30 - 11 - 2025

السعودية والصهيونية (3 من 6) | الملك: "نفضل الموت علي تسليم أرض العرب"

السعودية والصهيونية (3 من 6) | الملك:

وصل الملك بأمان إلى السفينة كوينسي يوم ١٤ فبراير ١٩٤٥، حيث كان الرئيس الأمريكي في انتظاره. ووفقًا  لما كتبه "ريجدون"، الذي اطلع على مذكرة معلومات الرئيس، فقد تم تزويد روزفلت بالمعلومات التالية عن ضيفه:

"يقال إن ثلاثة من الملذات المعلنة للملك في الحياة هي النساء، والصلاة، والعطور... يتمتع جلالته بسحر شخصي كبير وقوة شخصية عظيمة. وقد أسهم صعوده إلى السلطة في إقامة النظام في بلد له تاريخ طويل من الفوضى، وكان يمارس مهامه استناداً علي سياسة حاذقة وعروض عامة مشهورة من الكرم والصرامة حسب المناسبة.. كذلك – كما ورد في المذكرة - أي تراجع عن معارضته الثابتة للأهداف الصهيونية في فلسطين سيكون انتهاكًا لمبادئه... وفقًا للعادات العربية والإسلامية، فإن نساء أسرته في عزلة تامة، وبالطبع يجب ألا يُذكرن...."

بمجرد صعود الملك بأمان على متن كوينسي، أجرى هو وروزفلت على الفور تواصلًا شخصيًا بالتركيز على ما يشتركان فيه بدلاً من الاختلافات الواضحة بينهما. ووفقًا لما رواه إيدي، الذي كان مترجمًا لكلا الطرفين:

"تحدث الملك عن كونه 'الأخ التوأم' للرئيس، في العمر، وفي المسؤولية كرئيس دولة، وفي الإعاقة الجسدية. فقال الرئيس: 'لكنك محظوظ لأن ساقيك ما زالتا تمكنانك من الذهاب إلى أي مكان تختاره.' فأجاب الملك: 'إنك أنت، سيدي الرئيس، المحظوظ. ساقاي تضعفان كل عام؛ ومع كرسيك المتحرك الأكثر موثوقية فأنت متأكد من الوصول.' وهنا قال الرئيس: 'لدي اثنان من هذه الكراسي، وهما أيضًا توأمان. هل تقبل واحدًا كهدية شخصية مني؟' فقال الملك: 'بامتنان. سأستخدمه يوميًا وسأتذكر دائمًا المودة…'"

كما قدم الرئيس للملك هدية أخرى لها آثار بعيدة المدى على علاقة البلدين: طائرة ركاب من طراز DC-3. كانت الطائرة مجهزة خصيصًا بمقعد دوار يتيح للملك مواجهة مكة دائمًا أثناء الطيران، وقد أثارت هذه الطائرة اهتمام الملك بالسفر الجوي، وكانت لاحقًا أول طائرة في أسطول ما أصبح - بعد عقود من التدريب على الطيران والصيانة على يد الأمريكيين من شركة Trans World Airlines - الخطوط الجوية السعودية الحديثة.

بعد تبادل المجاملات، انضم الملك إلى الرئيس لتناول الغداء. ووفقًا لتوجيهات ريجودن، قدم موظفو الطعام الجريب فروت، ولحم الضأن بالكاري، والأرز، وأي إضافات تمكنوا من جمعها - مثل البيض، وجوز الهند، والصلصات المتنوعة، واللوز، والزبيب، والفلفل الأخضر، والطماطم، والزيتون، والمخللات. وبعد بعض التردد، "شرع جلالته في تناول الطعام، وأخذ عدة وجبات وأكل بشكل بادي المتعة"، حسبما تذكر ريجودن.

عندما حان وقت القهوة، طلب الملك من روزفلت أن يقوم خادم القهوة البروتوكولي الخاص به بشرف تقديمها علي الطريقة العربية ، وقد وافق الرئيس بالطبع على هذا الطلب. وكانت النتيجة تذوق روزفلت لأول مرة لمشروب معطر بالهيل يُقدَّم في أكواب صغيرة، وهو شائع في شبه الجزيرة العربية. شرب كوبين، وبدا مستمتعًا بذلك؛ لكنه بعد عدة أيام فقط أخبر الطاقم أنه وجده "فظيعًا".

