اضطرتني ظروفُ العمل أن أُقيمُ بمدينة بنها في بداية حياتي العملية ببلاط صاحبة الجلالة؛ لأستجيبَ لنداء الواجب، وأيِّ مطلب، ربما تحول بيني وبينه إقامتي بقريتي، حيث بُعد المكان، وصعوبة المواصلات آنذاك.
كان نزولي للقرية مساءَ كلِّ خميس للمبيت، وقضاء يوم الجمعة مع الأهل والأقارب، وحضور خطبة الجمعة بمسجد التوحيد، الذي لم يكن لي طاقةٌ على أن أستمع إلي خطيب غير خطيب منبره، الذي تتابع عليه أعلامُ الفكر والعقيدة والتوحيد الصافي، الخالص من الكدر.
أذكر من هؤلاء العلماء على سبيل المثال لا الحصر الأبَّ العلامة التربوي الشيخ صفوت نور الدين، طيب الله ثراه، الرئيس العام لجماعة أنصار السنة الأسبق، والشيخ أحمد فهمي، وسّع الله قبره، رئيس تحرير مجلة التوحيد الأسبق، ذا القلم السيال، والخطيب المفوه، الذي لا يعرف لسانه اللحن والخطأ، والأستاذ الدكتور عبدالله شاكر الجنيدي، حفظه الله وأجزلَ له المثوبة، ورحم والده الطيب الشيخ شاكر الجنيدي، مرورا بالشيخ العلَّامة المحدِّث الفقيه مصطفى العدوي، أمدَّ الله في عمره، والأجلاء الأثبات الشيوخ الكبار، حفظهم الله: د. عادل العزازي، وأبي الأشبال، والشيخ محمد حسين يعقوب، وغيرهم الكثير من علماء أنصار السنة الشوامخ، حفظ الله من بقي، ورحمَ من رحل.
من بين هؤلاء العلماء أيضا، خطيبٌ اهتزَّ له منبرُ التوحيد، وعرفه الناسُ خلال درس العقيدة كلَّ أسبوع بمسجد التوحيد، فأكبروا فيه التوحيد الخالص من كَدرِ الشرك بنوعيه الأصغر والأكبر، ومعرفته بأسماء الله وصفاته، وما يليقُ له من صفات الكمال، والجلال والجمال، وما يجوزُ في حقِّ الرسل، وما لا يجوز . خلال تلك الدروس، انبرى د. فتحي غريب يُذكّر رواد المسجد بعلامات الساعة الصغرى، والكبرى، والبعث والحشر والحساب، والجنّة والنار، وغيرها من مسائل العقيدة والتوحيد؛ ليسير الناسُ على الجادة، ويستحضروا وجودَ الله في حركاتهم وسكناتهم، في البيع والشراء، في الحلّ والترحال، في الإقامة والسفر؛ ليصيروا بهذا الاستحضار عبادا ربانيين، يقولون للشيء كن فيكون.
سمعتُ الكثيرَ عن هذا الشيخ، قبل أن أراه، فحرصتُ على حضور خُطبته، التي كانت مرة كلّ شهر عربي.
جلستُ بالمسجد ضحى يوم جمعة، يحدوني شوقُ رؤية هذا الجبل الأشم، والاستماع إليه، فخرج من غرفة الاستراحة، يقصد المنبر، رجلٌ ربعة، مُكتنزُ الجسم، ممتلئ الصدر، تكسو وجهه لحيةٌ كثّة تملأ وجهه، فتظنه رجلا من عصر الصحابة، عاد ليعلّم الناس صحيح دينهم، أكحلُ العينين من غير كحل، ذو وجه أبيض مستدير مشرب بالحمرة .
اعتلى الفقيد المنبر، وشرع يخطبُ في المصلين، ويبين لهم الحلال والحرام، وأسس العقيدة الصافية بلغة سهله، يفهمها العامَّةُ قبل الخاصة، وبقدرة فائقة على الشرح والتوضيح، تجعل الحضور مُنتبهين، وكأن على رؤوسهم الطير، فتنتهي خطبةُ الجمعة، وقد حفظها المصلون عن ظهر قلب، وهذا ما كان يحرص عليه الفقيد أشد الحرص، فكان يرفضُ مُطلقا، أن تغفلَ عينُ جالس أو يشردَ لبُّه .
سنواتٌ عديدة، حرص فيها الفقيد على خطبة الجمعة بقرية إمياي التابعة لمركز طوخ بالقليوبية، دون أن يتخلف عنها يوما، حتى في أصعب الظروف، كما لو كانت واجبا مقدسا.
أفادت القريةُ من ذلك العالم الكثير، وصحَّح للعديد مسارهم، فأدان له الكلُّ بالفضل، وأحزنهم فراقه أيّما حزن، ولكنه قضاء الله.
جمعني بالفقيد أكثرُ من لقاء خاص، فزرتُه في مسكنه بقرية الشرفا، التابعة لمركز القناطر الخيرية، وكان (فيلا) تطلُّ على الرياح التوفيقي، وتنعم شرفاتها، وتراسها الواسع بروعة هذا الشريان المائي العذب، وصفاء صفحة الماء.
في تراس تلك (الفيلا) على حافة الرياح التوفيقي غربا، جلسنا معه يوما، ننعم بالغداء، وبسحر المكان، وتمتلئ صدُورنا بهواء عليل محمّل بالندى، يأسرنا منظرُ الأشجار حول البيت، التي جعلت من المكان واحة غناء، ولوحة فنية ساحرة، زادها إشراقا مائدته العامرة بأنواع من (المحاشي)، بينها (دكر) بط محمَّر، لم تمسسه يد لامس، يدمغ بسخاء الرجل، وشدّة كرمه.
الشيخ الفقيد د. فتحي غريب، كان كعبة العقيدة في منطقتنا، فمثَّلَ فقدُه جرحا لا يندمل، لكنه قدر الله في خلقه، وكلُّ فقدٍ بعد فقد نبينا يهون، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا .
تعلم الفقيدُ على يد مُحدِّث العصر العلامة محمد ناصر الدين الألباني، وعلى شيوخ السعودية العظام ابن باز وابن عثيمين وغيرهما، فأفاد منهم الكثير، وبلَّغ ما سمع لطلابه وتلاميذه أروع ما يكون التبليغ .
رحل د. فتحي غريب، ولم يرحل أثره من طلاب أدانوا له بالفضل، وكتب زاخرة بالتوحيد الخالص، وهو ما يؤكد أنه مات جسدا وبقي أثرا .. رحم الله الفقيد، وربط الله على قلب أهله ومحبيه .
-------------------------------
بقلم: صبري الموجي







