لقرون طويلة كانت النقود تصنع من الذهب أو الفضة، لا لأنها جميلة فحسب، بل لأنها حقيقة ملموسة وتحمل في ذاتها القيمة التى تدعيها، لم يكن هناك فرق بين القيمة الإسمية والقيمة الواقعية، فالدينار هو ذهب، والدرهم هو فضة، وكانت المبادلة تفوم على شيء محسوس، وكانت هذه البساطة العظيمة سر قوة النظام النقدي القديم.
لكن المال كبقية اختراعات البشر لا يثبت على حال، فمع توسع التجارة وتعقيد الاقتصاد، وصعود الدول والامبراطوريات، ظهرت الحاجة إلي وسيلة أكثر مرونة، ورقة تسهل التعامل وتختصر الجهد وتعفي الناس من حمل المعدن، في بدايتها لم تكن الأوراق النقدية سوى "وعد مؤجل بالذهب" ورقة تقول: " أملك ما يعادل هذه القيمة في الخزانة"، وكان الناس يثقون ليس لأن الورقة جميلة، بل لأن خلفها ذهبا.
غير أن الوعد لم يستمر طويلا، وفي لحظة سياسية - اقتصادية فاصلة، قررت الدول أن تتخلى عن الغطاء الذهبي وأن تنتج النقود كما تنتج الكتب، لا بقدر ما في الخزائن، بل بقدر ما تراه مناسبا، ومنذ تلك اللحظة لم يعد المال ذهبا.
وهكذا تحولت النقود من شيء إلي فكرة، ومن واقع إلي رمز، ومن مبادرة تحمل ذاتها إلي ورقة لا تحمل شئ إلا التوقيع.
ومن الورق قفزنا إلي النقود الرقمية التى لا تمسك ولا تري، والتى تنتج بالكود وتحفظ على الشبكات وتنقل بلا حدود.
وبدأ العالم وكأنه دخل حقبة جديدة تتجاوز الذهب وتتجاوز الورق، لكن السؤال بقي معلقا هل هذا المال الجديد يغني عن القديم، هل يمكن لمنظومة بلا ذهب بلا مادة أن تمنح الإنسان الطمأنينة، ولعل هذا ما يجعل فهم سيرة النقود ضرورة لا ترفا.
------------------------------
بقلم: أشرف علي
* خبير أسواق المال والمعادن النفيسة