لقد استمتع الملك عبد العزيز بوجبته إلى درجة أنه أذهل مضيفه بطلب غير متوقع: أراد أن يحتفظ بالطباخ الأمريكي لنفسه، وقد كتب ريجدون في كتابه "بحار البيت الأبيض": "قال الملك إن الوجبة كانت أول ما تناوله منذ وقت طويل دون أن يتبعها اضطراب هضمي، وأنه يرغب، إذا تفضل الرئيس بذلك، في الحصول على الطباخ كهدية"، وربما قصد الملك بذلك إطراءً، لكن كان هناك ارتباك بين الأمريكيين عندما قام إيدي بترجمة طلبه.

تذكر ريجدون: "روزفلت ، الذي كان دائمًا محاورًا ماهرًا في المواقف الصعبة، شرح أن الطباخ على متن السفينة كوينسي ملزم بخدمة فترة محددة، وأن العقد مع البحرية، أو شيء من هذا القبيل، لا يمكن كسره. وقد أعجبه أن جلالة الملك كان مسرورًا بالطعام وأسف جدًا لأنه لم يستطع تلبية طلبه. ربما سيسمح جلالته لنا بتدريب أحد طباخيه؟"

بعد هذا التبادل، توجه الرئيس والملك لإجراء محادثة جوهرية. وكانت قدرة روزفلت على الانخراط مع الملك في حوار حيوي استمر لما يقرب من أربع ساعات شهادة على إرادته التي لا تلين، لأنه كان مريضًا ومرهقًا. فقد أضعفت الرحلة الشاقة إلى يالطا والمفاوضات الصعبة هناك صحته الهشة بالفعل، وبحلول الوقت الذي جلس فيه مع عبد العزيز، لم يكن قد تبقي سوى شهرين فقط علي وفاته .

لاحظ إيدي أنه : "خلال هذا الاجتماع، كان الرئيس روزفلت في أفضل حالاته كمضيف ساحر ومحادث ظريف، ببريق وحيوية في عينيه وابتسامته الرقيقة التي دائمًا ما تكسب الناس له عندما يتحدث معهم كصديق. ومع ذلك، بين الحين والآخر كنت أراه في لحظة شرود، ويبدو وجهه شاحب اللون؛ وكانت الخطوط عميقة؛ وتبدو العينان متعبتين بلا حول ولا قوة. كان يعيش على أعصابه".

ويلاحظ إن سجل ما دار بين القائدين ضئيل للغاية، بالنظر إلى أهمية الحدث.

فقد اجتذب الاجتماع اهتمامًا ضئيلًا من الصحافة الأمريكية في ذلك الوقت، وذكره روزفلت بإيجاز فقط في تعليقاته للصحفيين بعد ذلك، وذكرت تقارير الرئيس إلى الكونغرس حول مؤتمر يالطا اجتماعاته بعد يالطا مرورًا سريعًا فقط ، ولاشك إن قلة الاهتمام من قبل الصحافة ليست مفاجئة، بالنظر إلى ما كان يحدث في العالم آنذاك وبالمقارنة مع الحملات الحاسمة للحرب في أوروبا والمحيط الهادئ، لم تبدُ مواجهة الرئيس القصيرة مع حاكم غامض من دولة صحراوية قليلة الشهرة قصة مثيرة للاهتمام. علاوة على ذلك، قرر المشاركون أن القضايا الحساسة التي كانت قيد النقاش لا تصلح للنشر العام، فاحتفظوا بالصمت بشأن بعض التفاصيل.

قال التقرير الرسمي للحكومة الأمريكية عن الاجتماع، المنشور في نشرة وزارة الخارجية بتاريخ 25 فبراير 1945، ما يلي فقط: "كانت المناقشات متماشية مع رغبة الرئيس في أن يجتمع مع رؤساء الحكومات في جميع أنحاء العالم كلما أمكن للحديث كأصدقاء وتبادل الآراء من أجل فهم أفضل لمشكلات بعضهم البعض." ولم يذكر التقرير الآراء التي تم تبادلها، فقط التقط بعض المسؤولين الأمريكيين في بعثة روزفلت المتنقلة أجزاءً متفرقة من المحادثة لاحقًا، لكن معظم ما يُعرف عنها جاء من مصدرين: المذكرات القصيرة لإيدي، الذي كان مترجمًا للطرفين وكان الأمريكي الوحيد غير الرئيس الذي سمع كل شيء، ومذكرة رسمية مشتركة أُعدت في ذلك الوقت بواسطة إيدي ويوسف ياسين، المستشار السوري للملك، والتي لم تُكشف للعامة إلا بعد رفع السرية عنها بعد 25 عامًا ( أي عام ١٩٧٠ ).

قاد الرئيس النقاش؛ أما الملك عبد العزيز، كضيف له، فلم يطرح أي موضوع للمحادثة، بل انتظر ليرى ما يود روزفلت مناقشته ثم رد عليه. ويؤكد سرد إيدي أن الملك لم يطلب أي مساعدة اقتصادية، ولم يُناقش هذا الموضوع، على الرغم من أن بلده كان يعاني في ذلك الوقت من صعوبات واسعة النطاق وحتى المجاعة بسبب الحرب التي قطعت مصادر دخله ( ولا شك أن إباء الملك وكبريائه منعه من ذلك )، بينما توجه روزفلت مباشرة إلى النقطة الأكثر إلحاحاً وهي: معاناة اليهود ومستقبل فلسطين، حيث كان واضحًا بالفعل أن الانتداب الذي منحته عصبة الأمم لبريطانيا في فلسطين قبل عشرين عامًا سيأتي إلى نهايته بعد الحرب.

"سأل الرئيسُ جلالتَه نصيحتَه بخصوص مشكلة اللاجئين اليهود الذين طُردوا من منازلهم في أوروبا"- وفقًا للمذكرة المشتركة- " فأجاب جلالته بأن رأيه هو أن يعود اليهود ليعيشوا في البلاد التي طُردوا منها. أمّا اليهود الذين دُمِّرت منازلهم بالكامل ولم يعد لديهم أي فرصة للعيش في أوطانهم، فيجب أن يُمنحوا مجالًا للعيش في دول المحور التي اضطهدتهم".

ولكن روزفلت قال له إن اليهود مترددون في العودة إلى ألمانيا، ولديهم رغبة «عاطفية» في الذهاب إلى فلسطين.. وقد تجاهل  الملك الحجة القائلة إن اليهود الباقين في أوروبا قد يخشون العودة إلى منازلهم، قائلًا: بالتأكيد سيُسحق النازيون على يد الحلفاء، وسيُكسَرون إلى الحد الذي لن يشكلوا معه تهديدًا مرة أخرى - وإلا فما جدوى الحرب؟ «اجعلوا العدو المعتدي يدفع الثمن؛ هكذا نحن العرب عندما نخوض الحرب»، قال ذلك وفقًا لرواية إيدي. «التعويض يجب أن يأتي من المجرم، لا من البريء الذي لم يفعل شيئاً.. ما الضرر الذي ألحقه العرب بيهود أوروبا؟ إن الألمان "المسيحيين" هم من سرقوا منازلهم وحياتهم. فليدفع الألمان الثمن.»

استطرد الملك - الذي كانت بلاده قد خلت من اليهود منذ عهد النبي محمد قبل اثني عشر قرنًا - إن «العرب واليهود لا يمكن أن يتعايشوا، لا في فلسطين ولا في أي بلد آخر. وقد لفت جلالته الانتباه إلى التهديد المتزايد لوجود العرب وإلى الأزمة الناتجة عن استمرار الهجرة اليهودية وشراء اليهود للأراضي. وأضاف جلالته أن العرب سيختارون الموت على أن يتنازلوا عن أرضهم لليهود.»

ولم يورد السجل العام أي إشارة إلى أن الملك رأى تناقضًا بين اعتقاده أن عرب فلسطين يفضلون الموت على التنازل عن أرضهم، وبين حقيقة أن بعض هؤلاء العرب أنفسهم كانوا يبيعون أراضيهم للمشترين اليهود.
---------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق

الحلقات السابقة من السعودية والصهيونية


مقالات اخرى للكاتب

السعودية والصهيونية (3 من 6) | الملك: