تمثل زيارة رئيس حكومة إقليم كردستان، السيد مسرور بارزاني، إلى جمهورية مصر العربية محطة سياسية ودبلوماسية بالغة الأهمية، تتجاوز بعدها البروتوكولي لتؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات بين إقليم كردستان والعالم العربي، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة تفرض على جميع الفاعلين إعادة قراءة خرائط التحالف والتعاون.
فالزيارة تأتي في توقيت دقيق، تشهد فيه المنطقة إعادة تموضع سياسي وأمني، وتزايد الحاجة إلى شراكات مستقرة قائمة على المصالح المشتركة، وهو ما يمنح هذه الخطوة بعدًا استراتيجيًا خاصًا، لا سيما أن مصر تُعد الركيزة المركزية في منظومة الأمن القومي العربي، وعمقًا سياسيًا وتاريخيًا لا يمكن تجاوزه في معادلات الشرق الأوسط.
تجديد لجذور تاريخية عميقة
لا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن السياق التاريخي للعلاقات الكردية –المصرية، الممتدة منذ مرحلة الزعيم الكردي الراحل ملا مصطفى البارزاني، الذي جمعته علاقات سياسية مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، في إطار مرحلة المد القومي والتحرري في المنطقة. واليوم، تأتي الزيارة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، لتجدد تلك الروابط التاريخية برؤية معاصرة تتلاءم مع متغيرات القرن الحادي والعشرين.
إن هذا الامتداد التاريخي يمنح العلاقات بين إقليم كردستان ومصر قاعدة رمزية ومعنوية قوية، يمكن البناء عليها للانتقال من مستوى التعاطف السياسي إلى مستوى الشراكة العملية والمؤسسية.
أبعاد اقتصادية وثقافية وأمنية
تحمل زيارة مسرور بارزاني أبعادًا متعددة، في مقدمتها البعد الاقتصادي، حيث تفتح الباب أمام توسيع التعاون التجاري والاستثماري بين الجانبين، خصوصًا في ظل الفرص التي يوفرها إقليم كردستان في قطاعات الطاقة، والبنية التحتية، والاستثمار، وهي مجالات تمتلك فيها مصر خبرات واسعة وشركات كبرى قادرة على لعب دور فاعل.
أما على الصعيد الثقافي والفكري، فإن الزيارة تشكل فرصة لإعادة تنشيط التبادل الثقافي والأكاديمي، وتعزيز التواصل بين النخب الفكرية والإعلامية، بما يسهم في تصحيح الصور النمطية، وبناء وعي عربي أعمق بتجربة إقليم كردستان السياسية والتنموية.
وفي البعد الأمني، تكتسب الزيارة أهمية خاصة، نظرًا لما تمتلكه مصر من خبرة طويلة ومتراكمة في مجال الأمن القومي، ومكافحة الإرهاب، وإدارة التحديات الإقليمية. ويمكن لهذا الرصيد أن يشكل أساسًا لتطوير التعاون الأمني وتبادل المعلومات والتنسيق الاستخباري، بما يخدم استقرار إقليم كردستان والمنطقة على حد سواء.
مصر… ثقل جيوسياسي لا يمكن تجاهله
تُعد مصر دولة محورية من الناحية الجيوسياسية، بفضل موقعها الجغرافي الفريد المطل على البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، ودورها الفاعل في القارة الإفريقية والشرق الأوسط. كما تلعب القاهرة دورًا رئيسيًا في صياغة السياسات الإقليمية، وفي إدارة ملفات معقدة تتعلق بالأمن، والهجرة، والطاقة، والنزاعات الإقليمية.
وتزداد أهمية مصر أيضًا كونها الدولة المؤسسة لجامعة الدول العربية، وصاحبة تاريخ طويل في إدارة الأزمات العربية، ولا سيما الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، فضلًا عن دورها المستمر في جهود التهدئة وصناعة القرار المتعلق بالحرب والسلام.
بوابة كردستان نحو إفريقيا
من الزاوية الاستراتيجية الأوسع، يمكن النظر إلى زيارة مسرور بارزاني بوصفها محاولة واعية لفتح آفاق جديدة أمام إقليم كردستان خارج محيطه التقليدي، حيث تمثل مصر بوابة طبيعية نحو القارة الإفريقية. فتعزيز العلاقات مع القاهرة قد يتيح للإقليم فرصًا أوسع للتواصل السياسي والاقتصادي مع دول إفريقيا، في إطار تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمسار واحد في العلاقات الخارجية.
وأخيرا فإن زيارة رئيس حكومة إقليم كردستان إلى مصر لا ينبغي التعامل معها كحدث عابر، بل كخطوة مدروسة تحمل في طياتها إمكانات سياسية واقتصادية وأمنية وثقافية واسعة. وهي تعكس توجهًا كردستانيًا نحو الانفتاح العربي المنظم، وبناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، في مرحلة تحتاج فيها المنطقة إلى مقاربات عقلانية، بعيدًا عن الاستقطاب والصراعات الصفرية.
----------------------------
بقلم: د. ريبوار بابكيي
* مختص في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية







