كان الرئيس روزفلت سيسافر إلى البحر المتوسّط على متن سفينة كوينسي (Quincy)، ثم يطير من مالطا إلى القرم لعقد لقائه التاريخي مع تشرشل وستالين، ثم يعود إلى كوينسي في المياه المصرية للقاء فاروق وهيلا سيلاسي والملك عبد العزيز. وقد كُلِّف سرب المدمرات السابع عشر بالبحرية الأميركية، والذي كان يؤدي مهام مرافقة في الأطلسي، بمرافقة الطراد كوينسي. وكان ذلك الجزء السهل من الترتيبات.
أما الجزء الصعب فكان نقل الملك عبد العزيز وموكبه - وهم أناس لم يعرفوا نمط حياة آخر غير نمطهم - وكانوا يعدّون من البديهي أن عاداتهم ووجباتهم وممارساتهم الدينية سترافقهم أينما ذهبوا.
وعلي النقيض من روزفلت الذي كان أرستقراطياً ثرياً ومثقّفاً واسع الاطلاع على العالم؛ كان عبد العزيز حاكماً صحراوياً شبه أميّ، يعيش شعبه دون يتعرف بعد علي مسائل بسيطة مثل السباكة أو الكهرباء. ومع ذلك، افترض السعوديون - وبحق كما ظهر لاحقاً - أن الزعيمين سيلتقيان على قدم المساواة؛ إذ لم يكن عبد العزيز ليقبل بأقل من ذلك.
كان المخطط ينص على أن يسافر الملك ومستشاروه برا من الرياض إلى جدة، ثم يصعدوا على متن السفينة "ميرفي" للرحلة عبر البحر الأحمر إلى مصر. وبسبب قيود الأمن في زمن الحرب، تم الحفاظ على سرية الخطة بالكامل عن السلك الدبلوماسي الصغير في جدة وعن السكان المحليين. وقبل "إدي" الدعوات الاجتماعية رغم معرفته بأنه لن يحضر تلك الدعوات؛ بينما أطلق الملك شائعات تفيد بأن قافلته متجهة إلى مكة. وعندما صعد بدلاً من ذلك على متن ميرفي وأبحر، عمّ الذهول والحزن بين الناس الذين ظنوا أنه قد تنازل عن العرش أو تم اختطافه بواسطة القراصنة الأوربيين .
وبما أن كيتينغ وقائد ميرفي، القائد برنارد أ. سميث، لم يكونا يعرفان شيئًا عن الملك أو بلده أو عاداته، فقد كان شعورهما بالتوتر مفهومًا حول البروتوكول وكيفية تصرف طاقمهما. وبسبب متطلبات السرية، لم يُخبرا بأن "إدي" سيرافق الوفد العربي ويُعالج هذه القضايا نيابة عنهما.
كانت معلوماتهم الوحيدة عن الملك مأخوذة من موسوعة المعلومات، التي أفادت بأن للملك العديد من الزوجات والأبناء، وأن استهلاك الكحول والتبغ ممنوع في حضوره. وكانت خريطة ميناء جدة الوحيدة لديهم تعود إلى عام 1834؛ ولم تصل أي سفينة بحرية أمريكية هناك من قبل. وكان الأمريكيون يعلمون فقط أن الإسلام يحرم أكل لحم الخنزير وأن الملك يحب أكل لحم الضأن، لكنهم لم يعرفوا شيئًا عن تفضيلاته الغذائية الأخرى.
قال السعوديون في البداية إن الوفد المسافر سيتألف من 200 شخص، بما في ذلك بعض زوجات الملك. وأوضح القائد سميث أن السفينة "ميرفي" لا يمكنها استيعاب أكثر من 10 أشخاص، وقد تفاوض ويليام إدي وتمكن من خفّض العدد إلى 20، ومع ذلك، عندما وصل الملك وموكبُه إلى الرصيف، كان هناك 48 شخصًا، من بينهم أخو الملك عبد الله؛ واثنان من أبنائه، محمد ومنصور؛ ووزير ماليته الذكي عبد الله سليمان، الذي تفاوض على اتفاقية امتياز النفط مع شركة ستاندرد أويل قبل عقد من الزمن؛ وكذلك كان معهم الفلكي الملكي.
وكان على "إيدي" أيضاً شرح الأمر لمستشاري الملك حول سبب عدم إمكانية سفر النساء: فلا مكان على متن ميرفي يمكن حجزه لهن، وسيكن معرضات لأعين الرجال المتطفلة أثناء عبور السلالم.
رفض الملك عبد العزيز الكابينة المخصصة له على متن ميرفي؛ فقد أصر هو ورفاقه الـ47 على النوم في الهواء الطلق، متنقلين على ظهر السفينة حيثما توفر المكان. وبسبب مشاكل الملك في القدم والساق، كان المشي على الأسطح الصلبه صعباً عليه، فقام مساعدوه بفرد بعض السجاد.
كذلك رفض العرب الكراسي المتينة في غرفة السفينة واعتبروها غير مناسبة؛ فتم جلب عرش الملك المذهب ذو الظهر العالي، وجلس الملك فيه مواجهًا لمقدمة السفينة طوال الوقت، ما عدا أوقات الصلاة، حين كان هو ورفاقه يصلون باتجاه مكة - وقد حدد ملاحو السفينة موقعها لهم.
معظم العرب لم يشاهدوا من قبل سفينة تعمل بالمحرك أو أبحروا خارج المياه الساحلية، و أصبح معظم العرب يصابون بدوار البحر، لكن الملك لم يتأثر..
