سؤال الهوية الذي يُعاد طرحه في العصر الرقمي
أشرت في مقالي "في مسألة الهوية.. كيف تكون حضارتنا القديمة ركيزة لنهضة تتطلع إلى المستقبل؟" (المشهد 3 نوفمبر)، أن حدث افتتاح المتحف الكبير جعل المصريين "يشعرون بأن هويتهم لها جذور راسخة في عمق التاريخ، وجعلهم التراث الذي خلفه جدودهم للعالم، والذي وضع مصر على خريطة الحضارات العالمية بوصفهم أصحاب أقدم حضارة معروفة إلى الآن، يشعرون بالانتماء لهذه الحضارة وبأنهم شركاء في صنع هذا المجد". وكان من المفترض أن يحسم هذا الشعور الجدل الذي يثيره كل من يُصر على اختزال هوية مصر وشخصيتها في، بُعدٍ وحيدٍ من أبعاد شخصيتها، والتي كونت للمصريين هويةً مركبةً ومعقدة. لقد ناقش الراحل أسامة أنور عكاشة في بعض أعماله الدرامية التي كتبها، هذه المسألة، بدءًا بمسلسل أرابيسك الذي غرضه التلفزيون في فبراير 1994، ثم في مسلسل "زيزينيا" بجزءيه، الذي بدأ التلفزيون إذاعة حلقاته في نهاية ديسمبر 1997.
هذا الطابع المركب للهوية المصرية الذي أكده محمد شفيق غربال، في كتابه "تكوين مصر"، وميلاد حنا في كتابه "الأعمدة السبعة للشخصية المصرية"، وجمال حمدان في موسوعته الأشهر "شخصية مصر"، وأكدته نعمات أحمد فؤاد في كتابها عن شخصية مصر وكتاباتها الأخرى، لا يُرضي بأي حال من يصرون على التوقف عند بعد واحد فقط من أبعاد التاريخ المصري الممتد والمتواصل. وأظهر حدث افتتاح المتحف الكبير، أن المصريين لديهم ارتباط عاطفي ثابت ومؤكد بهويتهم الحضارية، وأن هذه الهوية الحضارية ضاربة بقوة في مصر القديمة بتراثها المادي والمعنوي، وأنها ممتدة وعابرة للزمان والثقافات التي وفدت على مصر وتفاعل معها المصريون وهضموها واستوعبوها، لتشكل رافدًا من روافد شخصيتها، والأهم أن هذه الهوية تشكل أساسًا لشعور المصريين بأن لديهم أملًا لامتلاك "إرادة المستقبل" و"إرادة التحدي"، وحرصًا على التواصل "روحيًا" و"عاطفيا" مع تراثها الحضاري العريق الممتد لآلاف السنين، والذي استطاع الصمود في مواجهة تحديات مستمرة حاولت، ولا تزال تحاول، أن تسلب مصر روحها.
في تقديري، أن أزمة الهوية لا وجود لها إلا في ذهن من يرغبون في أن يحصروا مصر في مكون وحيد فقط من مكونات شخصيتها واختزال أبعاد شخصيتها المنفتحة، على الإنسانية أولًا وعلى الاتجاهات الرئيسية الثلاثة، المتوسطي والآسيوي والأفريقي، التي تفاعلت على أرضها على مدى تاريخها، والتي لا تزال تتفاعل على أرضها إلى اليوم. فهناك من يريد اختزال مصر في حضارتها القديمة فقط ويرون أنها "تشوهت"، نتيجة دخول مكونات أخرى، هيلينية وبيزنطية ومسيحية وعربية وإسلامية أو أفريقية، وفدت إليها في فترات تاريخية مختلفة وممتدة، وهناك من ينكرون على مصر مرحلة مهمة في تاريخها، وهي المرحلة المسيحية القبطية، والتي لم يكن لها ولفترات طويلة، نصيب في مقررات التاريخ التي يجري تدريسها في مراحل التعليم المختلفة، الأمر الذي حرم مصر وثقافتها من مكون مهم ورئيسي، حافظ على تراثها التاريخي وعلى تراثها المادي ممثلًا في العمارة. وربما كان هذا الغياب لشخصية مصر القبطية، في مقابل التركيز الطاغي الذي يختزل مصر في البعد العربي الإسلامي، أحد مصادر التوتر الأساسية عند مناقشة موضوع هوية مصر.
