عمار علي حسن، ذلك المفكر الملتزم والمهموم طول الوقت بقضايا أمته، والمشتبك مع واقعنا بأتراحه وأفراحه، تباريحه وتفاريحه، يطلق رصاصة التساؤل: لماذا يتواضع المصريون وتنخفض جباههم أمام الاستبداد والفساد؟!
لماذا يضيعون الفرص التي تسنح لهم كي يضمنوا للوطن خروجا من الضيق إلى البراح ومن الشدة إلى الفرح، ومن العناء إلى الرخاء؟!
في الفصل الأول من هذا السفر القيم، يؤكد الدكتور عمار علي حسن، على أنه إذا كانت الجغرافية هبة النيل، فإن مصر التاريخية تُعد في أغلبها هبة الدين، الدين في معناه العام، متجنبا الإشارة إلى دين بعينه، فالمصري القديم كان يزرع ويبني حضارة وتحت جلده يسكن الدين، ذلك الدين الذي كان دافعهم إلى التفوق العلمي في بحثهم عن الخلود.
الدين أيضا كان هو وقود الصراع بين الرومان و المسيحيين الشرقيين، ثم جاء الإسلام ليمنح مصر هوية عربية .
كل هذا التراكم الميتافيزيقي والتدين بأديان متعددة على مر العصور؛ هو الذي جعل الشخصية المصرية متدينة بطبعها، ولعله يكون من نافلة القول: إن البعثة المصرية لأداء فريضة الحج هي الأكثر عددا على مر التاريخ الإسلامي المصري، وذلك بصرف النظر عما تمر به مصر من حالات وأوضاع اقتصادية .
الدين مرّ في مصر بمراحل متعددة: فهو مرة أداة ثورية استخدمها علماء وطلاب الأزهر في مواجهة المستعمر، وهو مرة أداة ووسيلة إصلاح وتربية عند الشيخ الإمام محمد عبده ورشيد رضا، وهو تارة حركة سياسية على يد حسن البنا
الدكتور عمار علي حسن في كتابه حناجر وخناجر - فصله الأول تحديدا - والذي - من وجهة نظري- أراى أنه أهم فصل في هذا السفر الهام: يؤكد على أنه قد استقر في يقينه ان عناصر عدة يمكن دراستها لدور الدين لتشكيل الثقافة السياسية المصرية، وقد لخصها الكاتب في عدة نقاط مثل: موقع الدين في تاريخية الثقافة السياسية المصرية ودوره في تحديد الهوية، وما ينتجه الهيكل التنظيمي للمؤسسات الدينية المصرية من قيم سياسية، ثم مسقبل العقل السياسي المصري بين التمدين والتدين خاصة في ضوء التداعيات والضغوطات التي ترتبت على أحداث 11 سبتمبر 2001.
( لاحظ ان الكتاب صدرت طبعته الأولى عام 2007) والحقيقة أن للدين أدوارا متعددة تتغير بحسب العين والوسيلة، العين التي ترى هذا الجانب من الدين وبحسب الوسيلة المستخدمة، فهذا الصحابي الجليل (أبو ذر الغفاري) يمثل وجها من الدين، يتجنب أهل السلطة على مر العصور الإشارة إليه، وإن أشاروا إليه فإنهم يحاولون أن يسطحوا هذا التناول الثوري وتلك الشخصية.
وهناك الدين الذي يحلو للحكام استخدامه في كسب الشرعية، وتبرير الأوضاع القائمة، ولعل تاريخ الدولة العثمانية ومن قبلها العباسية والأموية، قائم على ذلك.
كما أن الدين - يؤكد عمار علي حسن - له الدور الأكبر في تحديد الهُوية المصرية عبر تاريخ البلاد الطويل .
على أية حال الدكتور عمار يؤكد على أن كل هذه العناصر لا يمكن لها أن تُنجَز على وجه أكمل من دون تلمس الخطين اللذين سارت فيهما الدراسات التي تناولت تاريخ مصر، وهما : إما أن تاريخ مصر يتسم بالاستمرارية، بمعنى أن مصر لا تزال فرعونية، وإما ذلك الطرح الذي يؤكد على أن تاريخ مصر تاريخ متنوع. وربما أن الكاتب السينارست العظيم "أسامه انور عكاشة" قد ناقش تلك الرؤية والطرح الأخير، في عمله الرائع أرابيسك، والذي تم عرضه كـعمل درامي وعُرض على شاشة التلفزيون المصري عام 1994م .
تحت عنوان : "موقع الدين في الحياة السياسية المصرية": يتعرض الكتاب، للحظة الفارقة في تاريخ ارتباط الدين بالحياة السياسية، وهي لحظة الثورة الفكرية على الدين وبزوغ نجم العلمانية في أوروبا، هذه اللحظة الثورية فجرت تلك العلاقه الأزلية التي كانت قائمة بدءاً من المجتمعات الطوطمية حتى حلول عصر الإيمان وبعث الرسالات السماوية، مرورا بالمجتمعات القبلية والعشائرية .
فعلا، كانت لحظة فارقة اخترقت حدود القارة العجوز وهزت ما كانت تعتقده مجتمعات أخرى (ثوابت) أو (مقدسات)، مع أن السياسة في إجراءاتها وتفصيلاتها (صناعة بشرية) لا كما أراد لها الحكام من إضفاء ثوب القداسة عليها أو أنها ثوب ألبسه الله للحاكم.
وتحت عنوان: تاريخية العلاقة بين الحاكم والمحكوم في مصر والتي يؤكد فيها عمار: أن مصر هي أول دولة على سطح البسيطة، وأن علاقة المحكوم بالحاكم فيها هي الأقدم والأعمق، تلك العلاقه التي مرت - كما يرى الدكتور عمار - بثلاث محطات :
أولى هذه المحطات، مرحلة "تأليه الحاكم" ، حيث كان الملك يؤلَّه في حياته وبعد مماته. والحاكم الإله هذا هو الضامن لإستقرار نظام الكون والحياة.
مع دخول المسيحية مصر سنة 60 م؛ بدأت مرحلة أو محطة ثانية، وهي مرحلة نزع الألوهية عن الحكام - لدى الأغلبية -، ثم كان التحول الأكبر وذلك حين اعترف الإمبراطور الروماني (ثيودوسيوس) بالمسحية سنة 379م دينا رسميا للدولة؛ فقويت شوكة المسيحيين في مصر في مواجة الوثنيين. في هذه المرحله لم ينبطح المصريون المسيحيون للحاكم الروماني، بل قاوموه وتعرضوا للاستشهاد حتى أن سورة البروج في القرآن الكريم قامت بتصوير تلك الجرائم التي ارتكبت في حق الرافضين للحاكم ووثنيتهِ .
ولما فتح المسلمون مصر؛ أحدثوا تحولا أكبر عما سبق في مقاومة الحكام، وقد أكد القرآن على عدم طاعة الحاكم في معصية الله.
وأما المرحلة الأخيرة، فهي محطة تكفير الحاكم بعد أن كان مُبجلاً قرونا طويلة، عاش فيها حكام مصر مقدسين، يحيطهم الجلال، لكن حدث أن انقلب الدينُ إلى غير صالح السلطان على يد الجماعات والتنظيمات السياسية ذات المرجعية الإسلامية وأُشهر سيفُ التكفير في وجه السلطان، ولعل كتاب معالم في الطريق لـ سيد قطب (1906مـ_1966مـ) والذي يعد المرجعية الأساسية لتكفير الحاكم، وذلك بعد أن كان قد نادى بنظرية الحاكمية، ثم تلقفت جماعة التكفير والهجرة (جماعة المسلمين) بقيادة شكري مصطفى تلك النظرية وراحت تكفر الحاكم والمجتمع لأنه يدين لحاكم كافر. والحقيقة فإن هذه الجماعات والتنظيمات التكفيرية حين كفّرت الحاكم لم تكن تريد إصلاحا ساسيا بقدر ما كانت تريد استبدال حاكم كافر بآخر مؤمن حسب وجهةُ نظرهم.
بقي أن نؤكد على: أن هذه قراءة في كتاب "حناجر وخناجر" فصله الأول فقط ، والذي هو في رأينا أهم فصل وإن كنا نؤكد على لزوم قراءة الكتاب بمجمله.
------------------------------
قراءة: محمود عبدالعليم







