01 - 01 - 2026

داوود عبد السيد في حوار عمره 17 عاما: 5 سنوات أبحث عن منتج لـ"الكيت كات"!

داوود عبد السيد في حوار عمره 17 عاما: 5 سنوات أبحث عن منتج لـ

- سنوات طويلة أبحث عن منتج يتحمس لـ "سارق الفرح" و "رسائل البحر" وهذا ما يجعل أعمالي قليلة
- شخصيات أفلامي كونتها كما تكوّنى لوحة من "البازل" كأجزاء متناثرة لا علاقة لها ببعضها
- عاهدت نفسى على شيئين حين تخرجت.. أن أكتشف إن كنت موهوباً أم لا؟ وأن يكون لى طعم خاص
- كثيراً ما اعتمدنا فى حياتنا على دخل زوجتي لأن دخلي كان ضئيلا مقارنة بها .. فعشنا على دخلنا معاً

رحل شاعر السينما داوود عبد السيد قبل أيام، ولم أجد غير حوار لي معه أعيد نشره احتفالا بفنه وانسانيته الطاغية                               

هو فنان له رؤية خاصة لمجتمعه ولفن السينما الذى عشقه منذ دخل مصادفة وهو فى السادسة عشرة استوديو جلال، وهو تجربة خاصة أيضاً يكتب ويخرج معظم أفلامه بعد مشوار طويل عمل فيه مساعداً لكبار المخرجين يوسف شاهين وكمال الشيخ وممدوح شكر قرر أن يجرب السينما التسجيلية ليغوص فى مجتمعه ويرصد مشاعر المصريين فى وصية رجل حكيم وعن الناس والأنبياء، ثم هجرها إلى أفلام روائية كتب معظمها منها الصعاليك وأرض الخوف وأرض الأحلام ومواطن ومخبر وحرامى ورسائل البحر، واستعان فى القليل منها بروايات منها مالك الحزين لإبراهيم أصلان فى الكيت كات وسارق الفرح لخيرى شلبى. 

داوود عبدالسيد مؤلف ومخرج مقل رغم أفلامه الثمانية، تحتاج مشاريعه إلى سنوات طويلة قبل أن ترى النور وهو عزوف عن فكرة النجومية ويصعب التحاور معه، لا يرى ضرورة للحديث إلا بعد ظهور فيلمه لكنه خصنا بأن نكون أول المحاورين.. التقينا به فى بيته فى مصر الجديدة وحضرت معظم اللقاء زوجته الصحفية كريمة كمال بعد أن ألححنا عليها للبقاء.. 

* قلت له إن الفيلم يعكس رؤية الفنان لمجتمعه فى لحظة معينة لأن ما نكتبه فى لحظة سيختلف بالضرورة عما نكتبه فى لحظة تاريخية أخرى. لهذا أريد أن أسألك عن لجوء شخصياتك المحبطة إلى النيل فى فيلم الكيت كات والى البحر فى رسائل البحر وخروجها بنظرة جديدة للعالم بتفاؤل ما.. رغم السمك الميت الذى يحاصر قارب البطلين.. 

- قال: "وجعلنا من الماء كل شىء حى".. جاءت الحياة من الماء وتعود إلى الماء أيضاً والبحر غير النيل.. البحر قوة مطلقة النيل نهر له حدود الخير والعذوبة. فى رسائل البحر طرد الاثنان من المدينة، وحين تطردين تلجئين إلى الأوسع، إلى الأرحب، إلى الأعمق إلى غير المحدود بالنسبة لحياتهم وللإسكندرية. هو البحر.

* هل ترى الآن أن المدن تطرد البشر؟ 

-  مدننا.. القاهرة مدينة طاردة وجاذبة فى ذات الوقت. هى تجذب الكثيرين للهجرة إليها والعيش فيها، فى حين يرغب الكثير من أهلها فى هجرها، ولكنهم لا يستطيعون. ليست القضية أن المدن طاردة لكن المجتمع المصرى هو الطارد. 