هناك بعد آخر في شخصية مصر، يتم تغييبه عمداً ولأسباب سياسية وثقافية، هو البعد المتوسطي، الذي كان مشروعا للنخبة المصرية قبل عام 1952، على النحو الذي بلوره طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، وهو كتاب يناقش أسس النهضة الفكرية والثقافية لمصر، المرتكزة على التعليم. ويرتبط هذا التغييب تحديدًا بالفريق المتوجس من انفتاح مصر ثقافيًا وفكريًا على العالم بدعوى الحفاظ على هويتها وقيمها. وينسى هؤلاء أن فترات الانحطاط والتراجع والتدهور في تاريخ مصر، هي تلك الفترات التي حُجبت فيها عن العالم وفرضت عليها عزلة، ولا ينتبه هؤلاء إلى خطورة عدم مواكبة الثقافة المصرية التي كانت متفاعلة ومؤثرة في ثقافات العالم، لما يمر به العالم من تحولات متسارعة وعاصفة تغير من وجه الحياة، خصوصًا في مرحلة الثورة الصناعية الرابعة وما تبشر به من تغيرات جذرية في علاقة الإنسان بمحيطه وبيئته، وأيضًا في غلاقته مع أحد أهم منجزاته، التي وضع فيها خلاصة تطوره المعرفي والفكري في سعيه للارتقاء وفي مسيرته نحو التحضر والمدنية، والسيطرة على الطبيعة وتطويعها، وأشير هنا تحديدًا إلى التقنية والآلة التي من المنتظر أن تلعب دورًا كبيرًا في المستقبل، الذي يصفه بعض المفكرين والدراسين "ما بعد بشري".
هذه الأمور جميعًا تفرض علينا إعادة التفكير في مسألة الهوية كي نتقدم بخطى أكثر ثباتًا وثقة نحو المستقبل، مستندين إلى إرث تاريخي وحضاري ممتد وله حضوره البارز في وعي البشر في شتى أرجاء المعمورة. وقد يكون المنهج الذي سار عليه الأستاذ شفيق غربال في مقالته عن "تكوين مصر"، طريقة مناسبة لهذه المهمة، فالرجل رصد عددا من النقاط المهمة في دراسته، والتي لخصها تحت عنوان بالغ الدلالة، وهو "مصر هبة المصريين"، فالمصريون الذي عاشوا في هذا الركن من العالم على ضفتي النهر، الذي تمكنوا من تطويعه وإخضاعه في استجابتهم لتحدي التغير البيئي وما أحدثه من جفاف في المنطقة المحيطة بمصر، من أنشأوا هذه الحضارة. وربما كانت النقطة الأهم في هذا المنهج الانتباه إلى مبدأ التفاعل بين الاستمرار والتغير في مسيرة مصر التاريخية، وأيضًا عوامل التماسك الاجتماعي بين من عاشوا على أرضها، والمكانة التي احتلها الفرد في المجتمع، في هذه التجربة الفريدة، وعلاقة مصر بالعالم القديم والمعاصر، والتي تظهر تأثيرهم في الحضارة الهلينية وفي المسيحية وفي الإسلام وفي العالم الغربي، بقدر ما تأثرت بهم.
مسألة الهوية محسومة لدى الرجل، إذ يمنح للفرد كامل الحرية في ينتمي لمصر، فالمصري عنده هو كل شخص يصف نفسه بهذا الوصف، ولا يحس بشيء يربطه بأي شعب آخر ولا يعرف وطنًا له غير هذا الوطن، بغض النظر عن أصول أسلافه حتى لو كانوا غرباء عن مصر. وهذا الاختيار الحر هو الأساس في أن الطابع المصري الذي تشكل في هذه البيئة المصرية لا يعبر عن هوية عرقية، وإنما يعني موقفا من الحياة، وهو الأمر الذي جعل مصر دائمًا تسمو فوق هامات الحقب والعصور. ولا يمكن فهم تشكل الهوية المصرية الحديثة دون فهم لهذه الخصائص. وإذا كان منهج غربال يعيننا على فهم كيف أن التغير لم يؤثر على الاستمرارية والثبات، في حين أن المنهج الذي وضعه جمال حمدان لفهم الدور الذي لعبته عبقرية المكان في فهم الشخصية المصرية، يعيننا على فهم ديناميكيات الاستمرارية وعناصر الثبات في هذه الشخصية.
مصر للمصريين
ربما كانت السمة الأبرز في هوية مصر هي أنها لا ترتكز على فكرة العرق. فمصر تاريخيًا دولة مركزية على مستوى الحكم والإدارة، لكنها متنوعة عرقيًا وثقافيًا، وجاءت الأسر الحاكمة من أعراقها المختلفة. وعلى الرغم من تزامن هذا التنوع العرقي والثقافي والقومي واللغوي، في مراحل كثيرة في تاريخ مصر، كانت هناك دومًا وحدة ما بين المصريين على مستوى الهوية الجامعة، وأن هذه الوحدة أتاحت مستويات كبيرة من التماسك الوطني والسمات المشتركة التي تتجلى بشكل خاص في مواجهة التحديات، وخصوصًا التحديات الكبرى خارجية كانت أم داخلية والتي تستهدف بشكل خاص وحدة المصريين وتماسكهم، وأعطت هذه الوحدة لمصر تمايزها في المحيط، حتى حينما كانت جزءاً من إمبراطوريات أكبر، مثلما كان عليه الحال في الإمبراطورية الرومانية بعد غزو الإسكندر الأكبر عام 332 قبل الميلاد، حين كانت مصر محتلة من الفرس، الذين قاموا بغزوها عام 525 قبل الميلاد، أو بعد الغزو العربي عام 639 ميلادية، والذي أصبحت مصر بعده ولاية من ولايات دولة الخلافة الراشدة أولًا ثم الأموية والعباسية، لاحقًا، إلى أن تمكنت من تحقيق قدر من الاستقلال النسبي، بلغ ذروته مع الفاطميين الذين جعلوا منها مقرا لخلافتهم إلى أن تم القضاء على حكمهم على يد صلاح الدين وتأسيس الدولة الأيوبية التي اتخذت من مصر مركزا لها، قبل انهيارها وخضوع مصر لحكم المماليك الذين فرضوا سيطرة عسكرية إلى أن قام العثمانيون بغزو مصر في عام 1517 ميلادية لتصبح ولاية عثمانية لكن المماليك تمكنوا من استعادة نفوذهم تدريجيا وظل الحال على هذا النحو إلى أن اختار المصريون محمد علي ليكون واليًا عليهم، وحصولها على استقلال نسبي عن العثمانيين حتى قبل إعلان إنهاء الخلافة العثمانية رسميا في عام 1924، وكانت مصر وقتها خاضعة للاحتلال البريطاني.
غير أن هذه التحولات في تاريخ مصر السياسي لم تؤثر على تمايز المصريين، الذين انخرطوا في كثير من الثورات ضد الإمبراطوريات التي تعاقبت عليهم. وجسدت الصياغة الأحدث للهوية المصرية، تحت شعار "مصر للمصريين"، في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ، حقيقة أن هوية مصر لا تستند إلى أساس عرقي، وقد تبلورت الهوية المصرية نتيجة لمشروع التحديث الذي قاده محمد علي. ومن اللافت أن من رفع هذا الشعار المثقفون الذين وفدوا للعيش في مصر من الشام ومن مناطق أخرى في حوض المتوسط، وشكَّل هذا الشعار فلسفة قوانين منح الجنسية للمصريين والتي مرت برحلة تشريعية في بدايات القرن العشرين، حين منحت الجنسية لكل من أقاموا في مصر قبل 1914، وعكست هذه القوانين التطور من مفهوم "الرعوية" العثماني إلى الشكل الحديث للجنسية باعتبارها "رابطة سياسية وقانونية" مع الدولة المصرية التي نالت استقلاها القانوني في 15 مارس 1922.
