30 - 11 - 2025

لماذا هزمتنا إسرائيل؟

لماذا هزمتنا إسرائيل؟

كلما قرأت في وثائق النكسة ، كأنما أعيش الأحزان مرات ومرات ، تمزقني السطور كالخناجر ، تلتف حولي عنقي كأحبال تخنقني ، ولكنني أواصل القراءة .. ليس لأنني أهوي تعذيب نفسي ، وإنما لأنني أريد أن أعرف .. أن أفهم شفرة النكسة .. لماذا هزمتنا إسرائيل ؟..

أي كلمات يمكنها أن تعبر عن القلب المنفطر ؟ .. عن حزني العميق ؟ ..وصفته في عنوان مقال لي ذات يوم بأنه : " أحزان النكسة المعتقة " .. هل أتمكن من أن أنتهي من الكتاب الذي أريد أن أتركه للأجيال القادمة ، حتي لا تنسي ولا تغفر ؟! ..

ولقد تساءلت كثيراً ، ما الذي يمكن أن أضيفه إلي ما كتب بالفعل عن تلك الحرب ؟ .. فمن الناحية العسكرية هناك عشرات الكتب التي تناولت أعداد القوات المتقابلة والخطط والمناورات والمعارك وأنواع الأسلحة والذخائر ، ومن الناحية السياسية ظهرت عشرات الكتب التي تناولت كل الزوايا ، ولا زالت هذه الكتب تظهر حتي اليوم .. وهكذا يبدو أنه لم يعد هناك ما يخفي ، وخاصة بعد الإفراج عن العديد من الوثائق والشهادات الشفاهية لمن أحتلوا مواقع المسئولية خلال تلك الفترة الساخنة .. ما الذي يمكن أن يضيفه كتاب جديد ؟ ..

ولقد أرقني هذا السؤال وأرهقني بأكثر مما أرهقني كتابة الكتاب نفسه ، فلقد نشرت مجموعة من المقالات بشكل مسلسل في مجلة الدبلوماسي تضمنت قراءة تحليلية لبعض الوثائق الأمريكية التي أفرج عنها تحت عنوان "علي حافة النكسة" ، ولكنها لم تشبعني تماماً ، فقد اقتصرت لظروف النشر في مجلة شهرية علي بعض ما توفر لي بالفعل من معلومات ، وأستمرت تلك الحلقات لمدة عام ثم توقفت، وكانت ظروف عملي وحياتي تأخذني من مكان إلي آخر ، وتلك الأشباح تلاحقني بإلحاح كي أكتب ، فيأخذني الحماس أحياناً وأسود بعض الصفحات وأرتب المراجع وأعيد قراءتها متحملاً الآلام في معايشة تلك الأحداث المفجعة مرات ومرات، ثم أعود لأتساءل ما الذي يمكن أن أضيفه ؟ ..واستمر ذلك الوضع لسنوات طويلة ..

ظننت في بعض الوقت أنني أريد فقط أن أنزع هذه "الأحزان المعتقة" من أعماقي كي أتخلص منها وأتركها فوق الصفحات ، وأتصور أن ذلك ما كنت أفعله معظم الوقت عندما أكتب مقالاً في ذكري النكسة، وكأنني أحمل جنيناً وحشياً يمزق أحشائي ولا خلاص لي إلا بإخراجه ، مجرد التخلص من ذلك العضو المشوه الذي يمتص رحيق أيامي ، وتنظيف الجرح من صديده المزمن ، كي أتحرر من عذاب تلك الذكري المؤلمة ..

ظننت أحياناً أخري أن رغبتي في إخراج كتاب لا تزيد عن مجرد احتياج إنساني لإيداع شهادة للتاريخ عن فترة من أهم فترات مصر في القرن العشرين ، شهادة أصب فيها كل رصيدي المعرفي عن تلك الفترة بحياد وموضوعية ..

ولكنني تصورت أيضاً أن الكتابة في هذا الموضوع تزيد عن مجرد شهادة مجردة ، ورأيت أنها مسؤولية أتحملها تجاه أجيال قادمة قد تضيء لهم طريقاً أو تجنبهم الإنزلاق في الخطأ ..

إلا أن كل ذلك لم يكن كافياً لإقناعي بتحمل مشقة الكتابة ، ناهيك عن الآلام المصاحبة لكل حرف فيها ، فإذا كنت أريد التخلص من ذلك الكائن المشوه في أعماقي ، ألم يكن كافياً أنني شاركت بالفعل في معركة العبور الظافرة ؟ .. ثم تلك الصفحات العديدة التي سودتها أدباً ومقالات حول نفس الموضوع .. ألم يكن كل ذلك كافياً ؟ .. وإذا لم يكن كافياً فما الذي يمكن أن يفعله كتاب جديد ؟ .. مجرد سطور أضيفها إلي سطور ..

