02 - 01 - 2026

ألحان السماء ودولة التلاوة (1)

ألحان السماء ودولة التلاوة (1)

كما لم تغب السخرية السوداء عن كتابات عمّنا الساخر الكبير محمود السعدني (1927-2010) رحمه الله، فقد كانت حاضرة أيضًا في حياته. قبل أيام من صدور كتابه "ألحان السماء" عن مشاهير قُراء القرآن الكريم، كان السعدني محبوسًا في سجن القلعة متهمًا بالشيوعية في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، ولم يُفرج عنه إلا بعد نحو عامين.

الكتاب سباحة في عالم القُرّاء والقراءات، أو "دولة التلاوة"، الذي نحته السعدني كنايةً للمحروسة، ولا أدري هل انتبه منتجو البرنامج الرائع، الذي يحمل نفس الاسم لذلك، وردّوا الحق إلى أهله؟ 

للوهلة الأولى يكتشف القارئ أن السعدني "سميع" من الدرجة الأولى، لا يكتفي بالحديث عن سير المشايخ وكبار القراء، وكيف كافحوا حتى تبوأوا مكانة عالية سامية، بل راح يصنفهم ويوضح مكامن إبداعاتهم، مع لمسةٍ إنسانيةٍ في مسيرة كلٍ منهم. شرع السعدني في كتابه هذا، وهو يعلم أنه يخوض في حقل ألغام، ويرجع ذلك في رأيه إلى (... أن مشاهير القراء صاروا كنوادي كرة القدم، لكلٍ منهم معجبون ومتعصبون وأنصار).

فما إن صدر الكتاب حتى انهالت الخطابات على السعدني - لم تكن فضاءات الإنترنت وحارات شَكَلْ التواصل الاجتماعي قد عُرفت بعد - تلومه وتبكته، فالمعجب بقارئ ما يرغب في وضعه على رأس القائمة، وهناك من أفرط في الميل، وطلب حذف بعض الأسماء.

أعاد السعدني طباعة كتابه بعد خروجه من السجن وقضاء سنوات خارج مصر مُكرَهًا خوفًا من بطش السلطة أو بحثًا عن لقمة العيش في بلاد الله، سجّلها في عدة كُتب؛ الموكوس في بلاد الفلوس، السعلوكي في بلاد الإفريكي، مسافر على الرصيف. 

والأستاذ السعدني كاتبٌ ساخرٌ من طراز رفيع، جعل من النكتة مِلحًا يضبط به طعم كتاباته وبهارات حراقة تلسع قلوب خصومه، قبل آذانهم، وحسنًا فعلت أسرته بتأريخ حياته، في حلقات يقدمها ابنه الأستاذ أكرم على قناته على (يوتيوب) "سعدنيات".

من باب التنكيت والعند ومناكفة السلطة، عندما اعتقل ووجد أن زملاء الزنزانة شيوعيون، أسس تنظيم فُكاهي أطلق عليه اسم (زمش)، تولى فيه منصب السكرتير العام، ووزع المناصب على باقي المعتقلين، وصاروا يعقدون اجتماعات ويصدرون بيانات وتكليفات ساخرة بلا مضمون، أما سبب الاسم، فقد كان السعدني كلما سأله سجين عن حاله يرد بثلاث كلمات (زي ما أنت شايف)، ومن باب الاختصار جمع الأحرف الأولى وصار يرد (زمش).

ويرى عمّنا السعدني أن أصوات تلاوة القرآن تكاد تكون محصورة في مصر، وأنه كنز وهبه الله للمحروسة دون غيرها. 

مؤكد أن في كل بلد إسلامي قُراء مشاهير، لكنهم لا يقارنون بالقراء المصريين، ليس من باب التعصب، بل بشهادات القُراء الآخرين أنفسهم، وتتلمذهم على أيدي عمالقة القُراء المصريين.

وقد تخطت مكانة القُرّاء المصريين حدود هذا البلد الكريم دون أن تتوقف عند فئة بعينها، لكنها تغلغلت في نسيج الشعوب، من العامة إلى الخاصة، ومن رجل الشارع إلى الحاكم.

تقدم ملك المغرب، محمد الخامس، إلى السلطات الفرنسية خلال إقامته في منفاه الإجباري، بطلب يسمح له بالاحتفاظ بأسطوانات الشيخ عبد الباسط عبد الصمد.

واستدعي الشيخان عبد الفتاح الشعشاعي وأبو العينين شعيشع لإحياء ليالي مأتم الملك غازي ملك العراق. وعرض عثمان حيدر أباد، أحد أمراء الهند، وأحد أشهر أثرياء عصره، أي كمية من الذهب يطلبها الشيخ محمد رفعت مقابل إحياء ليالي شهر رمضان في قصره، وأصدرت إمارة عجمان طابع بريد عليه صورة الشيخ عبد العظيم زاهر، فضلاً عن تصدر القُرّاء المصريين في عصرهم ترتيل آيات الذكر الحكيم في المسجد الحرام والمسجد الأقصى في المناسبات الدينية، وغيرها من القصص كثير. 

ويتحسر السعدني على ما آلت إليه دولة التلاوة، وكيف كان أكثر من عشرة قُرّاء مشاهير يتواجدون في نفس الوقت والزمان، وأصبح البحث عن مقرئ واحد عملاً شاقًا، فقد ظهر المقلدون، وانبرت الفضائيات تروج لأصوات خليجية آناء الليل وأطراف النهار، وأشاعت جماعات الإرهاب أن الصوت الجميل يتعارض مع القراءة الشرعية، مخالفة ما قام به سيد الخلق، محمد حين طلب من سيدنا بلال رفع الأذان، لأنه أندى صوتًا، وعندما أشاد بقراءة سيدنا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، ووصفه بأنه أوتي مِزمارًا من مزامير آل داوود.

نكمل في مقال قادم
-----------------------
بقلم: د.م. 
محمد مصطفى الخياط
[email protected] 

مقالات اخرى للكاتب

ألحان السماء ودولة التلاوة (1)