* التلامس مع الواقع فى أفلامك من حيث الأسلوب يختلف كثيراً عن واقعية صلاح أبوسيف أو بركات أو كمال الشيخ.. كيف تحقق هذا؟     

 قال: صاحب الأسلوب لا يستطيع الحديث عنه.. هذا عمل الناقد. ولكن فروق التناول كبيرة من جيل لجيل، وفى نفس الجيل أيضاً صلاح أبوسيف يختلف عن كمال الشيخ عن بركات وكلهم يختلفون عن يوسف شاهين وتوفيق صالح. نفس الحكاية فى جيلنا والأجيال التى جاءت بعدنا.. الواقعية عند صلاح أبوسيف كانت أكثر أرثوذكسية وكانت طبيعية قليلاً.. وعند بركات أكثر خفة وشاعرية.. وعند يوسف شاهين فى أفلامه الأخيرة خاصة فيها "طقات".. لكنى لا أستطيع الحديث عن نفسى.. 

• كيف حاولت الاختلاف؟ 

- القضية أن عندك مضموناً وهو الذى يختار شكله. والمؤكد أنه حتى رغم تقارب الأسلوب فى أفلام نفس المخرج إلا أن كل فيلم يختلف فى أسلوبه إلى حد ما، ورغم أن المخرج وقت عمله فى أى فيلم تشغله قضايا مجتمعه إلا أن هذا ليس معناه أن تظهر هذه القضايا فى فيلمه إلا إذا كان مشغولاً بقضية بعينها ويريد أن يقدم فيلماً عنها مثل فلسطين أو العراق أو الديمقراطية فى مصر.. وغالباً أنا لا أفكر بهذه الطريقة.. أنا أفكر فى حكاية أو شخصية ثم أجعلها تقابل أناساً آخرين ثم تتصادم العوالم وتكون أحداثاً وتتحرك خطوة لكى تحدث تصادمات أخرى وهكذا. باختصار أنا 

أتوحم مثل النساء.. تقول المرأة نفسى فى خيار أو بطيخ فى الشتاء ونحاول أن نجده. 

أريد أن أقول لك إن الأفلام مثل الروايات والقصائد واللوحات أو أى عمل فى الإبداع، والمبدع يبدأ بالفكرة أو الشخصية وهكذا. 


داوود عبدالسيد مع الشيخ حسني أثناء تصوير "الكيت كات".

* شخصياتك مميزة جداً حتى الثانوية منها..  من أين تلتقطها؟ 

- كنت أفضل أن التقطها وأن تكون لدىّ الحصيلة والخبرة الإنسانية الكبيرة التى تجعلنى أستخرجها منها، لكن ما حدث غير ذلك. أنا أكونها من التفاصيل الصغيرة التى التقطها من الحياة العادية. أنا لم أر قابيل ولا يحيى ولا نورا. كل الشخصيات كونتها كما تكوّنى لوحة من "البازل" كأجزاء متناثرة لا علاقة لها ببعضها من اليومى. لكن هناك فنانين لديهم المعرفة الموسوعية بحكم طبيعة حياتهم وكيف عاشوا. الواحد منهم لديه آلاف الشخصيات يحكى لك عنها.. شخصيات حقيقية قابلها.. كنت أتمنى أن أكون واحداً منهم. أنا أفكر فى شخصية وأضعها فى مواقف ولقاءات مع بشر وتبدأ سلسلة تفاعلات تخلق أحداثاً بوعى أو بدون وعى ما لم تأت لك تجربة كاملة مثل كتابة قصيدة. يأتى الإلهام بطرق كثيرة لكن إذا لم يأت فعليك أن تبحثى عنه

* هذا يعود بنا إلى تفضيلك لكتابة أعمالك بنفسك وباستثناءات قليلة فى سارق الفرح الكيت كات، وأرض الأحلام. 

- ما أفضله أن أجد ما أريد أن أنفذه أمامى سواء فى رواية أو فى سيناريو، وهذا ما حدث معى فى الأعمال التى ذكرتها، لكن فى نفس الوقت يمكن أن أقرأ مثلك راوية، وأحبها لكن لا أحب أن أحولها إلى فيلم. أحبها كمتذوق لأنها تثير اهتمامى. أنا لا أفضل أن أكتب أعمالى بنفسى لكنى لا أجد الأفكار التى تستفزنى لتنفيذها لهذا أكتب لنفسى.. وفى حقيقة الأمر أتمنى أن أقرأ رواية ولا أستطيع الخروج من أسرها فأنفذها.. لكن إذا لم تأسرنى الرواية أو القصة فلن أستطيع تقديمها فى فيلم.                                              

* الوصول إلى الناس فى فيلم "البحث عن سيد مرزوق" يختلف كثيراً عن الوصول إليهم فى "الكيت كات".. أسمى ذلك المتعة. هل تفكر فى طريقة لإمتاع الناس أو إضافة جاذبية خاصة للفيلم للوصول لأكبر عدد من المشاهدين قبل صناعة الفيلم أو فى مرحلة متأخرة أم لا تشغل بالك؟. 