صدر أول قانون للجنسية في مصر بعد أربعة أعوام من استقلالها، وتحديدًا في 26 مايو 1926، ويعتبر أول تنظيم تشريعي حديث وفعَّال للجنسية المصرية، خصوصًا بعد تفعيله في عام 1929، بالقانون رقم 19. واستند هذا القانون إلى مبدأ حق الدم (jus sanguinis) في منح الجنسية، لكنه منح الجنسية أيضاً لبعض الفئات، استناداً إلى مبدأ حق الإقليم (jus soli)، ومن بين هؤلاء رعايا عثمانيين مقيمين في مصر منذ عام 1914. وظل هذا القانون ساريًا حتى صدور القانون رقم 160 لسنة 1950، والذي وضع بعد نهاية الامتيازات الأجنبية في مصر. واستقرت الجنسية المصرية بموجب القانون رقم 391 عام 1956، والذي تم تعديله بالقانون رقم 26، عام 1975. وتعرف أولى مواد هذا القانون المصريين، بأنهم المتوطنون في مصر قبل 5 نوفمبر 1914، وهو تاريخ إنهاء الحماية البريطانية، من غير رعايا الدول الأجنبية، والذين حافظوا على إقامتهم في مصر حتى تاريخ العمل بالقانون. وتضمن القانون بعض الأحكام الخاصة بإسقاط الجنسية أو باكتسابها.
وساهمت هذه القوانين في استقرار مفهوم الجنسية بالمعني القانوني والدستوري لأكثر من مئة عام، إلا أن هذا الاستقرار لم يُرسخ بشكل كامل الهوية المصرية باعتبارها المستوى الأعلى لانتماء المصريين، خصوصًا بالنسبة لكثير ممن يعتبرون أن انتماءهم الديني، لا سيما الإسلامي، أو العربي، تجب الرابطة التي تجمعهم مع المصريين الآخرين المنتمين لديانات أخرى، وكذلك بالنسبة لمن يُعلُون انتماءاتهم الفرعية، القومية أو الدينية، مثل النوبة وبعض الجماعات الأخرى، على انتمائهم المصري. ويلاحظ أن مسألة هوية مصر وشخصيتها الحضارية والثقافية كثيرًا ما تكون مثار خلاف في حالة التركيز على المكون الديني والثقافي. وعلى الرغم من أن مصر لا تعاني أزمة هوية على غِرار أزمات الهوية في بلدان عربية أخرى، مثل سوريا حيث يسود الاعتقاد بأن حُكَّامها الجدد يُركزون على البعد الديني المذهبي (المسلمون السنة) كأساس لصياغة جديدة للهوية تُخرج بعض المكونات الأخرى مثل العلويين والأكراد والدروز وتدخل مكونات من بلدان إسلامية، لاسيما الذين وفدوا للمشاركة في التمرد المسلح على النظام السابق من آسيا الوسطى، على أساس الرابطة المذهبية. لكن مصر تعاني في الوقت نفسه إلى حد ما من أزمة بناء الأمة كركيزة لهوية الدولة، والتي تعاني منها الدول الوطنية التي برزت ككيان قانوني مؤسسي في المشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى في سياق السباق الفرنسي البريطاني على ممتلكات الدولة العثمانية، والتي تعرف في أدبيات التنمية السياسية بأزمة بناء الهوية الوطنية للدولة.
مصر بين العروبة والإسلام
دخلت مصر القرن العشرين بقيادة نخبة اجتماعية وسياسية وفكرية موزعة بين الفلاحين وبين النخبة الحضرية التي لها سمات كوزموبوليتانية وحداثية. و"الفلاحون" هو الاسم الذي كان يطلق على المصريين الذين ليس لديهم أي ادعاء بالتمايز الثقافي أو العرقي، مثل العرب أو العثمانيين والشركس، أو الذين لديهم انتماءات وأصول عرقية واضحة مثل الأرمن واليونان والإيطاليين، وأبناء قوميات أخرى من البلقان وفدوا مع محمد علي أو استقدمهم، وبقايا عائلات المماليك، والذين اعتبر بعضهم جزء من المكون الكوزموبوليتاني الحداثي للنخبة. وكانت هذه النخبة، في مجملها، تتمحور منذ عام 1905 حول مشروع الأمة المصرية المتمايزة ثقافيًا عن المحيط العربي والإسلامي، وتبنت مشروعًا لتحديث مصر كي تصبح دولة عصرية منفتحة على الحداثة الأوروبية، وكان من أهم مشروعاتها تأسيس الجامعة المصرية وإنشاء مدارس للتعليم العام الحديث، كمسار موازي للتعليم التقليدي الذي كان متمركزا حول الأزهر ويتسم بطابع ديني واضح.
هذا التوجه نحو التعليم الحديث، تحديدًا، هو ما عارضته بعض رموز الثقافة التقليدية في ذلك الوقت، في حين عارضت جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في عام 1928، كرد فعل على إسقاط الخلافة العثمانية، الانفتاح على الحداثة الغربية، زاعمين أن مشروع النخبة المصرية الذين ربط بين مشروع الحداثة المصرية بمكوناته الوطنية، والحداثة الأوروبية والانفتاح على الغرب، هو مشروع لتغريب المجتمع معادي للثقافة الإسلامية والعربية، وتمكنت جماعة الإخوان من التأثير على بعض مكونات الحركة الوطنية المنتمية للطبقات الوسطى في المدن، وبين بعض التوجهات المتطرفة والرجعية في الحركة الوطنية المصرية المناهضة للنفوذ البريطاني والفرنسي في مصر.
في عام 1961، نشر نداف صفران، وهو يهودي من أصول شرقية ولد في القاهرة عام 1925، وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع الخمسينات حيث عمل أستاذا لدراسات الشرق الأوسط، كتابًا بعنوان "مصر تبحث عن مجتمع سياسي: التطور الفكري والسياسي في مصر في الفترة بين 1804 وحتى عام 1952"، حلل فيه أسباب فشل النخبة المصرية في بناء نظام سياسي ديمقراطي حر وأيديولوجية وطنية تتجاوز الأيديولوجية التقليدية المتمركزة حول الإسلام. لكن ثمة إجابات أكثر تفصيلا يتضمنها كتاب "مصر والعرب والإسلام: البحث عن الأمة المصرية 1900-1930"، من تأليف إسرائيل جرشوني وجيمس يانكوفسكي، الصادر في عام 1986، والذي ترجمه إلى العربية بدر الرفاعي في كتاب صدر بعنوان "هوية مصر بين العرب والإسلام، 1900 -1930"، والذي صدر في عام 2013، تربط هذا الفشل بالصراع على هوية مصر بين النخبة التي قادت العمل السياسي والفكري في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين وبين صعود التيارات القومية والعروبية والدينية، والتي فرضت القضايا المثارة بخصوص هوية مصر والتي لا تزال قائمة ولم تحسم.
الهوية والتقنية والمستقبل
لقد نقلت الثورة الصناعية الرابعة، وما أحدثته من تحولات كبرى على الصعيد العالمي وفي مختلف العالم النقاش حول مسألة الهوية إلى مستوى آخر، نظراً لأن الهوية الإنسانية هي التي تواجه تهديدًا خطيرًا مع تزايد الدور الذي تلعبه والخوارزميات والآلة في تنظيم حياة المجتمعات، حيث تتنزع الآلة من الإنسان مساحات في كثير من المجالات الرئيسية، بدءاً بالعمل والإبداع الثقافي والفكري وانتهاء بشكل الحكومات والنظام السياسي. ويلاحظ على الخطاب المصري والعربي بخصوص المستقبل، غلبة الانشغال بمسألة الهوية المجتمعات العربية والإسلامية، فيما تسود مخاوف بفقدان السيطرة على البيانات والمعلومات الوطنية. وعلى الرغم من أن كثيرًا من التقارير المتعلقة بتأثير صعود الخوارزميات على الثقافة، خصوصًا الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للعلم والثقافة والتربية (اليونسكو)، تشير إلى التحولات التكنولوجية ترسخ لفكرة التنوع الثقافي والتعددية الثقافية، كما أن تساعد في الحفاظ على التراث المادي وغير المادي للثقافات المختلفة، إلا أن جانبًا كبيرًا من الكتابات العربية حول هذا الموضوع أكثر انشغالًا بمسألة الهوية الوطنية.
