يشكل مسار بناء علاقات بنغلاديش مع الشرق الأوسط في تاريخ سياستها الخارجية فصلا يتجاوز حدود الجغرافيا ومقتضيات البروتوكول الدبلوماسي، ليغدو تعبيرا عميقا عن تشكل الوعي الدولتي، واستجابة واعية لإكراهات الواقع الاقتصادي، ومحاولة لإعادة صوغ الهوية الوطنية في سياق دولي معقد. وفي مطالع هذا الفصل ينهض اسم لا ينفك حاضرا في الذاكرة السياسية، هو ضياء الرحمن، الرئيس الشهيد، إذ تولى قيادة دولة خارجة لتوها من أتون حرب مدمرة، مثقلة بالفقر، ومأزومة في مسألة الاعتراف الدولي. فلم يقف جهده عند إعادة ترتيب الداخل وبناء مؤسسات الدولة، بل بادر إلى إرساء نهج خارجي يتسم بالواقعية والتعدد والانفتاح. وكان من أعمدة هذا النهج توثيق عرى الصلة مع المملكة العربية السعودية وسائر الدول الإسلامية في الشرق الاوسط، بما عكس إدراكا عميقا لمكانة هذه العلاقات في تثبيت موقع بنغلاديش إقليميا ودوليا، وربط حاضرها السياسي بعمقها الحضاري والأممي.
الواقع الدبلوماسي لبنغلاديش بعد الاستقلال:
عقب نيلها الاستقلال عام 1971، وجدت بنغلاديش نفسها في مواجهة واقع دولي بالغ التعقيد، تشابكت فيه استقطابات الحرب الباردة، وحسابات السياسة الإقليمية في جنوب آسيا، والتوازنات الدبلوماسية الدقيقة داخل العالم الإسلامي. وبفعل الإرث التاريخي والسياسي للعلاقة مع باكستان، أحجمت دول عربية وإسلامية كثيرة في البدايات عن الاعتراف بالدولة الوليدة، الأمر الذي قيد حضور بنغلاديش على المسرح الدولي، وأثار هواجس حقيقية من انزلاقها نحو العزلة والتهميش.
في ظل هذه الملابسات، لم يعد الانفتاح على الشرق الأوسط خيارا أيديولوجيا مجردا، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات البقاء والاندماج الدولي. وغدا تعزيز العلاقات مع المملكة العربية السعودية، بما لها من ثقل روحي وسياسي نافذ في العالم الإسلامي، محطة مفصلية في مسار ترسيخ الشرعية الدولية لبنغلاديش، وجسرا أساسيا للعبور نحو فضاء أرحب من القبول والتفاعل في الدائرتين الإسلامية والدولية.
فلسفة السياسة الخارجية لضياء الرحمن:
مع تولي ضياء الرحمن مقاليد الحكم، شهدت السياسة الخارجية تحولا نوعيا، إذ أزيحت الصرامة الأيديولوجية لصالح واقعية واعية تستند إلى قراءة دقيقة لموازين القوة ومقتضيات المرحلة. ولم تكن مقولته الشهيرة: الصداقة مع الجميع، والعداء مع لا أحد عبارة إنشائية عابرة، بل مبدأ حاكما رسم المسار العملي للدبلوماسية البنغلاديشية، وجسد إدراكا عميقا بأن الدولة الوليدة لا يستقيم حضورها الخارجي إلا عبر علاقات متعددة ومتوازنة، بعيدة عن الاستقطاب والخصومات. وقد استشرف ضياء الرحمن الشرق الأوسط برؤية ثلاثية الأبعاد، فرآه أولا بوصفه القلب النابض للعالم الإسلامي، حيث تتجسد المكانة القيادية والنفوذ الوازن للمملكة العربية السعودية. ورآه ثانيا فضاء غنيا بالثروات النفطية، بما يحمله من آفاق رحبة للتعاون الاقتصادي والاستثمار الاستراتيجي. أما ثالثا، فقد أدرك فيه سوقا واعدة للعمل، قادرة على فتح مسارات طويلة الأمد لتدفق العملات الأجنبية، وتعزيز ركائز الاقتصاد الوطني لبنغلاديش، وترسيخ استقرارها المالي والاجتماعي.
تأسيس دعائم العلاقة مع المملكة العربية السعودية:
في عهد ضياء الرحمن، انتقلت العلاقات بين بنغلاديش والمملكة العربية السعودية من إطارها الأولي إلى صيغة مؤسسية راسخة، قوامها التواصل المنتظم وبناء الثقة المتبادلة. فقد تكثفت القنوات الدبلوماسية، وتوالت الزيارات الرسمية والمشاورات السياسية، بما أسهم في ترسيخ أسس شراكة قائمة على الاحترام المتبادل وتلاقي المصالح. وجاء اعتراف القيادة السعودية باستقلال بنغلاديش وسيادتها ليحمل دلالة سياسية عميقة، مؤكدا مكانة الدولة الناشئة بوصفها جزءا أصيلا من الجسد الإسلامي. ولم تقف هذه العلاقة عند حدود الدولة ومؤسساتها، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي والثقافي، حيث أضفى التقارب الديني والوجداني بعدا إضافيا على عمقها واستمراريتها. وتنامى التعاون في مجالات إدارة شؤون الحج، والتعليم الديني، والتواصل الاجتماعي، بما أسهم في تعزيز الروابط بين الشعبين، وترسيخ صورة إيجابية للمملكة العربية السعودية في الوعي الجمعي البنغلاديشي، بوصفها شريكا روحيا وسياسيا ذا مكانة خاصة.