- قال: أنت تفكرين فى المتعة باعتبارك أول قارئ لعملك يا هالة.. ما تسمونه فى الصحافة قارئ الزيرو. لو شعرت بمتعة فيما تكتبين سيشعر القارئ بها، لكن لو لم تشعرى بها خلاص. ومعنى أن الذى أكتبه ردىء ولا يصلح لعمل فيلم أن يكون هناك خطأ ما، وغالباً لو حدث هذا لن أستطيع أن أكمل العمل.

* كنت أقصد تغير نوع المتعة بين هذين العملين والجاذبية الأكثر شعبية فى الكيت كات.. 

- ارتكبت أخطاء فى فيلم البحث عن سيد مرزوق. ربما شعر الناس بأنهم يجب أن يبحثوا عن معنى، بينما الفيلم فى مستواه الأول أبسط من هذا كثيراً.. وسيد مرزوق فيه قيمة المتعة لكن ربما كانت خبرتى كمخرج هى التى كانت الناقصة، جائز ناقصة فى التفاصيل، وربما زادت فى شىء آخر فى الكيت كات.. وربما لأن الفيلم كان يعتمد على رواية فيها شخصيات جذابة.. هذه هى رحلتك مع خبرتك المهنية والإبداعية. 

* بدأت مساعداً ليوسف شاهين وشخصيات أفلامه متلعثمة.. وجاءت شخصية يحيى متعلثمة أيضاً. هل هناك علاقة أو تناص كما نسميه أو تلامس؟

- يوسف شاهين هو الذى كان متلعثماً، ولا أعتقد أن لهذا علاقة بشخصية يحيى فى رسائل البحر والتعلثم سببه الصعوبة فى الاتصال بالآخرين. وقد تكونين طليقة فى الكلام لكنك تجدين صعوبة فى الاتصال لأسباب مختلفة، وهذا يعود إلى طريقتك فى التفكير، ولأسباب كثيرة يمكن تجسيدها فى التعلثم من بينها عدم الثقة فى النفس.. وقد أصبح يوسف شاهين فى نهاية حياته أكثر طلاقة فى الكلام.

* أعمالك بصفة عامة تهتم بالصورة حتى يمكن أن نقول إنها تلعب دوراً يوازى لغة الحوار هل هذا تأثير عملك فى الأفلام التسجيلية؟

- لا أستطيع الاكتفاء بكلمة أن الصورة جميلة. الصورة هل هى موظفة بشكل صحيح أم لا؟ وتلعب دوراً كما يلعب الحوار والزمن وجميع عناصر الفيلم، وتحمل الرسالة مثل جميع عناصر تشكيل الفيلم؟

* هل تعتبر نفسك قد تأخرت فى تقديم أعمالك السينمائية الطويلة؟ 

- لم أكن مستعداً للدخول وتقديم فن لست متأكداً من أنه مختلف، لأنى عاهدت نفسى على شيئين حين تخرجت.. أولاً: أن أكتشف إن كنت موهوباً أم لا؟ وإن اكتشفت أننى لست موهوباً أذهب إلى مهنة أخرى على الفور. ثانياً: أن يكون لى طعم خاص حين أصبح مخرجاً. ببساطة أقدم إضافة للسينما الموجودة لأصبح مثل غيرى. أن ترى فيلماً لأحد ولا تعرفي من هو أو تخلطي بينه وبين فنان آخر، ولا تكوني لك بصمة واضحة. حين تضعى لنفسك حواجز وقيوداً لابد أن تقفزى عليها لهذا تحتاجين إلى وقت أكثر.. وأنا أخذت عشر سنوات لكى أتأكد من أننى موهوب وبعد ذلك أخذت كام سنة لكى أبدأ تقديم شىء له مذاق خاص بى.

* مازلت تحتاج إلى وقت طويل من فيلم إلى فيلم.

- من فيلم إلى فيلم هذه مسألة إنتاج. لابد من الوصول إلى منتج يتحمس للفيلم.. بعد الصعاليك عملت سيد مرزوق وكان عندى مشروع الكيت كات درت به على المنتجين لمدة خمس سنوات ولم أجد من يتحمس له.. وهكذا. ما كان يعطلنى هو الأسباب الإنتاجية، وحدث هذا فى سارق الفرح أيضاً.. وحدث مع رسائل البحر حيث احتجت إلى مدة طويلة لأجد من ينتجه..

سينما اللحظة

* إن كان قد آن الأوان لسينما جديدة خاصة بعد ما أن تراجعت موجة السينما الكوميدية، وظهرت موجة اجتماعية تهتم بالمهمشين. هل حال السينما أفضل الآن ولماذا؟ 

- (قال بهدوئه الذى لم يتغير منذ جلوسنا معاً): الحال أفضل من عشر سنوات مضت، والدليل نجاح فيلم مثل رسائل البحر، وأعتقد أن السبب هو وجود أجيال جديدة أكثر اطلاعاً على السينما العالمية وأكثر ثقافة وقدرة على التذوق. ترى الأفلام المصرية ولها ملاحظات كثيرة عليها وتحفظات أيضاً، وأصبح هناك طموح لمشاهدة نوع آخر من السينما 

* بعد موجة الأفلام مثل "هى فوضى" وحين ميسرة.. هل تأكدت البطولة الجماعية فى مواجهة البطولة الفردية؟ 

- لايزال المشاهد يرغب فى البطل، وفى رؤية نجمه المحبوب فى دور أساسى رغم أن السينما المتعددة الأبطال موجودة، وقد فرضتها ظروف الإنتاج التى تضطر لاختيار مجموعة من الشخصيات.. والمخرجون والمنتجين وكتاب السيناريو لا يجدون عدداً من النجوم يكفى أفلامهم فيلجأون إلى الوجوه الجديدة والمجموعات وهو ما يتيح أعمالاً مختلفة.. والحالتان هما حالتان صحيتان لأن الممثلين الجدد سيخرج منهم نجوم كبار بعد ذلك.       

* لماذا لم تعد السينما المصرية تعتمد على النجمات مثل أفلام شادية أو سعاد حسنى أو نادية لطفى أو ليلى مراد أو نجلاء فتحى أو ميرفت أمين.. أين ذهب هذا الزمن؟

- لا أعرف.. هذا سؤال تحتاج إجابته إلى تفكير أعمق لفترة أطول. تعالى نفكر معاً ما هو دور المرأة فى الحياة حالياً؟ وما هو نوع الصراع الذى تقدمه الدراما، وهل تصلح لهذا الصراع المرأة أم لا؟.. آخر نجمة فى رأيى كانت نادية الجندى التى كانت تقدم دور المرأة القوية المسيطرة القادرة على الصراع، وأذكر أن صديقاً لى سأل بعض الممرضات عن سبب مشاهدتهن لنادية الجندى فقلن له: لأننا نتعلم منها كيف نتعامل مع الناس. قدمت نادية الجندى أدوار المرأة القوية الجريئة التى تستهدف البنات والرجال بسبب جاذبيتها الجنسية.. بعد ذلك ـ إلا إذا خانتنى الذاكرة ـ لم تظهر نجمة إلا عبلة كامل على الرغم من أنها قدمت أفلاماً قليلة، وأيضاً ظهرت فى سن كبيرة نسبياً وبعد أن سمنت وتحجبت وهذا يسير فى إطار السينما الكوميدية اللبط لأنها تقدم الست البلدى خفيفة الدم، وهذا جانب ليس فقط يمس حاجة اجتماعية لدى الجمهور وإنما هو جزء من صناعة السينما التجارية أيضاً.. ثم ظهرت الفنانات مثل وردة حلوة فوق مائدة الطعام انت لن تأكلى الوردة لأن جمالها ليس فى طعمها. قد يكون هذا نتاج كتابة الكتاب وطلبات المنتجين والمخرجين وقد يكون هذا طلباً اجتماعياً وما سنقوله هو مجرد نظريات صعب تحديدها.. لأنه حتى فى فترة ظهور نادية الجندى لم تنافسها نجمات ربما إلا نبيلة عبيد، لكن لم تكن فترة شبيهة بنادية لطفى وسعاد حسنى ومديحة كامل وكن نساء جميلات وهن الأعلى أجرا.

* هل هذا مرتبط بمنظومة اجتماعية اختلفت فيها النظرة للنساء.. الآن لا تنجح النساء فى مجلس الشعب إلا بصعوبة بالغة وبظروف خاصة على سبيل المثال؟ 

- قد يكون هذا صحيحاً فى منظومة البيزنس وتهميش دور المرأة فى المجتمع وكلها  احتمالات

* نعود إلى آسر نجم رسائل البحر هو ليس من اكتشافك، فقد قدم بطولة مطلقة فى فيلم الوعد لكنك أعطيت فرصة أو لنقل إعادة اكتشاف لمحمد لطفى وكذلك لبسمة ونبيهة لطفى.. 

- آسر ليس اكتشافى ولا إعادة اكتشاف لأنه لم يكون صورة عن نفسه بعد بحيث تعيدين اكتشافه، ومحمد لطفى ليس إعادة اكتشاف لكن الشخصية حلوة وجذابة لدرجة أنها استطاعت أن تخرج قدراته، وحتى هذه الشخصية كان قد لعبها من قبل فى فيلم كباريه مع فارق كبير. القضية أن الدور الحلو يخرج من الفنان أفضل ما عنده.

* لو أنك تعمل فى سينما أخرى فى مكان آخر، هل كانت الرحلة ستصبح مختلفة؟ سؤال مر فى ذهنى وأنا فى طريقى إليك، إذ تذكرت فرانز كوبولا وأعماله العظيمة فى صدر شبابه وتساءلت: لماذا تأخر داود هكذا؟  

- قال مبتسماً: حسب المجتمع.. نعم لو كنت فى مجتمع أمريكى مؤكد كنت سأنتج بشكل مختلف كثيراً عما لو كنت فى ليبيا لكنى فى النهاية راض أننى عشت فى مصر وسعيد بهذا، ولا زلت..             

* لاحظت أن لغة الحوار فى الأفلام الموجودة فى السوق أصبحت رديئة.. فتقديم الطبقات الشعبية والمهمشين ليس معناه تقديم الإسفاف. 

- القضية هى قضية السينما التجارية.. منذ ستة أشهر قرأت رواية إيطالية اسمها الشوارع العارية من ترجمة إدوار الخراط تدور أحداثها فى حى شعبى فى فلورانس. شدنى الجمال والشاعرية.. الفقر ليس معناه أن تقدمى إسفافاً.. المفروض تقديم وجهة نظر.. وليس لأنك تقدمين شيئاً شعبياً أو تقدمين وجبة حريفة أن تضعى الكثير من الشطة.. أنت تقدمين فيلماً له طابع اجتماعى وأحاسيس ومشاعر مرهفة. أهدافك من تقديم البيئة هى المهمة.. أنا لا أمانع أن أسمع أقبح الألفاط فى عمل شاعرى ولكن لدى مانع أن أرى الناس تصلى وتقرأ القرآن أو الإنجيل أو التوراة فى عمل تجارى.

* رفضت العمل فى مسلسلات التليفزيون من قبل وقلت إن التليفزيون فى حاجة إلى ملاحم حتى تقدم الدراما ثلاثين حلقة.

- لم أقصد أن تكون لديك مادة ثلاثين حلقة، إنما أن تقدمى ثلاثين حلقة فيها رجل يحب امرأة.. تعالى نتساءل عما فى تاريخنا. لدينا مليون ساعة نستطيع أن نقدمها.. لن أقول لك عن تاريخنا القديم ولكن لنبدأ منذ محمد على وحتى الآن. أأترك هذا وأقدم الدراما التى نقدمها الآن؟ لماذا لا نقدم الأفكار الأخرى؟ لأن لها تكلفة وتقاليد الإنتاج التليفزيونى فى مصر هى تقاليد تجارية أكثر.. لهذا ينجح الإنتاج فى سوريا فى تقديم دراما تاريخية. مازال الإنتاج المصرى يعمل بثلاث كاميرات وديكورات وكم دقيقة فى اليوم. أنا لا أرى أن هذه الطريقة فى الإنتاج يمكن أن تقدم أعمالاً ذات قيمة.


