- السؤال يتحول إلى جريمة.. بين نص قانوني فضفاض ومجتمع يخاف من التفكير وسلطة تحاكم النوايا
- محمد عيسي الصروي: الأزمة ليست في وجود النص بل في غموضه وتطبيقه الانتقائي وغياب الضمانات
- القمص بضابا بخيت: ادعوا أن الكنائس مخازن أسلحة ومراكز للدعارة والتعذيب، وجاءت الثورة لتكشف زيف الادعاءات
- محمود الأبيدي: الدين لا يستخدم للسيطرة الاجتماعية.. والدين لا يحتاج فوضى فكرية ليثبت قوته
في بلد يعلن دستوره أن حرية الاعتقاد مطلقة وحرية الرأي مكفولة.. يبقى الواقع يحمل تناقضا أعمق من الكلمات المكتوبة.. فمجرد التعبير عن رأي مختلف في الدين، سواء كان نقدا أو تساؤلا أو بحثا روحيا خارج السائد، قد يتحول في لحظة إلى بلاغ، ثم تحقيق، ثم قضية ازدراء أديان قد تغير حياة صاحبها بالكامل.
لا نتحدث عن قصص فردية، ولا عن حالات منعزلة، بل عن ظاهرة ممتدة تتجاوز حدود الدين الواحد، وتطال مسلمين ومسيحيين، متدينين ولا دينيين، شبابا يعبرون عن أفكارهم في مساحة رقمية بلا جدران، فيفاجأون بأن المجتمع والقانون يراقبان من خلف الشاشة.
هذا التحقيق لا يبحث عن الإثارة بقدر ما يحاول فك الاشتباك المعقد بين القانون والمجتمع والدين، في لحظة تاريخية أصبحت فيها حرية الفكر مقيدة بشبكة من الحساسيات والخطوط الحمراء، وأصبح المختلف أيا كانت خلفيته مهدّدا بأن يصنّف خصما للدين عوضا عن كونه صاحب رأي.
مادة تحاكم النوايا
تعد المادة 98 (و) من قانون العقوبات المعروفة باسم " مادة ازدراء الأديان" واحدة من أكثر النصوص القانونية جدلا في مصر.. فالنص شديد العمومية.. يسمح بتفسيرات واسعة للغاية، ويترك للقاضي تقدير معنى "الازدراء" و"التطاول" و"ازدراء الشعائر" و"التحريض على الفتنة".. هذه الصياغة الفضفاضة تجعل القانون قادرا على أن يتحرك في اتجاهين: حماية المقدسات من الإهانة، أو استخدامه كأداة للحد من حرية التعبير حين يتجاوز صاحبه حدود المقبول اجتماعيا.
خبراء قانونيون تحدثنا إليهم يؤكدون أن المشكلة ليست في وجود قانون يحمي المشاعر الدينية، بل في طريقة تطبيقه. فبحسب أحد الحقوقيين: القانون في مصر لا يجرم الإلحاد، ولا يجرم الاختلاف الديني، لكنه يجرم التعبير عنه لو اعتبر مسيئا للمجتمع.. المشكلة ليست قانونا ضد الإلحاد؛ بل مجتمع يرى أن مجرد إعلانك أنك مختلف تهديد مباشر له..
يشير حقوقي آخر إلى جانب أكثر حساسية: معظم قضايا ازدراء الأديان تبدأ ببلاغات فردية، غير صادرة عن المؤسسات الدينية.. أي مواطن يشعر بأن رأي آخر ضايقه يستطيع التقدم ببلاغ، وأحيانا يكون البلاغ مبنيا على سوء فهم أو قراءة مبتورة لمنشور على السوشيال ميديا...
المحاكمات في هذه القضايا لا تدور حول الفعل فقط، بل حول النية. فيستجوب صاحب الرأي.. هل كان يقصد السخرية؟ هل كان يقصد التشكيك؟ هل كان نقده يدخل تحت حرية التفكير أم الاعتداء على المقدس؟
هنا تكمن المعضلة: النية تحاكم، والمجتمع يفسر، والقضاء يقدر، في ظل حساسيات تتغير من وقت لآخر ومن مدينة لأخرى..