سوق العمل واقتصاد التحويلات المالية:
تجلت أنجح ثمار سياسة ضياء الرحمن تجاه الشرق الأوسط في بعدها العملي الملموس، حين فتحت الأبواب أمام العمالة البنغلاديشية للعمل في المملكة العربية السعودية وسائر الأقطار العربية. فمنذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، أخذ الحضور البنغلاديشي في سوق العمل السعودي يتسع باطراد، معلنا انبثاق فصل اقتصادي جديد في تاريخ البلاد، ومؤذنا بتحول بنيوي في مصادر دخلها الخارجية.
وسرعان ما ارتقت التحويلات المالية إلى موقعها بوصفها ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد الوطني، ومصدرا رئيسيا لتدفق النقد الأجنبي. وقد انعكس أثرها بوضوح على الريف البنغلاديشي، حيث أسهمت في تشييد المساكن، وتوسيع آفاق التعليم، وتحسين خدمات الرعاية الصحية، وإطلاق ديناميات جديدة للمشروعات الصغيرة. ولم تكن هذه التحولات اقتصادية صرفة، بل حملت في طياتها بعدا اجتماعيا عميقا، أعاد تشكيل أنماط العيش والتوقعات الاجتماعية، وترك آثارا بعيدة المدى على مسار التنمية الشاملة في بنغلاديش.
إعادة الاندماج الدبلوماسي مع العالم الإسلامي:
أفضى توثيق الصلات مع المملكة العربية السعودية إلى فتح آفاق رحبة أمام بنغلاديش للعودة إلى المشهد الدبلوماسي الواسع في العالم الإسلامي. فقد اتسع حضورها وتنامى دورها في المحافل الدولية، وفي مقدمتها منظمة التعاون الإسلامي، حيث برزت فاعلا مؤثرا في القضايا المشتركة. وفي ملفات من قبيل القضية الفلسطينية، وتعزيز أطر التعاون بين الدول الإسلامية، ودعم المبادرات التنموية، أخذ صوت بنغلاديش يكتسب وزنا متزايدا، بوصفه صوتا متزنا يحظى بالقبول والاحترام.
وقد أسهم هذا الانخراط المتجدد في ترسيخ مكانة بنغلاديش على الساحة الدولية، وإعادة صياغة صورتها الخارجية. فلم تعد تستحضر باعتبارها دولة حديثة العهد بالاستقلال خرجت من أتون حرب مدمرة فحسب، بل غدت تعرف بوصفها دولة ذات أغلبية مسلمة، واعية بمسؤولياتها، وقادرة على الإسهام البناء في قضايا أمتها الإسلامية ومحيطها الدولي.
السياسة الشرق أوسطية في معادلة التوازن الإقليمي والدولي:
جاءت سياسة الرئيس الشهيد ضياء الرحمن تجاه الشرق الأوسط محكومة بميزان دقيق من الحكمة والاعتدال، فمد جسور التواصل مع العالم الغربي دون أن يفرط في وشائج القرب من العالم الإسلامي، وصاغ من هذا التوازن رؤية دبلوماسية منحت بنغلاديش هامشا واسعا للاستقلال في القرار، وحرية في الحركة بعيدا عن منطق الاصطفاف القسري.
وقد شكل الارتقاء بالعلاقات مع المملكة العربية السعودية منعطفا مهما في مسار السياسة الخارجية البنغلادشية، إذ أضفى عليها قدرا من الثقة والرسوخ، وأكد أن بنغلاديش قادرة على إدارة علاقاتها مع القوى الكبرى بعقل سيادي، واضعة مصلحتها الوطنية في صدارة الاعتبار، ومنطلقة من إدراك واع لموازين الإقليم وتحولات العالم.
التقييم التاريخي:
بمنظار التاريخ، تتبدى سياسة ضياء الرحمن المتجهة نحو المملكة العربية السعودية رؤية بعيدة الغور، منسجمة مع مقتضيات زمنها وسابقة لمرحلتها. فقد أرست في تلك الحقبة الأسس الأولى لما غدا اليوم شبكة متينة من العلاقات الاستراتيجية والاقتصادية والإنسانية بين بنغلاديش والمملكة.
وما تشهده هذه العلاقات من استمرارية في مجالات تصدير القوى العاملة، وتدفق الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية، والتعاون الديني، ليس إلا ثمرة لنهج مدروس أطلقه ضياء الرحمن، ورسخ به حضورا بنغلاديشيا فاعلا في الفضاء الإسلامي، مؤكدا أن الرؤية السياسية حين تتأسس على الحكمة والبعد الاستراتيجي، فإن أثرها يمتد عبر الزمن ولا يحده سياق عابر.
ضياء الرحمن والمملكة العربية السعودية: بواكير السياسة الشرق أوسطية لبنغلاديش، وليس هذا العنوان مجرد توصيف لمرحلة من التاريخ، بل هو انعكاس لرؤية دولة تتشكل ولفلسفة سياسية تتبلور. فقد جسد ضياء الرحمن نموذجا فريدا لكيفية التقاء الدبلوماسية الواقعية مع الروابط الدينية والثقافية والحاجات الاقتصادية، في صياغة مسار يمكن دولة ناشئة من ترسيخ حضورها بثبات في الفضاء الدولي.
وما كان لتلك البدايات أن تفقد راهنيتها مع مرور الزمن، إذ لا تزال سياسة بنغلاديش الشرق أوسطية، في جذورها الأولى، تنبض بالدلالة والمعنى. وفي خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها السياسة العالمية، تبقى رؤية ضياء الرحمن القائمة على التوازن والواقعية وتقديم المصلحة الوطنية بوصلة هادية، ترسم للسياسة الخارجية البنغلاديشية طريقا واعيا بين تعقيدات الإقليم وتقلبات العالم.
--------------------------------
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
* كاتب بنغالي






