18 - 02 - 2026

محمد جودة قنديل .. المعلِّم الأب!

محمد جودة قنديل .. المعلِّم الأب!

لم يُجمع طلابٌ علي حُبِّ مُدرس كإجماعهم على حُبّ المعلِّم الأب محمد جودة قنديل، يستوي في ذلك طلابُ القسمين العلمي والأدبي، ورغم أنَّ الرجل كان مُدرسا للدراسات الاجتماعية والجغرافيا، إلا أنّ ولاءَ طلاب القسم العلمي وحبَّهم له لم يقل عن حب طلاب القسم الأدبي، وربما يزيد، بعدما تعرفوا علي الرجل عن قُرب في سنوات الدراسة قبل التشعيب للقسمين، وحقا ليس من رأى كمن سمع !

كشأن مُعظم من درَّسوا لنا بمراحل التعليم قبل الجامعي، بدأ الرجل من الصفر، وعانى الفقر وتحمل كثيرا من الصعوبات، لتكون له بصمتُه في حقل التعليم، وصدق القائل:

ليس الفتى من قال كان أبي/ إنّ الفتى من قال ها أنا ذا .

حالت ظروفُه الأسرية الصعبة، ووقوفه مع أبيه يدا بيد؛ لتوفير لقمة العيش لإخوته بينه وبين الالتحاق بالثانوي العام، وفضّل عليه مدرسة المعلمين؛ لينهي دراسته مُبكرا، ويلتحق بسوق العمل مدرسا يتقاضى راتبا شهريا يساعده في تلبية مطالبه ومطالب إخوته، الذين كان لهم أبا بمعنى الكلمة .

اجتاز الطالب محمد جودة سنوات الدراسة بنجاح، دون أن تخمد في فؤاده جذوة التطلع للعلا، فأهّله تفوقُه بمدرسة المعلمين للالتحاق بكلية التربية، التي وصل فيها ليله بنهاره، وادخر من قوت يومه لشراء الكتب والمراجع؛ لكيلا يُحمّل والده ما لا يطيق، واستطاع بالصبر والجلد أن يحصل على شهادة الليسانس، ويلتحق بسوق العمل مدرّسا ليس له نظير علما وخلقا .

كان صبرُ محمد جودة ونجاحه ترجمة حيّة لقول السلف: على قدر ما تتعني تنال ما تتمني، فبصبره وسعيه الدءوب لهدفه حقّق ما أراد دون أن يستسلم لظروفه الصعبة، وضيق ذات اليد، أو يُحمّل شماعة الفقر ما لا تحتمل كما يفعلُ الكسالى في كل زمان ومكان .

كان الرجلُ في حياته العمليّة نموذجا فريدا، جمع إلي سعة العلم شدة الحلم، وإلي روعة المقال بشاشة الوجه وجمال المُحيّا .

تتلمذتُ على يديه في المرحلة الإعدادية، فربَّى فيَّ حبّ التفوق، وأشعل فيّ وفي أقراني جذوة الوصول للهدف، فكان دائما ما يردد علينا:

من طلب العلا سهر الليالي، وأنّ النجاح لن يكون إلا بالمرور على جسرٍ من التعب .

على يدي أ. محمد جودة قنديل عشنا طفولتنا بمعنى الكلمة، ومزجنا بين الجد واللعب، فكانت حياتنا عبارة عن تفوقٍ لا يعرف الكسل، هدوء لا يعرف الشغب، لعبٍ لا يعرف العُقد النفسية، حرية لا تعرف الانفلات، فأصَّل فينا أنّ للعب وقته وللمذاكرة وقتها، والعاقل هو من نجح في الموازنة .

امتاز الرجلُ بأسلوبٍ تربوي فريد، نجح من خلاله في أن يعرف شخصية كلّ تلميذ، ويُقدّم له العلاجَ المناسب، فعرف متى تكون الشدة ومتى يكون اللين، وحقا:

ووضع الندي في موضع السيف بالعلا / مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى .

صادف انتقالي للمرحلة الثانوية ترقيتَه أيضا، فكان من يُمنِ طالعي أن تستمر علاقتي وقربي من رجل حبّب إلي العلم، وربىّ فيّ حسن الخلق .

ولأنّ الحياة مليئةٌ بالمُنعطفات، ودوام الحال من المحال، اختلف مستواي الدراسي بمرحلة الثانوي عنه بالمرحلة الإعدادية - لأسباب أعلمُها جيدا - لن تكون في معرفة القارئ لها فائدةٌ، فتعامل معي أ. محمد جودة بحلم يفوق الحد، ونبل أخلاق قلما يتوافرُ في أحد .

أذكر أنّ الرجل - ولا أجدُ أروع من وصفه بكلمة رجل - تعهدني بالنُصح، وبذلَ ما في وسعه ليعرف أسباب عزوفي عن المذاكرة، وخصامي للكتاب دون أن يقف على السبب؛ لأنني لم أكن أعرفه آنذاك، وربما عرفتُه الآن .

المهمّ أنَّ الرجل استحضر في علاقته معي مقولة: ارحموا عزيزَ قومٍ ذل، فلم يزده تقصيري إلا حلما، ولم يُفكر مرة أن يجرح شعوري ولو بكلمة، ولم يطلب مني الإجابة عن سؤال يوما إلا إذا رفعتُ يدي لأجيب عنه، حتى وإن سأل الفصل على بكرة أبيه؛ تجنبا لأن يسألني فأخطئ وأعاقَب، فهذا ما كان يرفضه الرجل .. أن أقف أمامه للعقاب !

محمد جودة قنديل ابن قرية إمياي بالقليوبية رجلٌ من الزمن الجميل، وصالٌ للأرحام، حريصٌ علي العمل الخيري ومجاملة الأصدقاء، متفانٍ في مساعدة المحتاج، كلُّ هذا إلي جانب أنه خطيبٌ مفوه، وغيرها من الصفات التي جعلته معلما بدرجة أب، ونموذجا قلّما يجود الزمان بمثله .
-----------------------------------------
بقلم: صبري الموجي
* مدير تحرير الأهرام

مقالات اخرى للكاتب

الحاج علَّام أبو جَميل.. والراء المشاكسة!