تتسع الدائرة اليوم لتشمل طيفا واسعا من الشباب الذين لا ينتمون لتيارات فكرية واضحة، البعض متدين جدا لكنه يطرح أسئلة نقدية حول التراث أو الممارسات الدينية، البعض مسيحي يميل للتفكير اللاهوتي المختلف أو يبحث خارج فكر الكنيسة التقليدية.. البعض لا ديني لكنه غير راغب في تحدي المجتمع فقط يريد مساحة للتفكير الشخصي... ورغم هذا التنوع، يجمعهم خيط واحد: الخوف من التعبير.
فعدد كبير من الشباب خصوصا على منصات التواصل أصبح يمارس رقابة ذاتية قاسية على نفسه.. يتجنب الكلمات التي قد تفهم خطأ، يحذف منشورات، يمسح كومنتات، يطمس أجزاء من أفكاره.. ليس خوفا من الدولة بقدر ما هو خوف من المجتمع، خوف من الوصم، خوف من التحريض، خوف من أن يتحول أي رأي بسيط إلى قضية..
هذا المناخ يخلق بيئة مغلقة فكريا فبدل أن يساهم الجيل الجديد في تجديد الفكر الديني أو تعميقه، يجد نفسه محاصرا بشعور دائم بأن التفكير نفسه مخاطرة.. وفي كل مرة تثار فيها قضية جديدة، يتجدد السؤال الجوهري: هل نحن مجتمع يخاف من ضياع الدين، أم مجتمع يخاف من حرية الفكر؟

هل ازدراء الأديان تطاول أم حرية شخصية؟
الأزهر والكنيسة.. أصوات مختلفة
الجانب الأكثر حساسية في هذا الملف هو موقف المؤسسات الدينية، وهي ليست كتلة واحدة كما يفترض، داخل كل مؤسسة أصوات مختلفة، بعضها يميل إلى الانفتاح، وبعضها إلى التشدد، وبعضها إلى الحذر...
يقول شيخ أزهري من تيار إصلاحي: "الدين لا يحتاج حماية من الأفكار، بل من الجهل، والنقد ليس مشكلة.. المشكلة حين نمنع الناس من التفكير… لأن ذلك يعطل التجديد." في المقابل، يؤكد شيخ أكثر محافظة: حرية الفكر جزء من الإسلام، لكن ازدراء الثوابت ليس حرية.. إذا سمحنا بالتعدي على المقدسات فسوف ينهار احترام المجتمع للدين.
هذه الثنائية داخل المؤسسة الدينية الإسلامية تجعل الرأي العام أكثر ارتباكا. فلا توجد رؤية موحدة، ولا سياسة محددة، بل مجموعة من الأصوات التي تتصارع داخل مساحة واحدة، ما يفتح الباب لخلط المفاهيم لدى الناس..
الأمر لا يختلف كثيرًا داخل الكنيسة.. فهناك أصوات تقليدية تؤمن بأن الفكر اللاهوتي المختلف خطر على وحدة الإيمان، بينما أصوات أخرى ترى أن النقاش جزء من الحياة الروحية..
يقول أحد القساوسة الشباب: الإيمان لا يهتز من رأي، يهتز من الفراغ الروحي.. لكن المجتمع القبطي نفسه حساس جدا لأي كلام يفهم كتشكيك، خصوصا على الإنترنت، في حين يقول كاهن آخر من الاتجاه المحافظ: هناك فارق بين البحث اللاهوتي وبين التشكيك.. الأول مطلوب، والثاني يسبب بلبلة في الشعب..
هذا التباين داخل الكنيسة يخلق بدوره حالة من التخبط.. ما هو مسموح؟ وما هو ممنوع؟ ومن المسؤول عن تصنيف الكلام؟ هل هو الكاهن أم المجتمع أم القانون؟
وما بين هذه الأسئلة يبقى الشباب المسيحي خصوصا المختلف فكريا في منطقة رمادية تشبه إلى حد كبير المنطقة التي يقف فيها الشباب المسلم.
