرد معدن ثمين تقليدي، بل تحولت إلى مورد استراتيجي في قلب الصراع الاقتصادي والتكنولوجي العالمي.
-----------------------------
بقلم: 
د. أحمد عبد العزيز بكير
* أستاذ جامعي في كلية العلوم