هنا، تبرز مصر وإرثها الحضاري وبقوة. يتساءل الأثري الألماني جورج إيبرز في مقدمة كتابه عن مصر الصادر بالألمانية في عام 1878، عن سبب الانجذاب الغامض الذي يميز أرض الفراعنة؟ ولماذا يؤثر اسمها وتاريخها وخصائصها الطبيعية ويثير الاهتمام بطريقة مختلفة تماما عن تلك التي تثيرها الأمم الأخرى في العصور القديمة؟ ويشير إلى أن الجميع في بلاده وفي أوروبا سمعوا عن مصر القديمة وملوكها وأثارها ومعالمها منذ نعومة أظافرهم لارتباط اسمها بكثير من الأحداث التي ذكرت في الكتاب المقدس، لاسيما العهد القديم، وتعرفوا على شكل الهرم من الأهرامات في مصر القديمة، فمصر على نحو وآخر تشكل جزءا تكوينيًا في وعي البشر ليس فقط على مستوى التاريخ، وإنما كفكرة لأقدم حضارة عرفتها البشرية، هذا التميز الذي يدركه العالم أعطى لمصر شخصيتها المميزة، وهويتها. هذا الإرث الممتد يصلح كأرض صلبة يقف عليها الإنسان في أي مكان في العالم في مواجهة التحديات التي تفرضها الثورة الرابعة، وفي تطوير الاستجابات لهذه التحديات، تمامًا مثلما فعل السكان الذي استوطنوا هذا الركن من العالم قبل آلاف السنين ليقدموا إجابتهم على أكبر تحدي واجه البشر في تلك المنطقة المتمثل في الجفاف الناجم عن تغيرات مناخية وبيئية قاسية.
إذا كان لنا أن نسأل عن السبب فيما حل بالمصريين المعاصرين، فلا نجد سوى النتيجة الأساسية للاحتلال الذي عانت مصر منه مصر قبل أكثر من 2500 عام. هذه النتيجة تتمثل في تهميش المصريين في القرارات المصيرية المتعلقة بحياتهم ولم يتغير الحال في العصور الوسطى ومنذ تأسيس الدولة الحديثة. فالسواد الأعظم من المصريين مبعدون عن المشاركة في صنع القرارات المتعلقة بشؤون حياتهم اليومية، نتيجة لطبيعة النظام السياسي الذي يضع القرارات في يد قلة تحكم، ومصرة على تهميش الأغلبية المحكومة، واتخاذ القرارات التي تمس شؤونهم بالنيابة عنهم. التحولات التكنولوجية تحمل من الفرص بقدر ما تحمل التحديات بالنسبة لمستقبل مصر، وهذه الفرص تتطلب إعادة نظر جذرية في صيغة التعاقد المفروضة منذ احتلال مصر قبل 2500 عام بين الدولة المركزية والمجتمع، والتي تهمش المجتمع وتصادر مقدراته لصالح فكرة الدولة المركزية والقائمين على شؤونها، وتمنح الدولة سلطة تكاد تكون مطلقة في تحديد هوية هذا المجتمع على نحو يجعل المصري معزولا من إرثه الحضاري والثقافي. الافتراض الذي أطرحه هنا هو أن المصريين القدماء تمكنوا في صنع الحضارة على هذا الأرض لأنهم كانوا يعملون وفق صيغة أخرى للتعاقد تمنح السواد الأعظم من المجتمع وأفراده مساحات أكبر من المشاركة في صنع القرار واتخاذ القرارات التي تمس شؤونه، مع إدراك عدم تصادم ذلك مع ضرورة وجود دولة مركزية تنظم جهود الأفراد في مواجهة التحديات، وتمكنه أفراده من ذلك ولا تتخذ القرارات بالنيابة عنهم.
إن من شأن تغيِّر هذه الصيغة ومنح المصريين مساحة أكبر في تقرير مصيرهم وإدارة شؤونهم أن يضع مصر على الطريق لاستعادة نهضتها الحضارية الكبرى والتقدم نحو المستقبل بخطى ثابتة وواثقة. علينا أن نفكر قليلًا في تجارب المصريين في الخارج والذين تتفجر مواهبهم الفطرية في ظل نظام يمنحهم حرية أكبر في إدارة شؤونهم. علينا أن نتحرر من الآن من ذهنية المحتل المتحكمة في ثقافتنا والتي تصر على تهميش السواد الأعظم من المصريين وإبعادهم عن مراكز القرار، في هذا التحول ما يعيد لمصر هويتها المصادرة والمسلوبة لصالح هويات أخرى مفروضة عليها.
-------------------------------
بقلم: أشرف راضي