المجتمع
إذا كان القضاء يصدر الحكم، فالمجتمع يصدر الاتهام.. في كثير من الأحيان، البلاغات لا تبدأ بسبب نص واضح يهاجم الدين، بل بسبب إحساس عام بأن الشخص يختلف أو يعترض أو يتجاوز المتعارف عليه.. المجتمع يتسامح مع الخرافة لكنه لا يتسامح مع التفكير، يتسامح مع الخطاب الطائفي أحيانا لكنه لا يتسامح مع النقاش الحر، يدافع عن الدين… لكنه يسمح بتهديد المختلف وإهانته...
المفارقة أن المجتمع نفسه هو الذي يقول: الدين لله، وكل واحد حر.. لكنه يضيف بعدها: بس مش قدام الناس، ومش على السوشيال، ومش بالطريقة دي.. هذا التناقض بين الأقوال والممارسة ينتج أخطر أنواع الرقابة.. الرقابة الجماعية، التي تجعل الفرد يخاف من الآخرين أكثر مما يخاف من الدولة...
حقوقيون.. لا حرية حقيقية دون إعادة تعريف الازدراء
أغلب الحقوقيين الذين تحدثنا إليهم يتفقون على أمر جوهري.. من دون تعريف واضح ودقيق لمفهوم “ازدراء الأديان”، ستبقى المادة مساحة مفتوحة لمعاقبة أي رأي يختلف مع السائد...
يرى أحدهم أن "المادة 98 (و)" تحولت من حماية إلى أداة ضبط اجتماعي، المجتمع يستخدمها ضد من يختلف أكثر مما يستخدمها لحماية العقيدة.. بينما تشير حقوقية أخرى إلى نقطة حاسمة: الحرية لا تقاس بما يستطيع المؤمن قوله، بل بما يستطيع غير المؤمن قوله دون خوف...
أما القول الأكثر جرأة فيأتي من أحد المحامين المعروفين بقضايا الحريات: مشكلة القانون ليست في نصه فقط، بل في وجوده داخل بيئة تخاف من الأسئلة.. أي قانون مهما كان متوازنا سيتحول إلى سيف إذا وضعته في يد مجتمع حساس دينيا...
توتر مستمر بين الدولة والمجتمع والدين
يبدو المشهد في مجمله، شبكة معقدة من المصالح والتوازنات.. الدولة تحاول الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، فتتساهل في قبول البلاغات المتعلقة بالدين..
المجتمع يتعامل مع الدين بصفته جزءا من الهوية، وليس فقط معتقدا روحانيا.. والمؤسسات الدينية تخشى من ضياع سلطتها في فضاء مفتوح بلا ضوابط.. وفي الوسط يقف الفرد المختلف، المتسائل ، الباحث وحيدا أمام ثلاثة سلطات أكبر منه...
هذا الاشتباك لا ينتج فقط قضايا ازدراء الأديان، بل ينتج واقعا كاملا من الخوف والرقابة الذاتية.. ويبقى السؤال الوجودي.. كيف يمكن لبلد أن يتقدم فكريا إذا كان مجرد التفكير المختلف يعامل كتهديد؟

د. محمود محمد الأبيدي
وظيفة الدين ليس قمع الآراء
- الدكتور محمود محمد الأبيدي، إمام وخطيب المسجد الجامع الكبير، ومدير المركز الثقافي الإسلامي بمدينتي، يقول: إن استخدام الدين كغطاء للسيطرة الاجتماعية أمر مرفوض شرعا، مؤكدا أن جوهر الدين لا يقوم على الهيمنة أو التحكم في الناس، بل على دعوتهم إلى الله بالرحمة واللين والموعظة الحسنة، كما أمر القرآن الكريم.. ويشير إلى أن الداعية أو المتحدث باسم الدين ليس صاحب سلطة اجتماعية، وإنما دليل يهدي الناس إلى الطريق، لا من يفرض عليهم اختياراتهم.
وعن سؤال: هل المجتمع يخاف من الأسئلة أكثر من خوفه من ازدراء الدين؟ يرى الأبيدي أن الأصل في المعرفة هو السؤال، لكنه يضع لهذا السؤال ضوابط واضحة، معتبرًا أن الخوف من ازدراء الأديان واجب، بينما السؤال ينبغي أن يكون موجَّهًا لأهل الاختصاص، مستشهدًا بقوله تعالى: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون».. ويضيف أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كثرة الأسئلة التي لا طائل من ورائها، محذرا من أن الجدل غير المنضبط قد يؤدي إلى إرباك الناس لا إلى هدايتهم..
وفيما يتعلق باستخدام القانون، يرفض الأبيدي فكرة أن يكون القانون أداة لإسكات المختلفين، مؤكدا أن القانون في الأصل لا يتعارض مع الدين، خاصة أن الدستور المصري ينص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع. ويرى أن وظيفة القانون، مثل الدين، هي تنظيم حياة الناس وتحديد الحقوق والواجبات، لا قمع الآراء أو تكميم الأفواه.
وحول النقد الديني، يصفه الأبيدي بأنه أمر نسبي ومتاح، شريطة أن يمارس في إطار من الاحترام للأديان والشرائع السماوية، واحترام الإنسان أيا كان معتقده، مستشهدا بقوله تعالى: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي». ويرى أن التعبير عن الرأي حق، لكنه يفقد مشروعيته حين يتحول إلى إساءة أو امتهان للمقدسات..
ويؤكد الأبيدي أن الدين قوي وقادر على مواجهة الأسئلة والاختلاف، مستشهدا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق».. ويرى أن الإشكالية ليست في قوة الدين ولا في ضعف المجتمع، بل في غياب التخصص واحترام الأدوار، مشددا على أن طرح الأسئلة الدينية يجب أن يوجه إلى العلماء والمتخصصين، كما أمر القرآن، معتبرا أن العلم والتدرج والرفق هي الضمانة الحقيقية لاستمرار الدين وتأثيره في المجتمع...

القمص بضابا بخيت
الكنيسة لاتخشى النقد
يعلق القمص بضابا بخيت، كاهن كنيسة القديسين مكسيموس ودوماديوس والأنبا موسى الأسود بالإسكندرية، إن الكنيسة لا تخشى النقد الموضوعي الساعي إلى الفهم، مشيرا إلى أن تاريخها ذاته قائم على مواجهة الأسئلة والاعتراضات، لا الهروب منها. ويؤكد أن الكنيسة تفتخر بعصور كاملة من الجدل الفكري والدفاع اللاهوتي، من بينها مرحلة الإمبراطور يوليانوس الجاحد، التي واجهها آباء الكنيسة بردود فكرية ولاهوتية ما زالت تدرس حتى اليوم.
ويرى القمص بضابا أن المجتمع القبطي الدارس والواعي بتاريخ كنيسته يدرك جيدا أن كل محاولات الهجوم على الإيمان لم تؤد إلى هدمه، بل أسهمت في تقويته، معتبرا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الاختلاف الفكري، وإنما في أساليب التهكم والتحريض التي قد تفتح أبواب الفتنة والانقسام داخل المجتمع.. ويشير إلى أن كثيرا من الشبهات المتداولة حول العقيدة المسيحية، مثل اتهامات الشرك أو تحريف الكتاب المقدس، تجد ردودا موثقة وواضحة في كتابات الآباء، وفي تراث الكنيسة وتعاليم رموزها، وعلى رأسهم البابا شنوده الثالث..
ويؤكد أن النقاش اللاهوتي الموضوعي لا يخيف لا الكنيسة ولا الشباب، طالما جرى في إطار حوار راق قائم على الاحترام والمنهجية، محذرا في المقابل من أن الخطاب القائم على السخرية والإثارة والتحريض قد يتحول إلى عنف لفظي وربما بدني.. وينتقد ما يصفه بازدواجية المعايير في التعامل مع الخطاب الديني، حيث يتسامح مع إساءات جسيمة موجهة للكنيسة، بينما ترفع تهمة «ازدراء الأديان» سريعا في مواجهة شباب يطرحون تساؤلات أو آراء مختلفة..
ويشير القمص بضابا إلى أن الكنيسة تعرضت على مدار سنوات لاتهامات خطيرة، من بينها الزعم بأنها مخازن أسلحة أو أماكن للتعذيب أو الدعارة، ومع ذلك اختارت الصمت، معتبرًا أن الأحداث اللاحقة كشفت زيف تلك الادعاءات.. ويؤكد أن الكنيسة تتبنى مبدأ تصحيح التعليم بالحوار لا بالمواجهة، مستشهدا بتعاليم البابا شنوده الثالث الذي كان يرى أن الإنسان الواثق من فكره يناقش بهدوء، بينما يلجأ الضعيف إلى الصراخ حين يفقد الحجة.
ويختتم القمص بضابا بالتأكيد على أن تاريخ الكنيسة القبطية منذ تأسيسها على يد القديس مارمرقس الرسول يقوم على منهج السؤال والجواب، كما تجسد في مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، التي واجهت الفلسفات اليونانية بالحوار والإقناع، لا بالقمع. ويرى أن هذا المنهج لم يضعف الإيمان، بل جعله أكثر رسوخًا، وأسهم في ترسيخ مكانة كرسي الإسكندرية كأحد أقوى الكراسي الرسولية، معتبرًا أن التساؤل والتلمذة الفكرية كانا دائمًا مصدر قوة للكنيسة لا تهديدا لها.

المحامي محمد عيسي الصروي
سياق من التمييز
يعلق المحامي الحقوقي محمد عيسى الصروي على الجدل حول المادة 98 من قانون العقوبات، مؤكدا أن الإشكالية الحقيقية لا تتوقف عند وجود نص قانوني من عدمه، بقدر ما تتعلق بسياق أوسع من التمييز والممارسات الواقعية ضد الأقليات الدينية.
ويقول الصروي إن قضايا ازدراء الأديان لا يمكن عزلها عن منظومة كاملة من السياسات والممارسات التي تنتج تمييزًا ممنهجًا، مشيرًا إلى أن المشكلة ليست في النصوص وحدها، بل في غياب إرادة حقيقية لدى السلطة التنفيذية من رأس الدولة إلى المؤسسات والوزارات المهنية، لتطبيق ما ينص عليه الدستور من أن حرية الاعتقاد مطلقة، وأن لكل إنسان الحق في اعتناق ما يشاء دون عواقب غير معلنة..
ويضيف أن هناك تيارا داخل المجتمع يتبنى فكرة «إهانة الأديان» كذريعة جاهزة لقمع الاختلاف، بينما الفلسفة الأصلية للقوانين سواء الدينية أو الوضعية تقوم على مبدأ «الضرر».. فحرق الكتب المقدسة أو التحريض المباشر على الكراهية والعنف يمكن اعتباره ضررا حقيقيا، أما التعبير عن الرأي أو التفكير المختلف فلا ينبغي أن يعامل كجريمة..
ويرى الصروي أن المادة 98 تعاني من خلل دستوري واضح، بسبب اعتمادها على ألفاظ مطاطية وغامضة مثل «الازدراء» و«التطاول»، دون وضع تعريفات دقيقة أو ضوابط قانونية منضبطة، وهو ما يجعل تطبيقها خاضعا للأهواء والمزاج العام، لا لمعايير قانونية واضحة. ويؤكد أن أي نص عقابي يجب أن يكون محددا: «تفعل كذا، تعاقب بكذا»، لا أن يترك الباب مفتوحا للتأويل..
ويشير إلى أن معالجة هذا الملف لا يجب أن تبدأ بالعقوبة، خصوصا عقوبة الحبس، بل بتغيير الممارسات على أرض الواقع، ومواجهة التمييز بشكل مباشر. ويتساءل: لماذا لا يوجد تمثيل حقيقي للأقباط في مجالات مثل الرياضة؟ ولماذا يتم التعامل مع المواطنين المسيحيين دائما بمنطق «الكوتة» لا بالمواطنة الكاملة؟ معتبرًا أن غياب تمثيل الأقليات في مجالات عديدة ليس صدفة، بل انعكاس لتمييز متجذر في المجتمع.
ويربط الصروي بين هذا الواقع وبين سياسات التعليم، التي رسخت الدين كمادة أساسية، في مقابل تراجع مواد أخرى، إلى جانب غياب المساحة السياسية وحرية النقاش العام. ويرى أن فتح المجال العام، والسماح بالتصادم الفكري الآمن، هو السبيل الحقيقي لبناء السلام المجتمعي، وليس القمع أو المنع.
وعن تطبيق المادة 98، يؤكد الصروي أن الواقع العملي يكشف خللا واضحا، إذ إن أغلب من تتم إدانتهم بموجبها ينتمون إلى الأقليات الدينية، بينما نادرًا ما تستخدم ضد أبناء الأغلبية، كما أن البلاغات ذاتها غالبا لا تقدم من مسيحيين أو يهود، إلا في حالات استثنائية جدا.
ويطرح تساؤلًا جوهريا حول جدوى الحبس في قضايا من هذا النوع، معتبرا أن إهانة المقدسات بصيغتها المطلقة لا تستدعي عقوبة سالبة للحرية، خاصة قبل إصلاح الممارسات التمييزية القائمة بالفعل..
وفي إجابته عن سؤال: هل يخاف المجتمع من الفكر أكثر من خوفه من القانون؟ يرى السروي أن المجتمع المصري لم يعتد أصلًا على ثقافة التفكير، لا دينيا ولا سياسيا، فالأطفال لا يُربّون على طرح الأسئلة، والاختلاف يقابل بالخوف، وهو ما يجعل أي شخص يفكر أو يتكلم عرضة لحملات بلاغات وتشويه.
ويشير إلى أن مصر تمتلك إطارا دستوريا متقدما نسبيا، فضلا عن تصديقها على اتفاقيات دولية مثل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، لكن المشكلة تكمن في القوانين المنظمة والمفسرة لهذه الحقوق، وعلى رأسها قانون العقوبات، الذي ما زال يتعامل مع قضايا السب والقذف وازدراء الأديان بمنطق عقابي لا يراعي حرية الرأي والتعبير..
وينتقد الصروى الزج بادارج بعض الحالات وتقديمهم إلى نيابة أمن الدولة والتى تختص بالاساس بنظر قضايا الإرهاب وإلصاق تهم اخرى غير تهمة الازدراء مثل الانضمام إلى جماعه إرهابية أو مشاركتها.
ويختتم الصروي بالتأكيد على أن المادة 98، بصيغتها الحالية وتطبيقها العملي، تمثل انتهاكا لحرية التعبير، ليس فقط بسبب غموضها، بل لأن استخدامها يتم بشكل غير عادل، حيث تطبق في الغالب على الأقليات، بينما نادرًا ما تطال أبناء الأغلبية، ما يجعلها أداة للضبط الاجتماعي أكثر منها وسيلة لحماية الدين.
تعريف جديد للحرية الدينية والفكرية
التحقيق لا يهدف إلى الدفاع عن الإساءة للدين، ولا إلى تبرير التعدي على معتقدات الناس، بالعكس.. حساسية الناس للدين مفهوم إنساني، لكن القضية الحقيقية ليست الإساءة، بل حدود التفكير.. أين تبدأ حرية النقد.. وأين ينتهي الاحترام؟ من يحدد الإساءة؟ هل كل من يختلف مع خطاب ديني سائد يصبح مزدر للأديان؟ هل الدين هش إلى الحد الذي يهدده رأي على فيسبوك؟ وهل المجتمع واثق بما يكفي من إيمانه ليقبل الاختلاف؟
الحرية الدينية ليست حرية الاعتقاد فقط، بل حرية التعبير عنه، وحرية تغييره، وحرية مناقشته.. والمجتمع الذي يخاف من الأسئلة، لا يضمن إجابات قوية، بل يضمن صمتا طويلا. الحرية لا تهدد الإيمان، بل تكشفه
في النهاية، السؤال ليس قانونيا فقط، ولا دينيا فقط، ولا اجتماعيا فقط. السؤال أكبر من ذلك.. هل نحن مستعدون لقبول أن الإنسان يمكن أن يفكر بشكل مختلف عنا دون أن نراه خصما للدين؟ المشكلة ليست في وجود القانون، بل في أن المجتمع يعتبر السؤال تهديدا، والاختلاف خيانة، والنقد ازدراء.
وما دام هذا الخوف قائما، سيظل أي صاحب رأي.. مهما كانت نواياه مهددا بأن يجد نفسه في مواجهة اتهامات أكبر من فكره، وأكبر من كلماته.. الإيمان الحقيقي لا يتزعزع من فكرة، ولا يسقط من نقاش..
لكن الخوف… الخوف وحده هو الذي يصنع العدو من مجرد رأي.
--------------------------
تحقيق: مادونا شوقي