وإذا كانت المسألة تقتصر علي مجرد آداء شهادة ، فما هي أهمية شهادتي بالمقارنة مع شهادات أولئك الذين صنعوا القرارات في تلك المرحلة ، أو من كانوا خلالها أكثر وعياً وإدراكاً مني ؟ .. ثم أن شهادتي ستكون مجروحة مهما بالغت في التجرد والموضوعية ، لأن ذاتي النازفة هي التي تدفعني لذلك ، كبريائي الوطني ، إنتمائي الذي لا يتزعزع لهذه الأرض الطيبة .

مع ذلك ، فقد لاحظت أنني كلما أمعنت في القراءة ، كلما تزايد إلحاح أشباح النكسة ، بل أن تلك الأشباح بدأت تتجسد رويداً رويداً ، تأخذ شكلاً ومضموناً ، تنتظم في سياق أكثر إضاءة وتصريحاً .. وبدأت الفكرة تتسلل تدريحياً كي تضع أولاً الهيكل العظمي للكتاب ، ثم اكتسي العظم لحماً ، ولم يعد سوي أن أنفخ الروح فيه كي يكون ..

أنه ليس كتاباً عن التاريخ ، ولو أنه بالضرورة متعلق به ، ليس روايات عن أشخاص ، رغم أنهم بلا جدال بعض أبطاله ، ليس سيرة ذاتية ، وإن كانت تلك السيرة جزءا عضويا فيه ، كما أنه ليس تناولاً أدبياً أو فلسفياً ، رغم أنه لا يمكن الإفلات من ذلك .. يمكن القول أنها جماع كل ذلك في محاولة مخلصة لإستخلاص ما أسميته " شفرة النكسة " ، أو بمعني آخر كتاب لحل ألغاز هذه الشفرة ..

ومما لا شك فيه أن تجربتي الخاصة ما بين الحرب والدبلوماسية والأدب قد وضعتني في موقع فريد يتيح الرصد والبحث والتأمل والتحليل وإستنباط الدليل ثم محاولة إستنتاج الحقائق ، وبعض أبجديات هذه الشفرة قد تكمن في بعض خواطر كتبتها أثناء فترة المراهقة في الستينات ، أو في حديث عائلي حول مائدة العشاء ، أو في مقالات هيكل التي كنت أدمن قراءتها ، أو في عشرات الكتب التي قرأتها ، وربما تكمن في تلك السنوات التي أرتديت فيها البزة العسكرية ، في لحظات الدم والبارود وسلام الشهيد ، أو علي مائدة المفاوضات في إحدي عواصم العالم ، أو في حفل إستقبال في إحدي السفارات ، أو في مجرد حديث عابر في صالة الإنتظار بإحدي المطارات .. أن مفاتيح تلك الشفرة تتواجد في نفس الوقت داخل أعماقي وفي العالم من حولي ، ولا بأس من أن أحاول نيل شرف المحاولة ..

وأنا هنا مدين للكثيرين الذين قد لا يكفي المجال ذكرهم ، ولكن لا يمكن أن أغفل دور أسرتي الصغيرة ، أبي رحمه الله الذي كان يحثني علي القراءة ويوفر لي كل الإمكانيات المتاحة للمعرفة ، أمي رحمها الله التي كانت تسبغ علينا مشاعرها الدافقة وتغرس فينا الحب والغيرة علي الوطن ، خالي رحمه الله الذي كان يفيض وطنية وحباً لعبد الناصر ، خالاتي وعماتي وأشقائي ..

بإختصار تلك الأسرة التي كانت السياسة بالفعل جزءا أصيلا من يومياتها ، ثم لا يمكن أن أنسي أبداً أولئك المعلمين الشوامخ الذين نهلت علي أيديهم حب المعرفة ، ومنهـــم "أبلة فاطمة" مدرستي في المرحلة الإبتدائية ، والأستاذ عبد الرحيم الذي قدمني في حفل مدرسي قائلاً : " أقدم لكم شاعر المدرسة .... " ، ولم يكن عمري يتجاوز آنذاك التاسعة !! ، وغير هؤلاء  كثيرون ، وكذلك يحتل مرتبة خاصة الأستاذ محمد حسنين هيكل الذي تفتحت عيني علي مقالاته الأسبوعية تحت عنوان " بصراحة " في صحيفة الأهرام ، وأحمد بهاء الدين ، وطه حسين ، والعقاد ، وتوفيق الحكيم ، وزكي نجيب محمود وحسين مؤنس وغيرهم من الأقلام التي أسهمت في تشكيل بعض أفكاري ، وكذلك عبد الحليم حافظ وأم كلثوم وعبد الوهاب وسعاد حسني ونادية لطفي ورشدي أباظة وغيرهم من الفنانين الذي صاغوا بعض ملامح وجداني وأحلامي ، ثم كيف أنسي نجيب محفوظ ويوسف أدريس وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل وبدر شاكر السياب ، وأحمد فؤاد نجم وصلاح جاهين وفؤاد حداد وغيرهم من الأدباء الذين أضافوا إلي إحاسيسي وانفعالاتي سحر الكلمة ، ولكنني مدين أيضاً بشكل كبير إلي مواطن مصري عظيم حمل تاريخ مصر وطموحها وآمالها علي كتفيه ، وسار في المقدمة يحمل مشعله أمام أجيالنا ، أنه جمال عبد الناصر ..