كريمة كمال وداوود عبدالسيد من حفل زفافهما

عالم حميم

* حين أردت الدخول إلى عالمه الحميم أخبرنى بأن عالمه الداخلى لا يستطيع أن يتحدث عنه، لأنه العالم الذى يخرج فى الأفلام التى يكتبها.. 

- (ضحك قائلاً عن عالمه الخارجى): أنت ترينه الآن هناك غرفة مكتب منعكشة، وغرفة نوم فى الدور الثانى وتليفزيون واختنا كريمة                                              

 * واضح تأثير كريمة على موقفك من المرأة فى أفلامك التى تطرح أفكاراً تقدمية جداً عن النساء 

- لا. لاعلاقة لكريمة بهذا، أنا شديد التقدير للمرأة، وللمرأة المصرية خاصة، وأرى أن المرأة المصرية أفضل من الرجل، وقد يكون هذا الرأى غير حقيقى، وغالباً هى مثل الرجل وأن قضية المرأة والرجل هى قضية منتهية وبديهية ومستهلكة، وهى قضية إعلامية أو سلفية والإعلام يوسع فيها حتى خارج مصر. والسلفيون يحجمون المرأة بقدر الإمكان. فى الحياة بديهيات الرجل والمرأة جنس بشرى واحد.          

* لو رسمنا عالمك، ما تحب من موسيقى وفن تشكيلى وكتاب كيف تكون اللوحة؟ 

- كنت أسمع الموسيقى بشكل عام وأفضل السيمفونى أكثر، وأيضاً موسيقى البوب الحلوة. وأحب الموسيقى الشرقية القديمة، وأم كلثوم وعبدالوهاب، وعبدالمطلب كمتذوق عام وأيضاً ليلى مراد وأسمهان.

 * ومن الأصوات الجديدة؟ 

 - هل توجد أصوات جديدة؟ لا أعرف. 

  * هيفاء وغادة وشيرين و.. 

 - هيفاء: ليس أحلى ما فيها صوتها.. ولا أعرف غادة من؟

* رجب

– لا أعرف.. شيرين ظريفة، بنت بلد كده. لكن لا يوجد صوت آسر، وبعيداً عن الأصوات أين الموسيقى وأين الكلمات. أتمنى أن أمسك بدفتر وقلم وأكتب شعر الأغانى إذا كان هذا يمكن أن يسمى شعراً لأن ما يحدث شىء "يخض". 

  * هل تتابع الفن التشكيلى؟ وما هى آخر رواية قرأتها؟ 

  - أشاهد معارض لكنى لا أتابع أى شىء.. لا أتابع السينما ولم أعد متابعاً بهذا المعنى.. أحب كثيراً من الفنانين المصريين خاصة فى الجيل السابق منهم حامد ندا، وحسن سليمان، وجاذبية سرى، وآخرين وأخاف أن أنسى أسماء مهمة. آخر ما قرأت رواية إن صحت تسميها كرواية لعلاء خالد. وكما قلت لك أنا لا أتابع أحداً وإذا قال لى أحد الأصدقاء إنه قرأ رواية أبحث عنها وأشتريها لأننى أحب الاحتفاظ بالأعمال التى تعجبنى.. أحب القراءة لماركيز ولكنى لا أقرأ كل ماركيز وأحب أن أقرأ كونديرا لكنى لم أقرأ كل أعماله وأقرأ من الكتاب المصريين بهاء طاهر والبساطى ولكنى لست متابعاً بالمعنى الذى تقصدينه لأن المتابع لا يفوته شىء. 

* هل تجد ساعات للقراءة؟ 

- أحياناً ست ساعات فى اليوم وأحياناً ولا دقيقة واحدة. أحياناً عمل أدبى، وأحياناً الصحف والمجلات، وأحياناً سيناريو لصديق وليست كل قراءتى للاستمتاع.

* المثقف وهل يكتفى بدوره الإبداعى أم ينطلق إلى الحياة العامة ليسهم فيها بالتوازى مع عمله وإنتاجه؟.

- حسب نوع المثقف؛ هناك مثقف يجب أن ينشغل بإبداعه فحسب، وهناك مثقف ينشغل بالحياة العامة. وكثيراً ما أتساءل حين أقرأ لأسامة أنور عكاشة وأتابع أعماله الدرامية من أين يأتى بالخصوبة؟ وكذلك بالنسبة لعلاء الأسوانى فى الفترة الأخيرة: يكتب المقالات والروايات.. وهناك كاتب عظيم مثل البساطى لا يكتب إلا رواياته ويتابع الحياة العامة، وله رأى فيها لكنه لا يشارك فيها.. توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس كانوا كتاباً فى الأهرام وأن اكتفى بعضهم بالمشاركة الأدبية، ويوسف كان يكتب المفكرة.            

* ما هو المطلوب من المثقف فى الظرف المصرى الحالى؟ 

- أن يكون لبصيرته جلاء وصفاء وقادر على الرؤية لأننا فى زحمة شديدة وانفعالات وغضب شديد، ودعاية سياسية واجتماعية ، وحتى تتعرفى على أى قضية، حتى لو كانت قضية الزبالة ستعرفين وجهات نظر كثيرة من مصادر متعددة، ولها تفاصيل عديدة وأرى أن هذا خطأ. جريدة المصرى اليوم أقامت حملة لمكافحة الزبالة هذه ليست شغلتى. ليس عمل الناس تنظيف الشوارع هذا خداع غريب. أنا أدفع الضرائب، والمفروض أن يكون شارعى نظيفاً. ولا يهمنى تفاصيل تنظيفه وهناك أشياء أكبر كثيراً من الانشغال بهذه القضايا.. ولا يهمنى الانشغال فى قضية البرادعى إن كان يعمل لحساب أمريكا، أو أن يكون له محاكمة شعبية، أو أننا لن نغير له الدستور.. هذا كلام فارغ.. الأهم هو قضية الديمقراطية المقيدة فى انتخابات رئاسة الجمهورية، والعضوية لمجلسى الشعب والشورى. الأهم هو منع تزوير الانتخابات، وأن نصوت مباشرة فى الدائرة ولا ندخل فى متاهات لابد أن يكون لدينا وضوح رؤية.        

* هل تعرف الطبخ؟ وما هى أكلاتك المفضلة؟

- إلى حد ما أطبخ الأكلات التى نأكلها عادة. لست طباخاً ماهراً لكنى لا أكره الطبخ.. وأحب المشاركة فى المطبخ، أحب المؤانسة والملاغاة أثناء عمل الطعام.. ولو كنت سآكل وحيداً لا أطبخ مطلقاً وأكتفى بالفول والطعمية لأننى أحبها أكثر من أى طعام، كنت زمان أحب اللحم المشوى والسمك، لكنى مدمن فول. أحب الجبن أيضاً ورائحه العيش. لا آكل بدون عيش أنا ذوقى مصرى.                   

* متى أحببت لأول مرة؟

- لا أتذكر أول حب ، ومؤكد أنه كان لابنة الجيران أو من تماثلها. الفتاة التى لا تستطيعين أن تكلميها وبالطبع وأنا صغير جداً. 

* والحب الذى لا تستطيع نسيانه؟.. 

- (نظر إلى كريمة التى ضحكت قائلة يجب أن أختفى حتى يحكى براحته  فقال لها): لا داعى، هى كريمة نفسها.

* أعرف أنك قابلت كريمة فى فترة نضج هل يختلف الحب فى سنوات النضج عنه فى سنوات أخرى؟

قابلت كريمة وأنا فى الخامسة والثلاثين ولو تزوج الناس فى الخامسة والعشرين سيختلف الأمر عما إذا ما تزوجوا فى الخامسة والأربعين بالطبع، وأنا أتمنى أن يتزوج ابنى مبكراً ، (قالت كريمة: يهمنى أن يأتى له يوسف بأحفاد).                       

* لماذا أحببت كريمة بصفة خاصة؟

- لا أعرف.. كريمة سيدة ظريفة جذابة، فيها حاجة، إنسانة جدعة جداً، وجميلة جداً تشيع فى لحظات الصفاء حولها جو حلو تشعرنى بنطاق حلو حولها. وتعمل فى لحظات النكد أيضاً نكد عبقرى حولها أيضاً.

 يُعتمد عليها. وكثيراً ما اعتمدنا فى حياتنا على دخلها لأن دخلى كان بسيطاً مقارنة بها فعشنا على دخلنا معاً.. هى ست مصرية جدعة وقد تكون نساء الخواجات هكذا أيضاً لا أعرف. هى طموحة فى مهنتها تريد أن تصنع شيئاً وليست سيدة متفرغة للأشياء الهايفة هى امرأة ذات مميزات كثيرة. ولا علاقة للحب بتشريح الشخصية ولا يمكن وصفه وقد يحب أحدنا حبيباً لا مزايا فيه.                         

* ماذا عن الصداقة والأصدقاء المقربين؟

- عندى صداقات تاريخية مثل صداقتى مع زميلى فى المعهد محمد عماد، وكذلك خيرى بشارة. صداقات لها عمق قديم مثل أنس أبوسيف. ولدى صداقات أحدث ولكنها عميقة أيضاً وكلهم أصدقاء أعزاء.    

 * ما هى الصفة التى جعلت الصداقة تستمر؟ 

  - ربما التقارب فى الثقافة، فى الذوق، فى الاهتمامات. هناك أسباب كثيرة كأن يكون صديقك الأقرب ابن عمك ليس لأنه ابن العم. 

* لماذا اختلف الذوق المصرى  فى الفترة الأخيرة بصفة خاصة؟ 

- الذوق المصرى مختلف دائماً حتى فى نفس الفترة التاريخية لا يوجد ذوق واحد. كان لدينا أم كلثوم، وشكوكو، وعبدالحليم حافظ وأحمد عدوية، والاثنين حلوين، والذوق يختلف لأسباب كثيرة لأن كل ما حولنا يتغير.. الثبات يعنى الموت.وحتى الموت ليس ثابتا.     

* ما هو المشروع الذى كنت تتمنى أن تنفذه ولم تستطع حتى الآن؟ 

- ما أردت أن أعمله عملته. لا يوجد ما أندم عليه ولا ما أحزن عليه. لا يوجد داخلى رغبة إذا ما عاد بى الوقت أن أغير شيئاً رغم أننى ارتكبت أخطاء. وسوف أرتكبها مرة أخرى إذا ما عاد بى الزمن.

* ما رأيك فى قضية هشام طلعت مصطفى؟

- لا رأى لى فى هذه القضية لأننى لا أستطيع أن أقول إن كان هو القاتل أم أنه برىء، لأننى لا أملك القدرة على المعرفة، وأى رأى سيقال سيبنى على أساس ما سمعنا، وما قرأنا فى الصحف، ونحن فى النهاية نتكلم عن أرواح. القضية ليست قضية هشام تحديداً، أو من الذى قتل سوزان تميم؟ ولكن ما هذه الملايين التى وجدت فى منزل السكرى فى البوتاجاز؟ والسؤال الأصعب ماذا لو أشعل أحدهم الفرن، قد يكون هشام أعطى النقود للسكرى ولا يكون حرضه على القتل، وقد يكون السكرى هو القاتل، ولكن مع هذا هناك أسئلة كثيرة وغريبة ولابد أن أندهش من أشياء كثيرة. 

* مثل ماذا؟ 

- من حجم الثروات التى تتكون بهذه السرعة أندهش من أن وزير التعمير السابق كان يسارع برفع قضية على أى صحفى يأتى على ذكر اسمه ثم يحصل عند خروجه من الوزارة على وسام من رئيس الجمهورية ثم تقدم استجوابات ثم فجأة يبدأون التحقيق. أليس هذا السيناريو مدهشاً وغريباً؟ وهذا ما يؤكد وجود فساد كبير فى البلد. 

* ألا تفكر فى إنتاج سينما تغطى هذا؟ 

- يكفى ما تقدمه الصحف.. لأنك تقرأينه ولا يتبقى للفن إلا الأفكار العميقة الممتعة.
--------------------------------
 حوار: هالة البدري