أحضر الملك عبد العزيز معه قطيعاً من الأغنام، والتي كان يتوقع أن تُذبح أثناء الرحلة لتكون وجباته - وأصر على أن يشارك البحارة الأمريكيون كضيوفه في تناولها. رفض سميث استيراد المواشي، لكن العرب قالوا إنهم لن يأكلوا اللحم المجمد من مخزونات السفينة ميرفي، وقد تفاوض إيدي ونجح في التوصل إلى حل وسط تمثّل في اصطحاب 10 أغنام على متن السفينة وحبسها في المؤخرة، وأوضح للملك أن لوائح البحرية تحظر على طاقم ميرفي أكل أي طعام سوى الحصص البحرية، ويقول إيدي:" بالطبع، لن يرغب الملك في حبس هؤلاء الشباب الأمريكيين الممتازين في السجن بسبب مثل هذه المسألة، أليس كذلك؟" .
وقد قبل الملك هذا التفسير، إلا أن لوائح بحرية أخرى تم تجاهلها لتلبية طلبات العرب، فقد آشعل السعوديون نيران في فحم لتحضير القهوة، وقد فعلوا ذلك بجوار غرفة ذخيرة مفتوحة، مما أثار رعب واستياء الأمريكيين.
كذلك كان "إيدي" يعلم أن الملك قد أحضر معه هدايا لجميع أفراد الطاقم، لذلك أقنع كيتينغ وسميث بقبول هذا الخرق للقواعد بدلاً من إهانة الملك برفضهم، وقال إيدي: "اشرحوا للمسؤولين لديكم أنه لم يكن بالإمكان تجنبه."
وقد أوضح إيدي في مذكراته أنه "حتي إذا كان لدي أي أمريكي ميل للسخرية من العرب أو الاستهانة بالملك، فإن حضور الملك القوي السلطوي، ورغبة إيدي وكيتينغ في تقديمه للقاء مع روزفلت في حالة إيجابية كانا يسيطران على ذلك، وقد كتب كيتينغ عن صعود عبد العزيز على متن الـسفينة "مورفي":"كان الانطباع الفوري هو العظمة والهيبة. وكان المرء يشعر بوجود قوة فائقة."
استمرت رحلة الـسفينة "مورفي" ليلتين ويوما كاملا، شهد خلالها الملك عبد العزيز ساحل بلاده على البحر الأحمر لأول مرة، وكتب إيدي لاحقاً: "كانت الرحلة ممتعة، كان الطقس معظم الوقت جيداً، ولقد انبهر البحارة بالعرب وبطرق حياتهم أكثر مما اندهش العرب من الحياة على المدمرة الأمريكية ، فلم يشهد أي من الفريقين شيئاً مثل الآخر من قبل، لكن الفرق هو أن أي خرق عنيف للتقاليد يعتبر خبراً للجنود علي ظهر متن المدمرة الأمريكية؛ بينما العجائب والأحداث غير المحتملة تُقبل بسهولة من العربي سواء حدثت في ألف ليلة وليلة أو في الحياة الواقعية. …"
حرص الأمريكيون علي إسعاد الملك من خلال عروض المدفعية البحرية وأجهزة الملاحة، وقد أبدى اهتمامًا كبيرًا بهذه الأمور، تناول الملك تفاحته الأولى واكتشف متعة فطيرة التفاح على الطريقة الأمريكية. وشاهد الملك عبد العزيز أول فيلم متحرك في حياته، وكان فيلماً وثائقياً عن العمليات على متن حاملة طائرات. ووفقًا لإيدي، فقد استمتع بالمشاهدة، لكنه قال إنه لا يميل إلى السماح بعرض الأفلام في بلاده، لأنها قد تمنح الناس "شهية للترفيه قد تشتت انتباههم عن واجباتهم الدينية." وكان هذا القلق سيزيد - كما كتب إيدي فيما بعد - لو علم الملك بما كان يحدث في نفس الوقت في بطن السفينة، حيث كان آخرون من أفراد وفده يشاهدون بسعادة كوميديا جريئة من بطولة لوسيل بول (الحلقات التي اشتهرت بعنوان I love lucy) ( أو لو تخيل الملك المؤسس أن مملكته سوف تنشئ في المستقبل وزارة للترفيه، يكون علي رأسها وزير من آل الشيخ!)..
كان إيدي الشخص الوحيد على متن السفينة الذي يتحدث اللغتين، ومع ذلك، كتب: "تواصل العرب والبحارة مع بعضهم البعض دون كلمات بنجاح وودّ كان حقًا مذهلاً.. أظهر البحارة للعرب كيف يقومون بأعمالهم وحتى سمحوا لهم بالمساعدة؛ وفي المقابل، كان العرب يسمحون للبحارة بفحص ملابسهم وخناجرهم، ويشرحون بالإيماءات كيف تُصنع ولأي غرض تُستخدم. وكان العرب مندهشين بشكل خاص من الجنود السود الذين يعملون في المطبخ على متن السفينة، وبشكل ما افترضوا أنهم لابد وأن يكونوا عربًا، وأصرّوا على التحدث معهم بالعربية، لأن السود الوحيدين الذين عرفوهم من قبل كانوا أولئك الذين جُلبوا إلى الجزيرة العربية كعبيد منذ سنوات عديدة."
---------------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق
الحلقة الأولي
السعودية والصهيونية (1 من 6) | ملك السعودية يرفض خطة رئيس أمريكا!