أنني مدين لمئات من الكتاب في الغرب والشرق ، بعضهم قد آتي علي ذكره في سياق الكتاب ، وبعضهم قد لا أتذكره والسبب في ذلك أنني كنت خلال سنوات حياتي أجمع بعض الآراء وأدونها في صفحات متناثرة أثناء قراءة كتاب معين أو مقال في صحيفة أو مجلة ، لأهمية الرأي أو تعليقاً عليه أو لمجرد الإعجاب به ، ولكنني كنت لا أشير في تلك الصفحات إلي المصدر ، ربما لأنني لم أكن أفكر وقتها في أنني سوف أدرجها في كتاب ، وهو ما يتفق كذلك مع بعض المقابلات الشخصية التي كنت أجريها أثناء عملي الدبلوماسي سواء مع دبلوماسيين أو مسؤولين ، ففي كثير من الأحيان كنت أسجل علي أوراقي وفي شكل إنطباعات بعض ما تناولته في هذه المقابلات دون الإشارة إلي أسماء الأشخاص ، وأحياناً أخري كنت أكتب معلقاً علي بعض البرامج الإخبارية أو الوثائقية في محطات التليفزيون في البلاد التي خدمت فيها ، ومرة أخري دون الإهتمام بتسجيل إسم البرنامج أو المحطة ، ورغم أنني أشعر الآن بفداحة ذلك التقصير ، إلا أن عذري هو أنني لم أكن أقوم بذلك بهدف محدد ، فلم تعدو المسألة أن تكون مجرد إهتمام بالمضمون الذي أريد الإحتفاظ به ، كما أن الوقت لم يكن يسعفني للفهرسة والتدقيق في المصادر .. ومع ذلك فلابد أن أوضح أنني أيضاً مدين لهذه الأسماء التي ضاعت بين أوراقي وإن لم يضع أثرها ..

ومن المؤكد أن قائمة الدائنين لا تقتصر علي من تقدم ذكرهم فقط ، ولعلي في هذه العجالة أذكر أيضاً دينا أكيدا لتلك الخصيصة الليبرالية في بعض المجتمعات والتي أتاحت الإطلاع علي آلاف الوثائق السرية البريطانية والأمريكية والروسية والفرنسية والإسرائيلية ، أنه لأمر مقدر لتلك المجتمعات أن تفتح خزائنها كي تضيئ شمس المعرفة بعض زوايا التاريخ المظلمة ..

أنني مدين كذلك لرفاق السلاح الذين شكلت حواراتي معهم جزءا كبيرا من أبجدية الخنادق وأسرار الدم ، وخاصة جنودي البواسل الشهداء منهم والأحياء ، وكذلك رفاق درب الدبلوماسية في مؤسسة الخارجية المصرية العتيقة ، الآباء المؤسسين وكل من عملت معه مرؤوساً ورئيساً في تلك النخبة المميزة ، وأخيراً وليس آخراً لا يمكن أن أنسي رفاق القلم والأسماء تستعصي علي الحصر ، وكل هؤلاء كان مدداً لمدادي ، وزاداً لفكري ، ومرهماً لجراحي ، ومنديلاً لدموعي ، ورصيد لا ينفذ من الحب ..

لقد ظلت إيمان زوجتي وميسرة وحيدتي يتحملان بصبر إنشغالي عنهما في القراءة والكتابة ، دون الشكوي من الوقت الذي أقتنصه من حقوقهما ، وكان تشجيعهما بلا شك دافعاً أساسياً لإنجاز هذا الكتاب ، فلهما الشكر علي التضحية ، راجياً أن يكون ما أقدمه الآن هدية متواضعة لهما ، وخاصة إبنتي ميسرة التي أكتب لها ولجيلها هذا الكتاب ...

( من مقدمة كتابي – تحت الطبع – " دبلوماسية النكسة " )
----------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق


مقالات اخرى للكاتب

السعودية والصهيونية (3 من 6) | الملك: