امتازت مصر طوال التاريخ بعمق تاريخها وتفرد جغرافيتها وخصوصية هويتها وأصالة حضارتها. مما جعلها تختص بسمات أخلاقية وقيم إنسانية حتى قبل أن يعرف الإنسان الأديان السماوية. فكانت دائما حصنا للغريب وملاذا للمحتاج. ولذا كانت ولا زالت طمعا لكل الطامعين. جاءتها ثلاث هجرات بشرية (الهكسوس واليهود والإسلام) وغزتها اثنتان وخمسون غزوة حربية. وكانت مصر وبحق هى مقبرة الغزاة يتم صهرهم فى بوتقتها الحضارية المتميزة ويصبحوا متمصرين ثم مصريين. كما أنه وهذا هو الأهم فالإنسان (مطلق إنسان) هو أداة لتكوين المجتمعات وصناعة الحضارات فى كل زمان وكل مكان ومطلق انسان هنا هو الذى ميزه الله وكرمه عن سائر المخلوقات، مع العلم أن حكمة الله سبحانه وتعالى جعلت كل الأديان سماوية وغير سماوية تتحدث عن مطلق إنسان. فلا المسيحية تحدثت عن الإنسان المسيحى ولا الاسلام تحدث عن الإنسان المسلم، وذلك لأن العلاقة الإيمانية بين الله والإنسان خاصة ولكن العلاقة الإنسانية بين الإنسان والإنسان عامة لا يحدها جنس أو دين أو لون. إذن ما هى الإشكالية هنا ؟ الإشكالية هى وللاسف الشديد الإنسان الذى تجبر وطغى واستبد. الإشكالية هنا هى تحويل الدين تلك العلاقة الإيمانية بين الله وبين الإنسان إلى أيدولوجية فكرية مصلحية يتم استغلالها أسوأ استغلال لتحقيق مصالح ذاتية واقتصادية وسياسية واجتماعية تحت ادعاء وزعم أن هذه الأيدولوجية هى صحيح الدين. وعندما يتحول الايمان إلى مصلحة ذاتية، هنا تبرر صحة تلك الأيدولوجية الدينية (إذا جاز التعبير)!
الدين يعنى النظرة الإنسانية للإنسان دون النظر إلى اسمه أو شكله أو دينه، الدين هو فعل الخير للجميع وحب الجميع، الدين هو العمل على التمسك بالقيم العليا وهى قيم مشتركة بين كل الأديان أرادها الله للإنسانية وترك الايمان العقيدى لكل إنسان تنفيذا لحكمته الإلهية فى التعددية الدينية التى تصل فى منتهاها إلى الوحدانية .
ولذا وبالرغم من إعلان تديننا الشكلى على مدار الساعة وبالرغم من افتخارنا وتفاخرنا بأننا شعب عرف الدين والتدين قبل كثير من الشعوب، إلا أننا ومنذ البداية حولنا الدين إلى أيدولوجية. فوجدنا من الباباوات من حارب الديانة المصرية القديمة والمثل الأشهر هو تعذيب العالمة المصرية المتفردة (هيباتيا) وجدنا ذلك الصراع السياسى والاقتصادي والاجتماعي بين العرب الوافدين بالإسلام وبين المسيحية الموجودة حينها، وكأنه ليس من الطبيعى أن يتعايش الإنسان مع أخيه الإنسان بالرغم من التعددية الدينية التى أرادها الله.
هنا كان الصراع بديلا للحب، كان التفرق بديلا للتوحد، كانت الطائفية الممقوتة كأنها قدر المصريين. ولكن ظلت مصر تحافظ على أصالتها الحضارية لإنسانها الحضارى. فبالرغم من عصور الصراعات والاضطهاد التى مر بها الشعب المصرى. ولكن والحمد لله لم تكن ولن تكون هناك ما يسمى بالحروب الأهلية بين المصريين مثل ما نرى حولنا. ولا شك أن تلك السمات الحضارية هى التى حافظت على مجمل التوحد المصرى رغم ذلك المناخ الطائفى. وبالرغم من التطور الايجابى الملموس فى هذا الإطار خاصة بعد ما جاء بدستور ٢٠١٤ والنص فى مقدمة الدستور على ان مصر دولة مدنية ديمقراطية حديثة. ولكن للأسف نرى تلك الممارسات الطائفية التى تثيرها تلك الجماعات المتطرفة التى تتاجر بالدين هنا وهنا وهى لا علاقة لها لا بصحيح الدين ولا بقيمه ومقاصده العليا! تلك الممارسات التى تهدد سلامة الوطن خاصة فى ظل الظروف غير العادية والتحديات الخطيرة التى يواجهها الوطن وعلى كل الجبهات. فهل هؤلاء ينتمون لمصر ويحبونها ويسعون إلى تقدمها؟ أم أنهم سواء كانوا يدرون أو لا يدرون يعملون فى غير صالح الوطن؟ والأهم أن الطائفية الملعونة ترفض الاخر أى آخر رفضا مطلقا وتعتبر أن الحياة هى مباراة صفرية (انا يا أنت). وبالتالى يتخندق كل طرف على ذاته فتتعالى الأسوار بين المصرى والمصرى ولا يعرف الآخر، ثقافة أو عادات أو تقاليد، وكأننا لسنا شعب واحد ولكن شعوبا. فهل يليق بوزير ألا يعرف حتى الأعياد الدينية للمصريين المسيحيين؟ وهنا بالطبع نرى تلك الحملات الطائفية المتبادلة هنا وهناك لتزيد الفتنة وتسهل مهمة الطامعين! هنا لابد للجميع أن يعلم أن مصر وطن لكل المصريين. وحكاية أنها وطن المسيحيين فقط، فهذا جهل بالتاريخ وبطبيعة ودور الإنسان فى تكوين الحضارات. مصر وطن المصريين المسيحيين والمصريين المسلمين وكل مصرى يعيش على أرضها وينتمى إليها ويسعى لتقدمها. أما الذى يعيش فى مصر بالجسد فقط وروحه مع آخر تتناقض مصالحه مع مصلحة مصر. فهذا ليس مصريا ولن تشرف مصر به سواء كان يحمل اسما مسلما أو مسيحيا. المواطنة الحقيقية والدولة المدنية ودولة القانون هى الحل. حمى الله مصر وحفظها وشعبها العظيم .
-------------------------
بقلم: جمال أسعد






